طرائق السلام بين الرجال والنساء علامة اختلاف أو اتفاق؟

تاريخ النشر: 16.10.2021 | 07:08 دمشق

"من تفاصيل اللاجئين في مجتمعاتهم الجديدة"

كثير من التفاصيل التي اعتدنا عليها كمُسَلَّمات في مجتمعاتنا الأصلية، مما لا يدخل في باب الاختلاف مع الآخر، غدا اليوم عامل تباعد عن الاندماج في المجتمعات الجديدة، من ذلك مثلاً طرائق التحية والسلام التي تشكل لدى كل شريحة بشرية، أو دولة جزءاً من العادات والتقاليد المرتبطة إلى حد كبير بمرجعياتها المتنوعة، وغالباً ما تدخلت في تحديدها عوامل دينية واجتماعية وفكرية لها علاقة بذاكرة الشعوب، لذلك يبدو أنه من الصعب الحكم عليها بمعيار الموازنة، أو فكرة الصح والخطأ، أو منظارنا واعتقادنا نحن "الآخر"، واحترام طريقة التحية لدى شريحة أو دولة يعبر عن احترام الآخر، وحقه في التعبير والسلوك، وأن ما تربّى عليه واعتاده هو أدرى بدلالاته وقراءاته.

وقد كانت تلك العادات شأناً داخلياً بكل مدينة أو حي، عائلة، قبيلة، شريحة اجتماعية قبل تشكل مفهوم الدولة المعاصرة وانتشار السوشيال ميديا التي جعلت منها معرفة عامة، وغدا تحديدها جزءاً من العادات التي تريد أن تقرها "ثقافة الدولة"، والبروتوكول بين الدول أو الأفراد، مثلما حدث في اللباس كذلك، بالنسبة للبنطال الذي يعد اللباس الرسمي للرجال في معظم الدول العربية، في حين أن "الكلابية" هي اللباس الرسمي في دول الخليج والأمر لم يكن كذلك قبل سنوات قريبة...

وعادة ما يكون لكل شريحة مهنية طرائق تحيةٍ خاصة بها، صارت أقرب للعُرف، قسمٌ منها يأخذ طابع الاتفاق غير المعلن، وقسم منها يعد إلزاماً وجزءاً من شروط التحقق كما في تحيات شريحة العسكريين التي تتمثل في وضع اليد اليمنى نحو الأسفل أو إلى الأمام بجانب الرأس والوقوف باستعداد وضرب القدم على الأرض مع كلمة (احترامي سيدي) أو سواها.

السلام بين السوريين والسوريات عامة يتمثل في تبادل كلمات ذات جذر ديني أو اجتماعي، وقد يكون مصافحة كذلك، أما أقارب الدرجة الأولى أو الثانية فقد يكون السلام بينهم تقبيلاً، تبعاً للعرف والمؤثر الديني أو الاجتماعي، مع وجود خلافات شديدة جداً من عائلة إلى عائلة ومن شريحة إلى شريحة.

هناك حالات خاصة من مثل أوساط عالم التمثيل والمعهد المسرحي والتلفزيون وجوانب من شريحة الصحفيين أو الكُتَّاب حيث يكون السلام بين الرجال والنساء احتضاناً أو تقبيلاً.

تختلف دلالات التحية وطرائق قراءتها من شعب إلى شعب آخر، وهو ما لمسه السوريون نتيجة حالة اللجوء التي عاشوها، وقد انتقلوا للعيش في مجتمعات تختلف عنهم بدرجات كبيرة جداً

 وفي الوقت نفسه تستدعي أي حالة احتكاك بجسد المرأة لدى شرائح كبيرة من المجتمع السوري حتى لو كان مصافحة "وضوءاً" والقيام بالسلام مصافحة بين الرجال والنساء قد يكون مدخلاً لمشكلات عائلية.

وتختلف كذلك طرائق التحية في سوريا ما قبل الثورة تبعاً للجنس البشري، فالتحية بين النساء تختلف عنها بين الرجال، وعدد القبلات في الحالات المسموحة كذلك، وطريقة السلام على "المحارم" وفقاً للمفهوم الديني أو الاجتماعي، وقد استطاعت كل شريحة اجتماعية أو دينية سورية أن تفرز طرائقها الخاصة، بل إن عدداً من الجماعات البشرية السورية كانت لديها طرائق سلام وتحية خاصة بها، وهناك طرائق للسلام مع الآخر "السوري".

