طائرات إسرائيلية تستخدمها روسيا لقصف المدنيين في سوريا

تاريخ النشر: 08.05.2021 | 06:39 دمشق

هاآرتس- ترجمة وتحرير: ربى خدام الجامع

منذ أن بدأت طائرات الاستطلاع الحربية المرخصة من قبل إسرائيل بالإقلاع من القواعد الجوية في سوريا لتقوم بالتجسس على معارضي نظام بشار الأسد وملاحقتهم، وبعد مضي فترة قصيرة على التدخل الروسي في سوريا في عام 2015، أصبحت تلك الطائرات دخيلة على نزاع اتسم باستخدام طائرات عسكرية من دون طيار آتية من الولايات المتحدة الأميركية أو من إيران أو من تركيا.

"فوربوست" إسرائيلية المنشأ لإنقاذ الأسد

بعد مرور خمس سنوات على ذلك، تجلت صورة أوضح للدور المحوري الذي لعبته النسخة الروسية من الطائرات المصنعة في إسرائيل، والتي اختار لها مشغلوها اسماً جديداً وهو فوربوست، حيث ساهمت تلك الطائرات في إنقاذ نظام الأسد عندما أوشك على السقوط، وساعدته في المحافظة على جيشه وقلب كفة توازن الرعب لصالحه في الحرب التي امتدت لعقد من الزمان، هذا بالإضافة إلى الدور الخطير الذي لعبته تلك الطائرات والذي يعتبر مخالفاً للقانون كونه يقوم على استهداف البنية التحتية المدنية، وعلى رأسها المشافي.

وبالرغم من أن أصل طائرات سيرشر 2 يعود إلى إسرائيل، إلا أن الجيش الروسي لطالما تغنى أمام الملأ بطائرة فوربوست وتفاخر بها لكونها تمثل أهم تقنية توجد بشكل دائم في الأجواء السورية، حيث تقوم بتحديد الأهداف، وعندها لا يحتاج الطيارون من البشر لأن يخاطروا بأرواحهم ويحلقوا في طلعات استطلاعية، إلى جانب قيامها بتقييم مدى الأضرار التي تسببها عملية القصف. أي بمعنى أصح، يمكن القول بإن فوربوست ساعدت الجيش الروسي في سوريا على تحديد الأهداف التي يجب أن يقصفها، إلى جانب تحديد حجم الأضرار التي يسببها القصف، ومتى يجب إنزال مزيد من القنابل والقذائف.

صفقة مشبوهة على مرأى الجميع

لماذا اختارت روسيا طائرات الاستطلاع الإسرائيلية؟ خلال فترة نزاعها مع جورجيا في جنوب أوسيتيا في عام 2008، خسرت روسيا أعداداً كبيرة من طائراتها، ولهذا سعت لتعويض تلك الأضرار ليس فقط أمام الجيش الجورجي الذي كانت لديه طائرات استطلاع إسرائيلية، بل أيضاً في مواجهة المعارضين مستقبلاً.

وهكذا قرر بوتين أن يقوم بتلك الخطوة المستغربة كونها تنطوي على شراء تقنية عسكرية من دولة أجنبية، فحدث ذلك التقارب مع شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية وهي من كبريات الشركات المصنعة لمعدات الطائرات تعود ملكيتها للدولة في إسرائيل.

وفي السوق الدولية لطائرات الاستطلاع حيث تسود روح التنافس، استفادت شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية من علاقتها الوطيدة بالقوات الجوية الإسرائيلية، فأصبحت تعتبر من الجهات الخبيرة على مستوى العالم في هذا المجال، إذ تفتخر بوجود سرب كامل من الطائرات من دون طيار في قاعدة بلماحيم الجوية، كما أن صفقات بيع طائرات الاستطلاع التي تستخدمها القوات الجوية الأجنبية تشتمل على إقامة دورات مشتركة مع إسرائيل أو على تقديم تعليمات في إسرائيل، ومن بين حكومات الدول التي اقتنت طائرات سيرشر نذكر روسيا والهند وكوريا الجنوبية وتركيا وتايلاند وسيرلانكا وسنغافورة.

