"طه الطه".. تراث الرقة ومتحفها الذي أهملناه فمات حزيناً

تاريخ النشر: 01.10.2020 | 16:55 دمشق

آخر تحديث: 18.11.2020 | 23:15 دمشق

إسطنبول- أحمد طلب الناصر

لا يتبادر إلى أذهان المارّين بحارة "العجيلي" في قلب مدينة الرقة، قبل دمارها، بأن ذلك الباب المنزلي الصغير، المصنوع من (صاج) الحديد والملوّن بالأسود، مقابل منزل الأديب الراحل "عبد السلام العجيلي"؛ كان يخفي وراءه قبواً يمتدّ على مساحة البيت الذي يعلوه (نحو 500م2)، ويحفظ تراثاً كاملاً، لا يرتبط بمدينة الرقة ومنطقة الفرات فحسب بل تناول تراث سوريا وربما تخطّاه أيضاً.

 ذلك القبو/ المتحف، تعود ملكيته للأديب والفنان الرقّي "طه الطه" الذي توفّي يوم الأحد الفائت عن عمر ناهز الـ 73 عاماً، في مدينة "شانلي أورفا" جنوب شرقي تركيا، حيث قضى فيها مرحلة تهجيره القسري من "درّة الفرات" ومدينته التي عشق، الرقة.

على مدى عقود طويلة، كان الطه يجمع مقتنيات متحفه حتى غصّت أجنحته بتلك المتعلّقة بمختلف الفنون وأدواتها على مرّ مئات، بل وآلاف السنين.

 

81865d30-8722-4c7e-ad30-9b2b42ab82e6.jpg
طه الطه داخل متحفه 

 

العمل الذي كان يقوم به في الرقة "هو نتاج نور العين لجهد استمر لخمسين عاما كاملة"، هكذا عبّر الراحل الطه لصديق دربه الروائي والنحّات "أيمن ناصر" قبل أن يسلم الروح بأيام.

"الناصر" الذي لم يقوَ على الحديث حول صديقه، لموقع تلفزيون سوريا، إلا بعد أن أنهى ما يليق من مراسم الدفن والعزاء في المدينة التي شاطره فيها رحلة اللجوء بتركيا.

وأضاف وهو يستذكر الطه قائلاً: " عاش وحيداً، وتوفي فقيراً وحزيناً". الفقر المدقع الذي لازمه كان نتيجة عدم مدّ يد المساعدة له خلال إنجازاته في خمسين سنة، قدّم فيها للثقافة السورية ما عجزت عنه مؤسسات ضخمة، بحسب الناصر.

ويستطرد، حوّل الطه قبو منزله إلى متحف نظراً لإمكاناته المادية المحدودة، حيث اعتمد فقط على مرتّبه لشراء المقتنيات بالإضافة إلى ما يُهدى له من أعمال.

إلا أن الطه تمكّن من تأليف معجم جمع أسماء المبدعين العرب، واقتنى أعمالًا فنية إبداعية لنحو 156 فناناً عربياً وعالمياً، ضمن قسم خاص بـ "الفنّ التشكيلي"، وضمّ متحفه لقى ومقتنيات منذ عصور ما قبل التاريخ وصولاً للعصر الحاضر.

 

741ee0ad-3a43-4dd3-b457-d8bdb95ce1ef.jpg
الراحل طه الطه بقرب بعض المنحوتات الحديثة 

 

أجنحة المتحف

المتحف أسسه الطه في بداية السبعينيات من القرن الماضي، بحسب الفنان التشكيلي الرقّي "محمد العكلة" الذي يشير في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن الراحل نقل محتوياته إلى المنزل المجاور لمنزل العجيلي في العام 1988.

والعكلة كذلك تربطه صداقة حميمة بالراحل الطه تمتد لنحو 25 عاماً، ويخبَر جيداً أجنحة وأقسام المتحف التي "فصّلها طه الطه بيده" بحسب العكلة

وتكونت تلك الأجنحة، بالإضافة إلى الفنون التشكيلية، من جناح الأرشيف والمخطوطات الذي تضمّن أكثر من 70 مخطوطة نادرة، ويذكر العكلة أن عبد السلام العجيلي تناول إحداها ضمن دراسة "بيبلوغرافية"، كما جمع الطه في الجناح وأرشف آلاف النسخ الأصلية من الصحف والدوريات التي يعود بعضها لأكثر من ثمانين عاماً.

القسم الثاني هو قسم التراث المادي الحديث للجزيرة والفرات، ويضم العديد من الأدوات والمقتنيات الأثرية والفلوكلورية العائدة لتراث المنطقة الذي يعود لنحو 100 عام مضت، بعضها اشتراها الراحل من أصحابها، وبعضها الآخر حصل عليه كهدايا.