ولعله من الطبيعي، في ضوء تلك الاختلافات داخل المجتمع السوري نفسه، أن تختلف دلالات التحية وطرائق قراءتها من شعب إلى شعب آخر، وهو ما لمسه السوريون نتيجة حالة اللجوء التي عاشوها، وقد انتقلوا للعيش في مجتمعات تختلف عنهم بدرجات كبيرة جداً.

 وهذ ما حدث مع إشارة التحبب والتودّد التي قام بها "أبو عمران السوري" تجاه ابن جيرانهم الهولندي "ذي الثلاث سنوات" حيث حدثت مشكلة كبيرة، استدعت تدخل الشرطة واتهام الرجل بالشذوذ، إذ إن العادات في سوريا تختلف اختلافاً كبيراً عن العادات في هولندا، ففي الوقت الذي يكون فيه الاهتمام بأطفال جيرانك أو من تلتقي به علامة إيجابية، ويدخل تقبيله أو محاولة التواصل معه كدليل على أنك شخص لطيف، ولديك قدرة على التواصل مع مختلف الأجيال، ولست صارماً وحاداً بل متواضع، تُقرَأ طريقة التحية ذاتها على أنها اعتداء على خصوصية الطفل، الذي يجب ألا تلمس جسده، أو تبدي أي علامة تودد زائدة اتجاهه، فهذه مهمة الأهل وأقرب الأقربين، وهو سيلعب مع أقرانه، ولا علاقة لمعشر الكبار إلا المختصين بالأطفال، منذ تلك اللحظة التي قبَّل فيها أبو عمران ابن الجيران واحتجاج أهله على هذا الفعل، أطلق الرجل عبارته المشهورة: "اللعنة على بشار ومن والاه، من غير المعقول أننا آخر أعمارنا سنُتَّهَم بمثل هذه التهمة البذيئة!"

من جهة أخرى كان من الصعب على الرجال السوريين قبول الطرائق الجديدة في التحية والسلام بين الرجال أنفسهم، ففي الوقت الذي يُعَدُّ تشبيك أصابع اليدين ببعضهما بين رجليْن سوريين أو "الشنكلة" أو وضع اليد على كتف الآخر تحبّباً وتقرباً وعلامة علاقة ودية جداً، فإن هذا النمط يدخل في باب العلاقات المِثلية أوروبياً، ولمن يقوم بتلك الحركات فإنه يقوم بها مع شخص محدّد باتفاق طرفين، لذلك إن سلمتَ على صديق لك تقبيلاً في مكان عام، ستجد ربما نظرات مستغربة، مع إقرارهم بحقك الفردي في ممارسة خياراتك!

بل إن كثيرا من علامات الحب والتواصل بين الرجل والمرأة مما كان يحدث في سوريا وراء الكواليس، أو السرقة المسكوت عنها، أو في الحدائق العامة في الأمسيات، أو تحت الأدراج، أو في المناطق المعتمة، أو خلف البنايات أو في المصاعد، يعدّ أمراً عادياً ومألوفاً هاهنا بصفته فضاء تواصل بين شخصيْن يحبّان بعضهما، ومن حقهما أن يمارسا تفاصيل من علامات الحب أمام الجمهور العام، بل إنك ستُدان إنْ أظهرت أي حالة اهتمام أو استغراب، ويُطلب من عينك، التي كانت ترى هذا الحدث بصفته حالة معيبة أو ممنوعة أن تعتاد عليها، وعليكَ أن تكون رابط الجأش، غير مكترث به!

يختلف اللاجئون السوريون عن الأوروبيين في العيون التي يرون من خلاها التحية والسلام، يسلِّم كثير من الرجال السوريين على الغربيات اليوم تقبيلاً وعناقاً (صديقات أم زوجات أصدقاء أو معارف)، وفي الوقت نفسه فإن معظمهم لا يتقبلون أن يُسَلِّم رجل غربي أو شرقي على زوجته أو ابنته أو أخته تقبيلاً أو معانقة. عددٌ من النساء الهولنديات، بعد التعرف عن كثب على جوانب من المجتمع السوري ومفاهيمه ومرجعياته، بدأن يخففن من السلام تقبيلاً أو عناقاً على الرجال السوريين، بعد أن شعر عددٌ منهن أن طريقة سلام "عدد منهم" أبعد من عناق عابر أو قبلة تحمل دلالات سلام الأصدقاء والرفاق!

