تدفق نهر الفرات خلال الأيام الماضية بسرعة وحجم لم يشهدهما منذ أكثر من 50 عاماً، بحسب الرقم الذي أعلنه المهندس هيثم بكور، المدير العام للمؤسسة العامة لسد الفرات، عبر وسائل الإعلام الرسمية، تم تسجيل منسوب قادم من الجانب التركي وصل إلى 2000 متر مكعب في الثانية.
لفهم حجم الكارثة التي يمثلها هذا الرقم، يجب العودة إلى السجلات التاريخية الرسمية، فاستناداً إلى البيانات الموثقة من لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، والتي ترصد حركة النهر على مدار 41 عاماً (من 1970 إلى 2010)، بلغ متوسط التدفق السنوي لنهر الفرات نحو 778.5 متراً مكعباً في الثانية، ووصل خلال الفيضان الحالي إلى أكثر من 250% من هذا المتوسط.
حتى في سنوات الوفرة الاستثنائية التي شهدها القرن الماضي، وتحديداً في عامي 1988 و1989، وقف السقف التاريخي الأعلى للتدفق عند حاجز 1590 متراً مكعباً في الثانية. هذا يعني أن التدفق الحالي البالغ 2000 متر مكعب في الثانية يتجاوز أعلى ذروة مسجلة منذ أكثر منذ نصف قرن بنسبة تفوق 25%. بعبارة أخرى، ضخ الفرات حالياً ما يعادل 172 مليون متر مكعب يومياً نحو الأراضي السورية، وهو حجم كفيل بملء بحيرات سدود بأكملها في غضون أيام قليلة.
من 200 إلى 2000
المفارقة الأكثر قسوة تكمن في المقارنة مع الوضع قبل خمس سنوات فقط، ففي عام 2021، انخفض التدفق إلى ما دون 200 متر مكعب في الثانية، وهو أدنى مستوى مسجل، الفارق بين عامي 2021 و2026 يمثل تضاعفاً بنسبة 1000% في حجم المياه المتدفقة.
هذا التذبذب العنيف أجبر المزارعين في 2021 على مد أنابيب مضخاتهم مئات الأمتار داخل سرير النهر الجاف للحصول على الماء، ثم جاء المفيض اليوم ليغمر محركاتهم ومحاصيلهم الصيفية تحت أمتار من المياه الهائجة.
تمتلك تركيا على حوض الفرات منظومة عملاقة من 9 سدود رئيسية، بحسب بيانات الإسكوا، تبلغ السعة التخزينية الإجمالية لهذه المنظومة نحو 90.5 كيلومتراً مكعباً (مليار متر مكعب)، حيث يستحوذ سد "أتاتورك" وحده على سعة تبلغ 48.7 كيلومتراً مكعباً، وسد "كيبان" على 31 كيلومتراً مكعباً.
تاريخياً، استخدمت أنقرة هذه السدود للتحكم بمنسوب النهر، كما حدث بين عامي 1990 و1992 أثناء ملء سد أتاتورك، حيث انخفض التدفق إلى 482 متراً مكعباً في الثانية، أو في عام 2000 عند إنجاز سد "بيره جيك" لينخفض إلى 458 متراً مكعباً في الثانية.
لكن في عام 2026 أدى الأمطار الغزيرة غير المسبوقة والذوبان المفاجئ للثلوج في جبال الأناضول إلى امتلاء هذه الخزانات العملاقة بسرعة تفوق قدرتها الاستيعابية. أمام خطر تصدع أو انهيار أجسام السدود، لم يكن أمام الإدارة التركية خيار سوى فتح بوابات المفيض بأقصى طاقتها. المنظومة التي بُنيت لاحتجاز المياه، تحولت تحت ضغط الطبيعة إلى مدفع مائي ضخم يصوب 2000 متر مكعب في الثانية نحو دول المصب.
التدفق البالغ 2000 متر مكعب في الثانية لا يعني مجرد زيادة في منسوب المياه، بل هو اختبار بقاء للسدود السورية (تشرين والطبقة). هذه المنشآت هندست للتعامل مع دورات هيدرولوجية طبيعية، وتفريغ المياه بهذا الحجم وضع البنية التحتية تحت إجهاد هيدروليكي هائل فهي مصممة هندسياً للتعامل مع دورات هيدرولوجية تتسق مع البيانات التاريخية المبينة في المخطط (ذروة لا تتجاوز 1600 متر مكعب/ثانية). وجدت نفسها الإدارة التشغيلية في سوريا مجبرة على تمرير هذا الطوفان نحو قاع النهر لتجنب كارثة انهيار السدود.
