icon
التغطية الحية

طائفية "المثقف" وتفتت النسيج الوطني

2025.04.14 | 11:00 دمشق

0090090
ضاهر عيطة
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- يرى المفكرون أن الطائفية في سوريا تُستخدم كأداة سياسية من قبل الأنظمة السلطوية لتفكيك المجتمع وضمان بقائها، مما يعزز الولاءات الطائفية على حساب الدولة الوطنية ويؤدي إلى شعور بالتمييز وعدم العدالة.
- مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تحولت الطائفية إلى واقع دموي ساهم في هدم مؤسسات الدولة وتدمير النسيج الاجتماعي، مما أدى إلى أحقاد ونزاعات طائفية.
- الطائفية ليست نابعة من إيمان ديني بل من مصالح شخصية وسياسية، مما يخلق تمييزاً مؤسساتياً وثقافة كراهية، ويتطلب مواجهة هذا التحدي تعزيز المواطنة والعقلانية.

يرى المفكر البريطاني مايكل بيل أن الطائفية تؤدي إلى عزل الجماعات الاجتماعية عن بعضها بعضاً، ما يحد من قدرة الدولة على العمل كمؤسسة موحدة. وأشار في العديد من دراساته حول الشرق الأوسط إلى أن الطائفية ليست مجرد خلافات دينية، بل هي عملية سياسية تُستخدم لتقوية السلطة على حساب حقوق المواطن وحريته.

وقد مرت على السوريين سنوات وعقود عديدة وأليمة، وربما كانت العقود الخمسة الأخيرة التي سيطرت فيها الأسدية على كامل مفاصل الحياة أشدها قسوة ومرارة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، بدأت هذه العصابة باستخدام الطائفية كأداة لإعادة تشكيل الولاءات. وبدلاً من تعزيز مفهوم الدولة الوطنية الجامعة، عملت على ترسيخ الولاءات الطائفية والمناطقية، خاصة داخل مؤسسات الجيش والأمن، ما ولّد شعوراً بالتمييز وعدم العدالة لدى شرائح واسعة من المجتمع.                                                        

ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تحوّلت الطائفية من أداة خفية إلى واقع دموي، وساهمت بهدم مؤسسات الدولة، وإشعال الفتن، ومنع أي مشروع تنموي أو نهضوي، إذ يستحيل بناء مجتمعات مستقرة على أساس الشك والكراهية والانقسام.                

وهكذا تم العبث بكل ما بقي في سوريا من آثار الحضارات الإنسانية، والإنجازات البشرية، ومن معاني الجمال والفلسفات وتعايش الأديان، حتى وصلت سوريا إلى دولة أشبه ما تكون بالدولة البدائية، بعد أن امتصت العصابة الأسدية كل خيراتها، وما فيها من طاقات وإمكانات لصالح آلة القتل والتدمير والخراب، مقابل بقاء عرشها. وقالتها بالفم الملآن: "الأسد أو نحرق البلد"، وبالفعل لم تتزحزح الأسدية عن العرش الذي شُيّد حرفياً فوق ملايين الجماجم وركام من العظام وبرك الدماء، إلا وكانت سوريا محترقة، مدمرة.

يرى المفكر السوري جورج طرابيشي أن الطائفية ليست ظاهرة دينية بقدر ما هي أداة سياسية يتم توظيفها بمهارة من قبل الأنظمة السلطوية لضمان بقائها واستمراريتها عبر إذكاء الانقسام داخل المجتمع وتحويله إلى طوائف متناحرة.

لم يطل الحريق والدمار العمران والحجر فقط، بل تسلل إلى نسيج المجتمع السوري، وإلى أعماق تكوين أفراده الذين بقوا على مدار خمسة عقود يُذلون ويُهانون ويُرشون ويَرتشون، ويَقتلون ويُقتلون، ويُعذّبون ويُتعذّبون. وبلغ ذلك ذروته خلال أحداث الثورة السورية 2011 – 2025.

ليس من السهولة بمكان الانعتاق من كل ذلك بجرة قلم، أو بقرار حكومي، أو ببيان، فالنفوس مشحونة بمشاعر مختلطة ومتضاربة، تتراوح بين الشعور بالنصر والهزيمة، والظلم والقهر والجوع بالخذلان. وليس بالمستغرب أن ينتج عن كل ذلك أحقاد ونزاعات عديدة بين بعض السوريين، تعيدهم إلى بدائيتهم، وإلى نزعاتهم الفردية والعشائرية والمناطقية والطائفية.

***

أجل، بعض السوريين يعيشون الآن الطائفية، وربما لأول مرة في تاريخهم بمثل هذا الوعي والإصرار، حيث كانت العقود الخمسة المنصرمة قد أذاقتهم جرعات كبيرة منها، إلى حد أن الكثيرين منهم أضحوا مدمنين عليها. والبعض منهم يطلب العون للشفاء من هذا الداء، لكن حتى الآن ما من رجاء يستجاب، والبعض الآخر مهووس ومستمتع بهذا الداء، ويرى فيه مبتغاه ونجاته الوحيدة.