أذكر أنني إبان محاولتي تقليم عاداتي القروية في التسعينات قد سلمتُ مصافحة على إحدى السيدات ممن تشرَّبن الثقافة الدمشقية، فقالت لي جانباً بطريقة ودية: "أحمد النساء لا يُسَلَّمُ عليهن بهذه الطريقة، إبان المصافحة لا تضغط بيدك كثيراً على يدها، ولا تطوي يدك داخل اليد الأخرى". ومنذ تلك اللحظة لم يغب عن بالي سؤال حين مصافحة أي امرأة: هل هذه هي الطريقة الصحيحة، أم أنها ستعرف منذ أول لحظة أنني بعيد عن الإتيكيت وأنني قروي لا حول لي ولا قوة؟

 ارتحتُ من عبء البحث عن إجابة لهذه السؤال هنا في هولندا، فالنساء هاهنا فلاحات مثلي يصافحن مصافحة من القلب و"يمطقْن" خديك بقبلتين، فهن لسن فرنسيات مشغولات بالإتيكيت أو صار جزءاً من شخصياتهن، ولسن من بنات المدن الرئيسية في سوريا!

تفاصيل أخرى

اختلافُ طريقة الجلوس هي الأخرى عامل جديد في الدلالة عند اللاجئين السوريين بين مجتمعاتهم الأم والمجتمعات الجديدة، ففي الوقت الذي يُعَدُّ وضع قدم على قدم أو أن يكون طرف قدمك أمام الآخر وأنت جالس، إساءة بالمفهوم السوري والشرقي عامة، فإن هذا يُعدّ أمراً عادياً أوروبياً، وفي الوقت الذي يعد فيه مدّ الرجليْن أمام الأب أو الزوج شيئاً معيباً، ويدخل في باب عدم الاحترام فإن هذا أوروبياً يدخل في باب الحرية الفردية والراحة!

الدخول إلى البيت في الأحذية عُرف أوروبي مستقر، ومع مراعاة خصوصية كل بيت إن كان صاحب البيت مسلماً أو بوذياً، بل إنَّ رمي الحذاء عند مدخل الباب خارج حدود البيت يعد علامة عدم احترام، وفي تركيا لاحظتُ كذلك أن الأحذية تكون خارج البيت، وهذا أمر مضحك أوروبياً!

إبان عملي مديراً لمديرية العلاقات العامة والإعلام في وزارة التعليم العالي وأثناء زيارتنا لإحدى الدول جاء إلينا موظفو البروتكول ليشرحوا لنا كيفية السلام على الرئيس والمسافة التي يجب الالتزام بها وأن لا نبادر بمدّ يدنا وأن نعيدها مباشرة.

ما هو معيب أو مثار تهمة، إنْ قمتَ به بالمفهوم السوري، يكون عدم القيام به إشارة إلى قلة الاحترام عند الهولندي!

العرف الأكثر شيوعاً بالمفهوم السوري أثناء الحديث مع المرأة ألا تنظر أو تطيل النظر في وجهها، نتيجة خلفيات دينية واجتماعية، ويُعَدُّ عدم النظر إلى المرأة مباشرة، لدى شرائح اجتماعية سورية كثيرة، احتراماً وتعففاً وأدباً وأخلاقاً، أما في أوروبا، هولندا خاصة، فإن عدم النظر إلى من تتحدث معه رجلاً كان أم امرأة عدم احترام وتقدير، وقد لا يتمّ حديثه معك إنْ لم توليه اهتمامك كاملاً، من أجل ذلك فقد نشأت كثير من المشكلات وعلامات التخوين بين الأزواج والزوجات السوريين أثناء احتكاكهم مع الهولنديين، فما هو معيب أو مثار تهمة، إنْ قمتَ به بالمفهوم السوري، يكون عدم القيام به إشارة إلى قلة الاحترام عند الهولندي!

وبالرغم من أنف مرحلة كورونا وتبعاتها، التي حاولت تغيير عادات التحية والسلام، فإن أجمل التحيات وأغلاها حين تقع بين عينيْ أو يديْ من تحب، يشمُّك ويضمك ويعانقك بجسده، وكلماته..

 ولعل الأمّ أحد أبرز الأمثلة وأنقاها، وهي خير من يقوم بذلك، حتى لو أصبحتَ كبيراً، فإن سلامها عليك وضمّها لك وقبلاتها لا يعادلها شيء، كأنها تقول لك: هذا الجسد الذي خرجتَ منه مشتاقٌ إليك يا ولدي- يا ابنتي!ِ