بنيسان فاض النهر... وغطى الأرض والدار
ومشهورة عند الخلق... فيضة أبو عبار
ولو شفت ذيج السنة... شلون النهر هدّار
تگولنه شوگي إلك... يومن طفح بيّـا
تؤرّخ هذه "الأبوذيّة" حادثة الفيضان الكبير لنهر الفرات بدير الزور عام 1929، والشهيرة باسم "فيضة أبو عبار" التي غمرت عدداً من أحياء المدينة حينذاك، وخلّفت الكثير من الضحايا وهدمت مئات المنازل وخرّبت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
يستذكر أبناء دير الزور اليوم تلك الفيضة، وما ارتبط بها من حكايات وقصص سمعوها من آبائهم وأجدادهم، بالتزامن مع تعرّض مدينتهم لطوفان قطّع أوصالها وخرّب جسورها الترابية الوحيدة التي تربطها بمنطقة الجزيرة بعد أن دمّر النظام المخلوع جسورها الإسمنتية. فجاءت ارتدادات هذا الطوفان شبيهة لما حلّ بالمدينة خلال فيضة "أبو عبّار" التي ضربت المنطقة في مثل هذه الأيام قبل نحو قرن من الزمن.
المجرى الأصل من نهر الفرات، يتفرّع عنه فرع صغير يقسم مدينة دير الزور إلى قسمين، قبل أن يلتقيا مجدداً عند الطرف الآخر من المدينة. تلك الجزيرة النهرية المحصورة بين الأصل والفرع، يطلق عليها مسمّى "الحويقة".
وخلال ذلك الطوفان (فيضة عبار)، غمرت مياه النهر كامل منطقة الحويقة وصار الناس ينتقلون بين بيوتهم بالقوارب، ويقال أيضاً أن الماء تجاوز المجرى الأصلي من الناحية الشمالية، ووصل إلى منطقة المعامل الحالية (منطقة السبعة كيلومتر)، كما أن معظم (السدّات) على النهر قد كسرت.
من جهة الفرع الصغير، امتدت مياه الفيضان أيضاً لتصل إلى شارع "سوق الصاغة" الذي يبعد عنه قرابة 400 متر في داخل المدينة. وقد خلّفت الفيضة خسائر مادية فادحة وأجبر العديد من الأهالي على ترك منازلهم، وتحولت قصص هذه الكارثة وبطولات النجاة فيها إلى موروث شعبي يتوارثه أبناء دير الزور.
أبو عبّــار
اسم الفيضة ارتبط بسبّاح ماهر معروف لدى أهل دير الزور بشجاعته وجرأته، كان يحمل لقب "أبو عبّار" لكثرة ما كان يعبر المجرى الرئيسي من النهر سباحةً قبل كارثة الفيضة، وخلال ذلك تمكّن من إنقاذ العديد من الغرقى، بحسب روايات الأهالي.
ويروي أهالي دير الزور أنه خلال تلك الفيضة حاصرت مياه النهر الهادرة "أبو عبار"، وفي أثناء ذلك لمح جذع شجرة ساقها فيضان النهر، فنزل إلى النهر وسبح حتى أمسك بالجذع بإحدى يديه وراح يسبح باليد الأخرى حتى وصل إلى الجسر العتيق (الإعيوِر) على الفرع الصغير، إلا أن الجذع ضرب أحد أعمدة الجسر ليغرق ويُغرق معه أبو عبار.
بعض الروايات الأخرى، قالت إن "أبو عبار" سبح بجذع الشجرة حتى وصل إلى أساسات الجسر المعلق الذي كان حينها في مرحلة الإنشاء، ولم يتم تدشينه بعد، نافية أن يكون قد غرق في تلك الفيضة.
وبصرف النظر عن دقة تلك الروايات، صارت تلك الفيضة مع مرور الزمن تأريخاً يستخدمه العديد من أبناء الدير لتحديد زمان حادثة معينة، كقولهم: "ولد فلان قبل فيضة أبو عبار.. توفي فلان بعد الفيضة.. وقع الحادث الفلاني في سنة فيضة أبو عبار".
طوفان بعد خراب!
بعد مرور عقود من الجفاف وتراجع منسوب المياه، راح الأهالي يزرعون في الأراضي المتاخمة لضفاف النهر ويبنون البيوت ويقيمون المنشآت التجارية والسياحية على رصيفه دون علمهم بقدوم الخراب الأول على يد نظام الأسد قبل 15 عاماً، والطوفان الذي أكمل ما خرّبه الأسد.
فمنذ يومين، بدأ نهر الفرات بالفيضان بعد موسم ثلوجٍ وأمطار غزيرة، فتضرّرت أراضٍ زراعية وأرزاقٌ كثيرة في كل من دير الزور والرقة، وقضى أطفالٌ كانوا يسبحون في النهر، وقُطعت أيضاً مياه الشرب عن بقية المنازل بعد أن تضررت محطات ضخ المياه وتوقفت عن العمل.
أضف إلى ذلك أن دمار جسور دير الزور بفعل آلة حرب النظام المخلوع، وتبدد وعود التبرّع لإعمارها من قبل بعض رجال الأعمال بعد سقوط النظام، دفع الأهالي إلى إنشاء جسور ترابيةً بدائية تصل بين ضفّتَي الفرات، ليعبروا عليها وينقلوا أرزاقهم. وجاء الطوفان الأخير ليهدم تلك الجسور أيضاً.