صفقة بيع الطائرات الإسرائيلية لروسيا بقيمة 400 مليون 

ولهذا وبعد مرور عامين على ذلك، استكملت شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية صفقة بقيمة 400 مليون دولار أميركي تقضي بتصدير وترخيص طائرات سيرشر 2 من دون طيار لتستخدمها روسيا وتقوم بتصنيعها على أراضيها تحت اسم فوربوست.

وهنالك ما يشير إلى حصول طواقم روسية على تدريب لتشغيل تلك المنظومة في إسرائيل، فضلاً عن عقد روسيا لصفقة استيراد أخرى على الأقل لتلك الطائرات من إسرائيل بحسب ما أوردته وسائل الإعلام الإسرائيلية والروسية في عام 2015، أي أن تلك الصفقة أتت بعد احتلال روسيا للقرم الذي قوبل بشجب واستنكار دولي، ما يعني بأن فوربوست استخدمت لأغراض عدائية، إن لم تكن مخالفة للقانون أيضاً.

وقد أعقب ذلك قفزة استراتيجية هائلة في برنامج طائرات الاستطلاع الروسي الذي كان من الدرجة الثانية في يوم من الأيام، إذ بمرور الوقت أصبحت طائرة فوربوست العنصر الأساسي في حملات القصف التي لا تنتهي والتي شنتها روسيا دفاعاً عن نظام الأسد.

ميزة توفر عيوناً في السماء

بخلاف نظيرتها الإسرائيلية، التي تتم مراقبتها عن كثب وتزويدها بالسلاح، والتي استخدمت لقصف المدنيين في غزة بحسب ما أوردته منظمة هيومان رايتس ووتش، وبخلاف طائرات بريديتور وريبر الأميركية التي ذاع صيتها الشائن في استخدام الصواريخ الموجهة والتي أوقعت كثيرا من الضحايا بين صفوف المدنيين في اليمن وباكستان، تتميز طائرة فوربوست بأنها لا تحمل منظومة أسلحة خاصة بها، وذلك لأن الغرض منها هو التجسس والاستطلاع لأغراض استخبارية، وذلك بحسب ما أوضحه أولريكيه فرانيكه الباحث في مجال طائرات الاستطلاع لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، وهذا بحد ذاته: "يحدد قدرة العنصر الفاعل عسكرياً على معرفة واستيعاب مسرح العمليات. ثم إن غالبية طائرات الاستطلاع المتوفرة اليوم تعتمد على منظومة التجسس والاستطلاع لأغراض استخبارية، وتحمل كثيرا من الحساسات، مثل الكاميرات التي تقوم بجمع البيانات".

ويؤكد فرانكيه على أنه بالرغم من التطور الذي شهدته طائرات الاستطلاع المزودة بأسلحة، إلا أن عملية التجسس ماتزال الوظيفة الأساسية للطائرات العسكرية من دون طيار، ويعلق على هذا بالقول: "بالرغم من أن العامة يركزون في معظم الأحيان على غارات طائرات الاستطلاع المسلحة، يشير أحد الأبحاث إلى أنه حتى طائرات الاستطلاع المسلحة تستخدم في معظم الأحيان لأغراض التجسس والاستطلاع الاستخبارية. ومنذ ظهور طائرات الاستطلاع الحديثة في أوائل الألفية الثالثة، أسهمت تلك الطائرات وبشكل كبير في تحسين تعرف القوات المسلحة على فضاء المعركة".

وبالرغم من أن طائرة فوربوست ما هي إلا نسخة مرخصة من طائرة استطلاع إسرائيلية أقدم منها إلا أنها: "أضافت معلومات استخبارية مهمة عبر عمليات التجسس والاستطلاع، وزادت من القدرة القتالية لدى القوات الروسية" في سوريا، وذلك بحسب رأي صموئيل بينديت، وهو عضو مساعد في مركز الأمن الأميركي الجديد الذي يبحث في الروبوتات العسكرية الروسية وتطبيقات الذكاء الصناعي التي تستخدمها روسيا.

