طرائف اشتراكية في يوم عيد العمال العالمي

تاريخ النشر: 02.05.2018 | 00:05 دمشق

آخر تحديث: 07.05.2018 | 08:00 دمشق

يحكى أن الرئيس الجزائري هواري بومدين في بدايات حكمه، وكان ذا توجه اشتراكي، أمر في يوم عيد العمال بأن ينزل العمال إلى أعمالهم بلا راتب (يوم عمل تطوعي).

وضمن احتفالات هذا اليوم البهيج مرّ الرئيس القائد على ثلة من العمال يزفّتون أحد الشوارع، فوقف يحييهم ويخطب فيهم، وفي هذه الأثناء مرَّت على الطرف المقابل سيارة كاديلاك فارهة يركبها أحد الأغنياء، تمهَّل هذا الغني في قيادته، يدفعه فضوله لاستطلاع خبر الحشد في الطرف المقابل، فأشار إليه الرئيس وقال: لا تحزنوا أيها الرفاق! إنني أحضّر قرارات اشتراكية ستجعل هذا الرجل في السيارة مثلكم تماماً! ف نطّ عامل ستيني كان العرق يتصبب من جبهته وقال للرئيس: أيها الرئيس إذا كنت تريد بحق ألا نحزن فنرجو منك أن تحضّر وتجهّز قرارات تجعلنا مثل هذا الرجل لا أن تجعله هو مثلنا!

أما القائد الخالد حافظ الأسد فوقف في افتتاح المؤتمر العام العشرين للاتحاد العام لنقابات العمال في سنة 1982م ليقول: (إنّ ما قمنا به، وما فعلناه في الماضي، سواء في مجال العمل الداخلي والبناء الوطني أو في مجال العمل القومي، يدعو إلى الفخر والاعتزاز.

في الداخل كان التغيير كبيراً، وكان العمل ضخماً، ومتعدد الجوانب، شمل كل حقل من حقول الحياة: الصناعة والزراعة، والتجارة والتربية والتعليم والخدمات والدفاع).

عندما يكون القائد خالداً يجوز له ما لا يجوز لغيره. يجوز له أن يركب خيول الخيلاء، ليرى الكارثة، من على ظهرها، مهاد فخر، ولو كانت في عيون الدنيا كلها مجرد كارثة، ويجوز له أن يرى المصيبة موئل اعتزاز، ولو أجمع البشر قاطبة على أنها محض مصيبة.

وسنتوقف هنا عند مجال الصناعة والتصنيع فقط باعتبارها تمس العمال بشكل مباشر، ونحن اليوم في رحاب عيدهم وذكراهم، وسنأخذ الأمثلة التي تدعو للفخر والاعتزاز من المرحلة التي كان فيها القائد الخالد في أوج قوته وتدفقه، قبل أن يمرض، وقبل أن يتعرض للمؤامرة الكونية الإمبريالية.

وسنستلُّ مثالاً واحداً من عشرات الأمثلة، وسنختار الكاتب المفضل لحافظ الأسد باتريك سيل ليحدثنا: "ومن بين أشهر الأمثلة سيئة السمعة، مصنع الورق الذي كلّف 110 ملايين دولار في دير الزور، والذي وُقع عقد إنشائه مع مجموعة من الشركات النمساوية الإيطالية، في عام 1976، وصار تاريخه في الأعوام التالية سلسلة من الأخطاء. فقد فشل تشغيله بقشّ القمح السوري، وعلى أية حال لم يكن هناك قشّ كافٍ لتوريده إلى المعمل، ولم يكن مرجله الكبير مصمماً لاستعمال النفط السوري الثقيل، وتوقف العمل خمسة أشهر بسبب خراب العنفة، وتُرك القش كمادة أولية، ليحل محله الخشب ونسالة القطن، مما استدعى ىإجراء تعديلات على المكائن بكلفة باهظة، واتضح آخر الأمر أن الاستمرار في استيراد الورق كان أرخص من إقامة المعمل".

