طفرة زائفة في الصادرات الإيرانية إلى سوريا

تاريخ النشر: 11.08.2021 | 06:36 دمشق

آخر تحديث: 11.08.2021 | 11:13 دمشق

إسطنبول - ضياء قدور

يتلاعب المسؤولون الاقتصاديون الإيرانيون على مواقعهم الرسمية بأرقام وإحصائيات التبادل التجاري مع سوريا مضيفين عليها مكياجا إيرانيا من الطراز الرفيع لإخفاء عيوبها الظاهرة في معدلات انحدارها المستمر، ولسد عقدة النقص الناجمة عن خيبات أملهم الكبيرة من السوق السورية، واستخدامها كذلك كمادة للاستهلاك الإعلامي الداخلي لتبربر استمرار تدخلهم السافر أمام شعبهم الذي بات أغلبه يعيش اليوم تحت خط الفقر.

أول القصيدة كفر... طفرة زائفة

في 19 يونيو/حزيران الماضي، أدلت المسؤولة في المكتب العربي الأفريقي لمنظمة تنمية التجارة الإيرانية، سهيلا رسول نجاد، بتصريح، تداوله على نطاق واسع عدد كبير من المواقع الإيرانية والعربية، حول وصول الصادرات الإيرانية إلى سوريا في الشهرين الأولين من العام الجاري الإيراني 1400 (من 21 مارس إلى 21 مايو 2021) إلى 49 مليون دولار، معتبرةً الرقم ارتفاعاً بنسبة 73% مقارنة بنفس المدة من العام الماضي.

وبعد أن كانت الصادرات الإيرانية لا تؤمّن سوى نسبة 3% من حاجة السوق السورية محتلةً المراتب المتأخرة جداً خلف الصادرات التركية والصينية والعربية في العام الفائت، احتلت الصادرات الإيرانية في الشهرين المذكورين أعلاه 8% من السوق السورية، حيث بلغت قيمة مكونات وأجزاء التوربيات البخارية قيمة 30 مليون دولار ( 60% من الصادرات الإيرانية)، وتلتها السلع مثل الموصلات الكهربائية وقضبان حديد الصلب ومسحوق حليب الأطفال، بحسب المسؤولة الإيرانية.

إن نظرة عامة على تصريحات المسؤولة الإيرانية حول الارتفاع الكبير في قيمة الصادرات الإيرانية (بنسبة 73%) في الشهرين المذكورين أعلاه توحي بشكل مخادع بتحسن معدلات التبادل التجاري بين إيران وسوريا، لكن التدقيق في التفاصيل الأصغر يظهر أن هذا الارتفاع الملحوظ في قيمة الصادرات ما هو إلا طفرة زائفة شهدتها معدلات التبادل التجاري بين البلدين في السنوات السابقة.

والسبب الرئيسي وراء هذه الطفرة الزائفة يعود إلى أن تحسن معدلات التبادل التجاري بين أي بلدين لا يعود إلى ارتفاع قيمة الصادرات بقدر ما يعزى إلى تنوع وتعدد المنتجات والسلع خارج إطار جدول المواد المصدرة والمستوردة المعتادة بين البلدين، وهو ما لم يحدث في الحالة السورية الإيرانية.

وفي الحقيقة، هذه ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها المسؤولون الإيرانيون خدعة صادرات مكونات وأجزاء التوربيات البخارية، التي احتلت أكبر نسبة في الصادرات الإيرانية بقيمة 30 مليون دولار في العام الجاري، للإيحاء بتحسن معدلات التبادل التجاري مع سوريا.

ففي وقت سابق، تحدث المدير العام للمكتب العربي الأفريقي لمنظمة تنمية التجارة الإيرانية عن تضاعف الصادرات الإيرانية إلى سوريا في الأشهر الأربعة الأولى من العام الشمسي الإيراني 1396 ( من 21 مارس 2017 حتى 22 يوليو 2017)، لتصل 58 مليون دولار بعد أن كانت تبلغ قيمتها 29 مليون دولار في نفس الفترة من العام 2016.