وفي شهر شباط من هذا العام، عرضت قناة زفيزدا التلفزيونية الروسية التابعة للدولة والتي تديرها وزارة الدفاع الروسية حلقة من سلسلة: (تمت الموافقة على القتال) التي نشرت على يوتيوب باللغة الإنكليزية، والتي تعرض للمشاهدين تغطية للمعدات العسكرية الروسية في مواقعها وطريقة عملها. ولكن عندما عرضت هذه السلسلة في قاعدة حميميم الجوية بسوريا، الواقعة جنوب اللاذقية، والتي تديرها روسيا حالياً، وصف المعلق طائرات فوربوست بأنها صنعت في روسيا بالكامل، حيث جاء في التعليق الصوتي المرافق للفيديو: "هذه طائرة أخرى عمدت بالنار في سوريا، وهي طائرة من دون طيار تعرف باسم فوربوست، تم إنتاجها في منطقة الأورال بروسيا، لكنها انطلقت لتمارس مهامها في سوريا. يجب أن نذكر هنا بأنها تنطلق لأداء مهامها على الدوام، فهنالك العديد من طائرات فوربوست تحوم حالياً في الأجواء فوق حميميم، إذ بمجرد أن تهبط إحداها تقلع أخرى محلها على الفور لتحلق في الأجواء حيث تمضي بضع ساعات في العمل هناك".

قواعد غامضة ونوايا لم تعد تخفى على أحد

بالرغم من أن طائرات فوربوست غير مسلحة، إلا أنها تستخدم في معظم الأحيان لاستكشاف الأهداف العسكرية والمدنية بالتزامن مع طائرات يحلق بها طيارون يقومون بإسقاط الذخيرة المتفجرة على تلك المواقع، بحيث تتم تلك العملية عبر تتابع سريع بين هذين النوعين من الطائرات.

فلقد عرضت عملية تحديد الهدف ومراقبته ثم قصفه بواسطة محطة التحكم الخاصة بطائرات فوروبوست بتفصيلاتها في سلسلة تمت الموافقة على القتال، حيث سمح بتصوير غارة جوية على ما وصفه المعلق بهدف لتنظيم الدولة في توقيتها الحقيقي وفي الوقت الذي تم فيه بث فيديو حي لعملية مراقبة تقوم بها تلك الطائرة حيث تم عرضه على مشغليها وطاقم التصوير.

وبرأي السيد بينديت المتخصص بطائرات الاستطلاع الروسية، وبعيداً عن طائرة أوريون التجريبية المزودة بأسلحة، والتي دخلت لتوها عالم الإنتاج الغزير بيد أنها لم تستخدم إلا على نطاق ضيق في سوريا، فإن فوربوست تمثل الطائرة العسكرية الوحيدة التي يمكن أن تعمل باستقلالية على بعد 250 كم تقريباً عن ممرات هبوطها، ما يعني بأنه لا يمكن الاستغناء عن طائرات فوربوست بوصفها وسيلة لمراقبة الأهداف البعيدة عن القواعد العسكرية الروسية.

وبخلاف نظيرتها الإسرائيلية، سيرشر، يمكن لفوربوست ألا تشتمل على نظام تحديد مواقع بالليزر والذي لابد من توفره لتحديد الأهداف أمام الذخيرة الموجهة بالليزر. وبغض النظر عن ذلك، ماتزال فوربوست تعتبر منصة لا مثيل لها بالنسبة لتحديد مواقع الأهداف.

ثم إن كماً كبيراً مما سجله الموقف الروسي من الحرب السورية قد تم تصويره بعدسات فوربوست، ويشمل ذلك الغارات الجوية والعمليات العسكرية البرية، وعمليات إخلاء المدنيين.