القسم الثالث يشمل آثار الحضارات القديمة والعصور الإسلامية، وتتضمن مجموعة من القطع والأسرجة الفخارية والنقود المعدنية، وكانت محفوظة بشكل جيد وموثقة لدى مديرية آثار الرقة التي تعاونت معه كونه أهدى ما يزيد على 100 قطعة أثرية للمتحف الوطني في الرقة حين تم إنشاؤه عام 1982.

ويصف العكلة أهمية هذا القسم بقوله "كان لافتاً ومهماً جداً، ومن كُتب له رؤية تلك اللقى في ذلك الوقت شعر بمدى قيمتها التاريخية والتراثية للمنطقة كاملة".

 

2المتحف.jpg
طه الطه في جناح الأرشيف والمخطوطات

 

 

معارض وفعاليات محلية وعالمية في المتحف

"مفارقة قدَرٍ عجيبة ومحزنة حين يتقاطع تاريخ وفاة الطه، في السابع والعشرين من أيلول الجاري، مع تاريخ إقامة معرضه السنوي في المتحف" يلفت الروائي أيمن ناصر.

 

الأديبان عبد السلام العجيلي وأيمن ناصر في زيارة للمتحف.jpg
الأديبان عبد السلام عجيلي وأيمن ناصر خلال أحد معارض متحف الطه

 

بينما يكشف العكلة عن أن تلك المعارض استقبلت فنانين وأدباء من مختلف دول العالم للمشاركة في فعالياتها، وبجهد شخصي من الطه. وأثناء ذلك كان يتم تكريم شخصيات عديدة، من بينها: عبد الرحمن منيف، والعجيلي، والروائية الكويتية ليلى العثمان، وحميدو حمادة من الآثار السورية، والأديبة فوزية المرعي، بالإضافة إلى علماء الآثار "أنطوان مورتغات" و"موريس فانلون" وغيرهما.

بفضل تلك الفعاليات التي كانت تتضمن مسابقات في الشعر والتصوير والرسم، أصبح طه الطه اسماً معروفاً في أوروبا والعالم العربي، في حين كان مغموراً في وطنه سوريا.

 

مع الروائي إبراهيم الخليل.jpg
الطه مع الروائي إبراهيم الخليل خلال أحد المعارض في المتحف

 

e4a93ecb-9d4d-432a-9721-fcb82176c0ba.jpg
الراحل ونهر الفرات في الرقة

 

أثناء معرض في المتحف.jpg
أثناء إحدى الفعاليات في المتحف

 

المصير

يقول الناصر: "كان متحفه قبلة المثقفين العرب والمؤرخين الأجانب. وكل من يبحث عن الصدق والحقيقة في الفن والثقافة والجمال، لكنه وقع تحت سطوة الغربان السود فأحرقوا متحفه" بحسب وصفه.

ويفيد العكلة أن المتحف تعرّض للنهب والتخريب عام 2015، من قبل عناصر "تنظيم الدولة" الذين حملوا معظم المقتنيات على شاحنات خاصة ونقلوها إلى أماكن مجهولة" ويضيف أن الراحل أخبره بتمكّنه من إنقاذ بعض المقتنيات وإخفائها داخل بيوت في الرقة، إلا أنه بعد هروبه ولجوئه إلى أورفا، أعرب له عن قلقه من أن تكون هجمات قوات التحالف وغاراتها على المدينة قد استهدفت تلك البيوت وطالت المقتنيات.

 

a200da01-a080-4359-90dc-0bcab5f9d8f2.jpg
طه الطه قبل وفاته بنحو ثلاثة أسابيع داخل مرسم في مدينة شانلي أورفا

 

توفي طه الطه في مهجره حزيناً وحيداً فقيراً، محاولاً تكرار تجربته "الرقيّة" في "أورفا"، رغم سنيّ عمره الـ 73، ولكن القدر لم يسعفه.

وحتى وفاته لفّها الظلم والإهمال، يعلّق الناصر قائلاً: "صحته تدهورت كثيراً بسبب رطوبة المكان الذي كان يقيم فيه بأورفا، وإهمال بعض المقربين" موضحاً أن "جلطة دماغية" تعرّض لها الطه ودخل على أثرها إلى أحد المشافي ليتم تشخيصه خطأً بـ "كورونا" وعولج على هذا الأساس.

واكتشف الأطباء لاحقاً المرض الحقيقي، بعد أربعة عشر يوماً من الحجر الخاطئ، "وكان الأوان قد فات" يقول صديقه.

 

المتحف.jpg
داخل المتحف ويظهر في الوسط لوحة (بورتريه) لعبد الرحمن منيف،
وفي الجهة اليسرى نحتاً يمثّل الروائي عبد السلام العجيلي

 

مقالات مقترحة
فتاة ملثمة استغلت إجراءات كورونا وطعنت طالبة في جامعة تشرين
مجلس الأمن يصوّت على مشروع هدنة عالمية لـ توزيع لقاحات كورونا
وزير الصحة التركي: الحظر سيبقى في بعض الولايات بسبب كورونا