"لقد سرَّنا يا سيادة الرئيس أنكم ستنتهجون النهج الاشتراكي في إدارة البلاد، هلاّ حدثتمونا بتفصيلٍ عن رؤيتكم حول تطبيق الاشتراكية؟ هل أنتم مع الاشتراكية العلمية، أم الاشتراكية الطوباوية، أم أنكم من أنصار اشتراكية سان سيمون؟"

وكأننا فعلاً أمام نص تخيّلي من نصوص محمد الماغوط، أو حلقة ناجحة من حلقات مرايا لياسر العظمة. ولكن مهلاً!! من قال إنهما يتخيّلان! من؟

ويسرد علينا باتريك سيل: "معظم المشاريع التي أثبتت فيما بعد أنها مجلبة للصداع قد تمّ التعاقد عليها خلال عامي 1974 و1976، وعندما سُئل رئيس الوزراء الأيوبي فيما بعد عن سبب سماحه بتبذير أموالٍ على خطط غير مربحة؟ رد بقوله: (لو لم نصرف الأموال على الصناعة لابتلعها الجيش)"!! جواب يذكرنا بحسني البورزان في مسرحيتي غربة وضيعة تشرين.

أما محمد حيدر الذي كان في ذلك الحين نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية فإنه يذهب إلى المملكة العربية السعودية بعد حرب 1973، فيسأله الملك فيصل عما تحتاجه سورية؟ ويقول له: أعطني قائمة بمشاريعكم مع بعض الأرقام؟ وكان حيدر قد جاء بلا تحضير، فقضى الليل كله يشتغل على الآلة الحاسبة التي في جيبه لإنتاج شيء يشبه الدراسة، وبمثل هذه الطرق العشوائية المرتجلة كانت تؤلف البرامج الصناعية في سورية القائد الخالد، ويزجّ بها العمال، لينعموا بكامل الفخر الوطني والاعتزاز الاشتراكي.

الأمثلة أكثر من أن تعد، وأوفر من أن تحصى، وبحسبي أن أشير إشارة إلى مزرعة أبقار أنشأتها دولة القائد الخالد، في ريف حلب الشرقي، واستوردت تصميمها ومعداتها كاملة من روسيا، وبعد إنجازها عنّ على بال القائمين على الأمر أن يستوردوا بقراً هولندياً بدل الروسي، وهنا حدثت الكارثة الافتخارية والمصيبة الاعتزازية! فالبقرة الهولندية أضخم وأكبر، وتصميم الأقفاص والحواجز والمسارات لا تلائمها، فأخفق المشروع، لأن أربابه لم يدركوا أنه ليس بالعلف وحده يحيا البقر.

ولا يليق بنا هنا أن نغفل عن ذكر إمام من أهم أئمة الاشتراكية في بلدنا، ومنظّر من أعمق منظريها في دولة البعث المجيدة!

إنه السيد أبو عبدو أمين الحافظ الذي اجتمع به وفد من علماء حلب ووجهائها للتهنئة والتبريك باستلامه رئاسة الجمهورية، فقام فيهم مفتي حلب المرحوم الشيخ محمد الحكيم خطيباً، وكان من جملة ما قاله للرئيس البعثي بلهجته الخطابية الواثقة المتمكنة الرصينة:

ــ لقد سرَّنا يا سيادة الرئيس أنكم ستنتهجون النهج الاشتراكي في إدارة البلاد، هلاّ حدثتمونا بتفصيلٍ عن رؤيتكم حول تطبيق الاشتراكية؟ هل أنتم مع الاشتراكية العلمية، أم الاشتراكية الطوباوية، أم أنكم من أنصار اشتراكية سان سيمون؟

فالتفت إليه السيد الرئيس أبو عبدو قائلاً:

كل هذا الأكل خرا أنا لا أعرفه!! بدنا نطبّق الاشتراكية وبس.

وليس غريباً إنْ أفرز حزب البعث رئيس دولة على هذه الشاكلة أن يفرز رئيس تحرير يجمع محرريه الثقافيين ليحذرهم من التعرض مرة أخرى بالنقد السلبي للواقعية الاشتراكية، لأن بلدنا ينهج النهج الاشتراكي، وعندما يجيبه أحدهم: إن الواقعية الاشتراكية مذهب أدبي، ولا علاقة لها باشتراكيتنا، يصر رئيس التحرير البعثي الاشتراكي: الاشتراكية اشتراكية. سواء في السياسة، أو في الاقتصاد، أو في الأدب.

رحم الله الرئيس أبا عبدو لم يكن يعلم أن نسخته ستتكرر بعد سنوات في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام الأسدي حيث سيبزغ فجأة عدد كثير من قادة الفصائل يريدون تطبيق الإسلام أيضاً، ورصيدهم المعرفي من الإسلام، كرصيد أبي عبدو من الاشتراكية.