ويعود الفضل في ذلك إلى دمج فوربوست ضمن استراتيجية العلاقات العامة التي تتبعها روسيا وتقدمها للجمهور الأجنبي والروسي، إذ تلك هي المنصة التي تلجأ لها روسيا لتستعرض قوتها ومدى فاعلية الغارات الروسية ونظم الأسلحة التي تعرضها وزارة الدفاع الروسية غالباً على شاشات عملاقة أو عبر فيديوهات قصيرة تقدم ما صورته كاميرا فوربوست المميزة في الأعالي وهي تحلق فوق الهدف المنشود.

إلا أن إمكانيات المراقبة التي تتمتع بها فوربوست تحمل معها عواقب غير مرغوبة بالنسبة للجيش الروسي، وهي تقديم أدلة حول تحديد الأهداف المدنية وقصفها بشكل متعمد.

أي أن تصنيف فوربوست على أنها غير مسلحة لا ينبغي أن يعفي الجيش الروسي أو مصدريها الإسرائيليين من مسؤوليتهم عن تلك الجرائم التي تخالف القانون الدولي، وذلك بحسب رأي سارة كاي، وهي محامية مختصة في مجال حقوق الإنسان وباحثة في شؤون الإرهاب لدى جامعة كوينز في بلفاست، وذلك لأن الدور الذي تلعبه طائرات فوربوست في سوريا يثير جدلاً مستمراً حول مدى تورط التقنية المساعدة والبعيدة في تلك الجرائم.

إفلات من تهمة "القتل"

وحول ذلك تقول السيدة سارة: "لا يمكن تصنيف هذه الطائرة على أنها سلاح، لأنها لا تقوم بالقتل بشكل مباشر"، وبذلك ستفلت كثير من الدول "من تهمة تسهيل تنفيذ الجريمة".

وتسهب السيدة سارة في شرح ذلك الموضوع فتخبرنا بأن القانون الدولي والاتفاقيات التي وقعت عليها أطراف عديدة والتي تحرم استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية تسعى جاهدة لتواكب ذلك الدور البارز الذي تزداد أهميته بالنسبة لتقنية المراقبة في مجال انتهاكات حقوق الإنسان، بدءاً من الشرق الأوسط وحتى الصين، وعن هذا تقول: "إننا نسابق الزمن دوماً" وهذا بدوره يتسبب بوقوع أخطاء مريعة وذلك عندما يفشل القانون الدولي في حماية الحقوق والأرواح في الوقت المناسب.

شعارات شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية تظهر في القواعد الجوية السورية التي تسيطر عليها روسيا

من السهولة بمكان ربط نظم فوربوست التي تم نشرها في سوريا بأصلها الإسرائيلي، ويعود الفضل في ذلك إلى مكوناتها المميزة التي تم تصديرها وتصنيعها بموجب رخصة في روسيا.

كما أن مقطع الفيديو الذي تنتجه طائرة فوربوست يتشابه بشكل كبير مع مقاطع الفيديو التي تنتجها الطائرات من دون طيار الإسرائيلية التي أنتجتها هذه الشركة، مثل طائرة مالك الحزين التي ظهرت في الفيلم الوثائقي الذي عرضته قناة فايس الإخبارية والذي وصل فيه الطاقم إلى محطة تحكم تشبه تلك الموجودة في أي قاعدة عسكرية إسرائيلية. وهنالك العديد من مقاطع الفيديو التي تنتجها طائرات سيرشر الإسرائيلية موجودة على الشابكة وتشبه بشكل كبير مقاطع الفيديو التي تنتجها فوربوست حيث تظهر كشبكة وعليها مؤشرات تحدد الاتجاهات.

وفي بعض اللقطات التي ظهرت في حلقة خصصت لفوربوست ضمن سلسلة تمت الموافقة على القتال ظهرت شعارات شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية بكل وضوح داخل محطة التحكم في قاعدة حميميم الجوية.

البث المباشر للفظائع والجرائم

 يكشف التحليل المفصل لمقاطع الفيديو التي أنتجتها فوربوست والموجودة على الشابكة تورطها بشكل جنائي في تسهيل عمليات قتل المدنيين بسوريا.