وكان من الملاحظ حينها أن الصادرات الإيرانية اشتملت على قطع التوربيات البخارية المعاجلة بمادة البلاتين مرتفع الكُلفة، بالإضافة إلى المركبات العضوية والمكملات الدوائية وحليب الأطفال وبعض أجهزة الرادار، والتي ساهمت جميعها في رفع قيمة الصادرات الإيرانية التي لم تتعدَّ نطاق القائمة المعتادة للسلع الإيرانية المصدرة إلى سوريا.

وما يؤكد أن ما يحدث هو طفرة زائفة هو الانخفاض المجدد الحاصل في معدلات التبادل التجاري بين إيران وسوريا في العام التالي 1397 (2018 تقريباً) بنسبة 43%، لتصل قيمة الصادرات لحوالي 100 مليون دولار بعد أن وصلت في العام 1396 (2017) حوالي 175 مليون دولار، بحسب الإحصائيات التي تنشرها منظمة تنمية التجارية الإيرانية بشكل دوري.

أي أن المسؤولين الإيرانيين يستغلون إحصائيات الأشهر التي يتم فيها تصدير المواد ذات القيمة المرتفعة إلى سوريا (كقطع التوربيات الحرارية والمركبات العضوية والمكملات الدوائية)، لاستهلاكها إعلامياً والإيحاء للداخل الإيراني بإحكامهم السيطرة على السوق إلى جانب سيطرتهم العسكرية في سوريا، دون التطرق للحديث بشكل عام عن‌ حقيقة انخفاض المعدل الكلي للصادرات الإيرانية في ذات العام.

وفي الحقيقة، لا نعلم ما إذا كان نظام أسد قادر على دفع ثمن صفقة التوربيات الحرارية التي يحتاجها بشدة لمعالجة أزمة شبكة الكهرباء المتهالكة بشكل نقدي أم لا، في ظل ظهور تقارير تتحدث عن عجزه عن سداد نص قيمة الشحنات المقسطة من النفط الإيراني المرسل إلى سوريا، وحاجته الشديدة للقطع الأجنبي.

وعلى ما يبدو يضطر نظام الأسد لاستيراد هذه السلع من إيران بعد أن يتم تقديم التسهيلات الإيرانية، كتخفيض القيمة أو تقسيطها أو تخفيف الضرائب الجمركية عنها، كما حدث في حالة الحليب الجاف عندما منعت إيران تصديره للخارج ما عدا الوجهة السورية.

ما هي الحقيقة؟
معدلات التبادل التجاري بين سوريا وإيران مستمرة في الانخفاض

بغض النظر عن صادرات شهر فروردين من العام الإيراني 1400 (من 21 مارس إلى 20 أبريل 2021) إلى سوريا، والتي وصلت لحوالي 35 مليون دولار محدثةً طفرة زائفة في معدلات التبادل التجاري، كما شاهدنا سابقاً في حالة عام 2017، عادت الصادرات الإيرانية في شهري ادربيهشت وخرداد ( من 21 أبريل إلى 21 يونيو 2021) للانخفاض من جديد بنسبة 60% و 35% على الترتيب، لتحتل بذلك سوريا الرتبة 17 لوجهات الصادرات الإيرانية، كما تظهر بيانات منظمة تنمية التجارية الإيرانية.

وعلى العكس من ذلك، قفزت الواردات السورية إلى إيران بنسبة 120%، مقابل زيادة بمقدار 36% في الصادرات الإيرانية خلال الفترة أعلاه مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، مما يعني أن حاجة إيران إلى السوق السورية أكبر بكثير من حاجة سوريا إلى السوق الإيرانية.

لذلك في ظل عدم تغير الظروف الموضوعية التي تساهم بتحسن معدلات التبادل التجاري بين إيران وسوريا، وعدم تنوع وتعدد المواد التي تحتاجها السوق السورية خارج قائمة الصادرات الإيرانية المعتادة، يبقى الاستخدام المُجْتَزَأ لإحصائيات أشهر محددة بعينها من قبل مسؤولي منظمة تنمية التجارية الإيرانية كمن يقرأ الآيات القرآنية الكريمة منقوصة دون تكملتها، حتى يتسنى له تأويل ما يريد وفقاً لأهوائه ورغباته.