والمثير للتأمل أن أكثر من يُظهرون انغماساً في الطائفية هم من يُفترض أنهم في طليعة الوعي والنقد: فئة المثقفين، المنتمين إلى مختلف الطوائف والمكونات السورية. فمع أنهم يرفعون عالياً شعار محاربة الطائفية، إلا أن البعض منهم، وفي مفارقة لافتة – يعدون من أكثر من يكرّسها ويغذيها، سواء عن وعي أو عن غير وعي، بقصد أو من دون قصد. ويتجلى هذا التناقض في خطاباتهم المكتوبة والمسموعة والمرئية، التي ما إن تمعن النظر فيها حتى تكشف عن تناقضاتها وتورطها في تعزيز الانقسام.

تتعدد خلفيات هؤلاء بين متدينين وعلمانيين، ومع أنه يمكن تفهم بعض المتدينين حين ينطلقون من مرجعياتهم العقائدية والمذهبية، فإن ما يصعب تقبله أو فهمه هو انزلاق بعض العلمانيين إلى مواقع طائفية أشد تعصباً من غيرهم. إذ سرعان ما يتخلون عن شعاراتهم إذا ما تم المساس بالطائفة أو الجماعة التي ينتمون إليها، فيعودون إلى انتماءاتهم الأولى، وكأن تلك "العلمانية" التي اعتنقوها لم تكن سوى قناع مؤقت، يمكن خلعه وارتداؤه بحسب ما تقتضيه الحاجة والمصلحة.

مِنهم من يستغرق في أداء دوره وارتداء القناع إلى حد فقدان الوعي بذلك، والإصرار على هذا الاستغراق كما لو أنه جزء من كيانه. تماماً كما فعل الممثل دانيال دي لويس في فيلم My Left Foot، حين أدّى دور رجل مصاب بالشلل الدماغي، فأصرّ على البقاء في الكرسي المتحرّك طوال فترة التصوير، بل وحتى في فترات الاستراحة، وطلب من فريق العمل أن يُطعموه كما تُطعَم الشخصية التي يجسدها.

الطائفية ليست نابعة من إيمان صادق بعقائد دينية، إنما من مصالح وحسابات شخصية ودنيوية. وفي هذا الصدد، يرى المفكر السوري جورج طرابيشي أن الطائفية ليست ظاهرة دينية، بقدر ما هي أداة سياسية يتم توظيفها بمهارة من قبل الأنظمة السلطوية لضمان بقائها واستمراريتها، عبر إذكاء الانقسام داخل المجتمع وتحويله إلى طوائف متناحرة.

إذاً فالغاية من الطائفية هي تفكيك الوعي الجمعي وتمزيقه، بحيث يعاد تشكيل الشعور بالانتماء وفق ما هو دون وطني، ليصبح الفرد تابعًا لطائفته لا لمجتمعه ككل من خلال استراتيجية "فرّق تسد"، التي تنتج حالات جماهير منقسمة على بعضها ومتناحرة، وتحوّل العلاقة بين المواطنين إلى علاقة ريبة وعداء، بحيث تصبح غير قادرة على التكتل في وجه الظلم، لأن كل فئة تخشى الأخرى أكثر من خشيتها الظلم نفسه. 

ولا تقتصر الطائفية على كونها تمييزاً بين الناس على أساس الانتماء الديني أو المذهبي، بل تتجاوز ذلك لتُصبح من أخطر العوامل التي تُقوِّض أسس الدولة وتُهشِّم بنية المجتمع. وهذا بالضبط ما اشتغلت عليه الماكينة الأسدية، حين استخدمت الطائفية كأداة تخريب وتدمير، لخلق تمييز مؤسساتي، فراحت توزّع المناصب والفرص والأدوار بناءً على الهوية الطائفية لا على الكفاءة، مما كان يشعر فئات واسعة بالتهميش، ويولد نقمة وشحنًا لثقافة الكراهية، مما يحول المختلف إلى "عدو"، وهذا ما فتح الباب أمام العنف، الذي كثيراً ما اتخذ طابعاً دموياً بين السوريين. وهو ما جعل كذلك من الحالة السورية بيئة خصبة للتدخل الخارجي.

أفلا يستوجب منا كل ذلك وبعد زوال الأسدية، أن نعي ما أورثتنا من عري وقبح، وأن نعترف به، لئلا نتعايش معه وكأنه أمر طبيعي يوهمنا بأنه يرفع من شأننا، في حين هو يجرنا إلى قاع مستنقع البرك الآسنة، التي لا تتكاثر فيها إلا الحشرات والوحوش المنتمية للسلالة الأسدية؟ وبذلك نفقد قيمتنا كبشر نعيش في دول وأوطان.

ولعل من أول بديهيات مقاومة الطائفية البدء بإعادة بناء الوعي النقدي، وتفكيك البنى الذهنية التي جعلت من الانتماء الطائفي مرجعية أولى للفرد، على حساب المواطنة والعقلانية. فالطائفية ليست مجرد خلاف مذهبي، بل هي مرض سياسي- اجتماعي يتسلل إلى مفاصل الدولة والمجتمع في غياب المشروع الوطني الحقيقي الذي نترقب دوران وتسريع عجله في كل حين.