ولهذا بوسعنا أن نكشف اليوم بأن طائرة فوربوست زودت الجيش الروسي بمعلومات تجسس عند قيامه بانتهاكات جسيمة عديدة بحق القانون الدولي، أولها القصف الصاروخي الذي استهدف المشفى الوطني باعزاز في مطلع عام 2016 (ومن حسن الحظ أن ذلك تم بعد أن أخلي ذلك المبنى)، وقصف عبارات مدنية في نهر الفرات بالقرب من دير الزور في أيلول من عام 2017، وقد أتت هذه العملية ضمن سلسلة غارات جوية تسببت بمقتل أكثر من عشرة مدنيين. وثمة أدلة أولية تشير إلى وجود عمليات مراقبة نفذتها فوربوست خلال الغارة التي استهدفت مخيماً للمدنيين بالقرب من منبج في شهر كانون الثاني من عام 2017.

إذ في حالة العبارات والمشفى، يظهر المقطع الذي صورته فوربوست وبكل وضوح نظم الأسلحة الروسية وهي تستهدف أبنية مدنية بشكل مقصود. وقد تسرب مقطع الفيديو في كلتا الحالتين بسبب الإهمال الواضح بالنسبة لحماية المواد العسكرية السرية.

أما المقطع الخاص بالغارة على عبّارة والتي تمت في عام 2017 فقد تم تسريبه عمداً ورفعه على قناة يوتيوب موالية للجيش الروسي، وقد تم ذلك فيما يبدو على يد شخص كان يحتفي بالغارات الجوية وقد أضاف لذلك الفيديو موسيقا تحمل كثيرا من المعاني العدوانية في الخلفية. أما مقطع الفيديو الذي يصور الغارات في منبج فقد تم رفعه على حساب يوتيوب لأحد الموالين للنظام السوري، إلا أن صاحب ذلك الحساب لم يعد يظهر على الشابكة منذ ذلك الحين.

مقطع فيديو قصف مشفى اعزاز بعد احتجاج أرمينيا على الأسلحة الروسية

في حين أن مقطع الفيديو الذي يصور الغارة المزدوجة على المشفى الوطني باعزاز في عام 2016 نشر بالخطأ في عام 2021 على يد وزارة الدفاع الروسية نفسها، إذ كان بين مجموعة من الفيديوهات التي قررت الوزارة عرضها لتظهر مدى فعالية الصواريخ الروسية الموجهة، وقد أتت عملية النشر تلك بعدما اشتكت أرمينيا من الأسلحة الروسية التي وصفتها بأنها لم تكن فعالة بما فيه الكفاية خلال نزاعها الأخير مع أذربيجان في ناغورني- قره باخ. وضمن تلك المجموعة من الفيديوهات التي تعتز بها روسيا، ثمة مقطع فيديو صورته فوربوست للغارة المزدوجة التي استهدفت بناءاً، وسرعان ما تم تحديد موقع ذلك البناء جغرافياً، والتعرف عليه من خلال أحد مستخدمي تويتر وهو @Obertix حيث أعلن ذلك الحساب بأن هذا المبنى ما هو إلا المشفى الوطني باعزاز، والذي تعرض للقصف في مطلع عام 2016.

ثم إن الغارة الجوية التي استهدفت هذا المشفى كانت جزءاً من سلسلة الغارات التي دفعت منظمة أطباء بلا حدود إلى الكف عن مشاركة مواقع المرافق الطبية التي أقامتها في الداخل السوري مع الجيش الروسي، حيث تبنت هذه المنظمة تلك السياسة عن نية طيبة، بهدف حماية تلك المرافق وتحصينها من أي قصف غير مقصود. ومنذ أن أعيد بناء ذلك المشفى، علقت فيه لوحات كتب عليها باللغة التركية وذلك بفضل أموال المتبرعين الأتراك، وفي ذلك إشارة إلى تعاظم النفوذ التركي في الشمال السوري.