أمطار غير مسبوقة
تظهر بيانات منصة مستكشف الإنذار المبكر (EWX)، التابعة لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS)، انقلاباً مناخياً جذرياً في حوض نهر الفرات خلال الربع الأول من عام 2026، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الذي سبقه.
في تحليل لخرائط الهطول المطري التراكمي، برز حزام كثيف باللون البنفسجي الداكن المتصل، غطى بالكامل المرتفعات الجنوبية والجنوبية الشرقية لتركيا، وهي المنطقة الجغرافية الحساسة التي تحتضن منابع الفرات ودجلة والمنظومة الرئيسية للسدود. يشير هذا النطاق اللوني، والذي يمثل الحد الأقصى في مؤشرات المنصة، إلى هطولات مطرية متطرفة تجاوزت 600 مليمتر خلال 90 يوماً فقط (بين شهري كانون الثاني وآذار 2026).
هذا الانفجار المطري يتناقض بشكل حاد مع خريطة الربع الأول من عام 2025، حيث سيطر اللون الأخضر على مساحات شاسعة من الحوض، مشيراً إلى هطولات ضعيفة تراوحت بين 10 و50 مليمتراً، مع بؤر متقطعة عند المنابع لم تتجاوز 250 مليمتراً، مما عكس حينها استمراراً لحالة الإجهاد المائي والجفاف.
من السماء إلى بوابات المفيض
من الناحية الهيدرولوجية، فإن تركز أكثر من 600 مليمتر من الأمطار في حيز زمني ضيق ومربع جغرافي محدد (فوق حوض التخزين التركي مباشرة) أدى إلى تجاوز التربة لسعتها الاستيعابية الطبيعية، ووصولها إلى نقطة "التشبع الكامل". النتيجة الحتمية لذلك كانت تحول الغالبية العظمى من هذه الأمطار فوراً إلى سيول هادرة وجريان سطحي مباشر يصب في أحواض السدود التركية.
ماذا عن العام القادم؟
لا تشير المعطيات المتاحة إلى أن ما حدث في ربيع 2026 سيتحول بالضرورة إلى نمط سنوي ثابت، لكن التجربة الأخيرة كشفت أن حوض الفرات دخل مرحلة أكثر هشاشة، حيث لم يعد الخطر محصوراً بالجفاف وحده، بل بات يشمل الانتقال المفاجئ من الشح الشديد إلى الفيضانات الحادة خلال فترة قصيرة.
احتمال تكرار تدفق يقارب 2000 متر مكعب في الثانية خلال عام 2027 يبقى قائماً، لكنه مشروط بتزامن عدة عوامل في وقت واحد: موسم مطري غزير فوق جنوب وشرق تركيا، تراكم ثلجي كبير في المرتفعات، موجة دفء مبكرة تسرّع الذوبان، وامتلاء السدود التركية والسورية قبل الربيع. من دون اجتماع هذه العناصر، سيكون السيناريو الأرجح هو موجات ارتفاع أقل حدة، لكنها كافية لإحداث أضرار في الأراضي المنخفضة والمضخات والقرى القريبة من مجرى النهر.
الخطر الأكبر لا يكمن في الرقم القياسي وحده، بل في ضعف هامش المناورة، فإذا دخلت بحيرة الطبقة وسدا تشرين والطبقة الموسم القادم بمخزون مرتفع، فإن أي زيادة مفاجئة في الوارد ستجبر الإدارة السورية على تمرير المياه سريعاً نحو مجرى الفرات، تماماً كما حدث هذا العام. وفي المقابل، إذا جرى تخفيض المنسوب احترازياً قبل موسم الذوبان، فإن القدرة على امتصاص الصدمة ستكون أكبر.
لذلك، تبدو الأشهر بين كانون الثاني وأيار 2027 هي الفترة الأشد حساسية، خلالها يجب مراقبة الأمطار في الأناضول، وسماكة الغطاء الثلجي، ومناسيب الخزانات التركية، لا منسوب النهر داخل سوريا فقط، فالإنذار الحقيقي يبدأ من المنابع، قبل أيام وربما أسابيع من وصول الموجة إلى جرابلس.
الخلاصة أن تكرار كارثة 2026 ليس حتمياً، لكنه لم يعد احتمالاً مستبعداً. ما حدث يجب أن يُعامل كإنذار مبكر طويل الأمد، يفرض إخلاء حرم النهر، حماية محطات المياه، وتنظيم الزراعة على أساس أن الفرات قد يعود في أي ربيع قادم لا كنهر شحيح، بل كقوة جارفة، كما أن غياب تنسيق معلن وشفاف بين دول الحوض سيبقي السكان في موقع المتلقي للصدمة لا الشريك في إدارتها مع كل موجة جديدة.