لم تحظ الغارات الجوية التي استهدفت العبّارات والتي ساعدت طائرات فوربوست على قيامها، إلا بنزر يسير من الأصداء، بالرغم من الأرواح التي حصدتها، وذلك لأنها تمت ضمن مناطق يسيطر عليها تنظيم الدولة، في وقت كانت الحرب السورية فيه قد بلغت ذروتها. إلا أن منظمات حقوقية أشارت إلى وقوع تلك الغارات وإلى الاستياء العارم بين صفوف المدنيين تجاه القصف الجوي الروسي، إلا أن معظم ذلك ضاع في غياهب النسيان وسط انتشار عناوين صحف كثيرة ومشوشة حول سوريا في ذلك الحين.

طائرات مراقبة من دون طيار والالتزام بالقانون الدولي

تقوم إسرائيل بتصنيع طائرات استطلاع مسلحة للاستخدام المحلي بكل تأكيد وللتصدير أيضاً. ففي مطلع هذا العام، نشر مسؤولون أرمن مقطع فيديو يظهر طائرة (انتحار) المصنوعة في إسرائيل، وكذلك طائرة هاروب التي تعقبها الذخيرة والتي صنعتها شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية ونشرتها أذربيجان فدمرت بطارية صواريخ إس-300 الروسية المضادة للطائرات في أرمينيا في شهر تشرين الأول من عام 2020.

إلا أن توفير ترخيص لتصميم وتقنية طائرات الاستطلاع بالنسبة لروسيا كان بمنزلة الخطوة التي يحتاجها الكرملين الذي أقلقه أمر نقص الطائرات الحديثة من دون طيار، والتي لابد من توفرها لدخول مجال حرب طائرات الاستطلاع. فقد أبدت روسيا انفتاحاً كبيراً تجاه أهمية النزاع السوري ودوره في تطوير وتحسين أداء وإمكانيات طائرات الاستطلاع لديها ضمن بيئة العمليات، وهذا ما أشار إليه الرئيس فلاديمير بوتين عندما تحدث عن المشاركة التي لا تقدر بثمن لتلك الطائرات.

غير أن محللين في مجال الدفاع توقعوا للخبرة الواسعة التي اكتسبتها روسيا مع طائرات فوربوست في سوريا أن تؤدي إلى تطوير جيل ثان من طائرات الاستطلاع من دون  طيار والتي تتمتع أيضاً بقدرة على ضرب الأهداف. فقد أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الحاجة لظهور جيل آخر من نظم أسلحة الاستطلاع، عقب الخبرة التي اكتسبها الجيش الروسي في سوريا.

وبهذه الطريقة تصبح رخصة التصدير الإسرائيلية المقدمة إلى روسيا قد سهلت وسرعت من قدرات روسيا على تطوير طائرات استطلاع هجومية فتاكة.

ولذلك تصر سارة كاي على أنه لا يمكن اعتبار تقنية المراقبة بريئة عندما يكون هدفها عسكرياً بشكل واضح، وعن ذلك تقول: "عندما تقوم ببيع هذا النوع من التقانة لجيش دفاع، فلا بد وأن يستخدمها جميع العناصر في ذلك الجيش".

ولهذا تأمل كاي أن يتطور القانون الدولي ليلائم الواقع الجديد والذي تقوم فيه الجيوش المتعطشة للمراقبة بتهديد المدنيين، إلا أنه يمكن للمنظمات ذات الأطراف المتعددة مثل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن يكون لها تأثير في مواجهة التهديد الذي يتعرض له المدنيون، وهذا ما دفعها لأن تحذر قائلة: "إن القانون لا يفرض نفسه".

إذ في هذا الوقت بالذات تقوم طائرات الاستطلاع التي صممت في إسرائيل بمواصلة تمشيطها للمناطق السورية المدمرة بحثاً عن معارضي نظام بشار الأسد من المسلحين والمدنيين على حد سواء. ثم إن الادعاء بأن الشركات الإسرائيلية لا تقوم ببيع طائرات كاملة الصنع بشكل مباشر إلى روسيا، بل تعطيها الرخصة والإذن فقط، ولهذا لا تشغل نفسها بالتفكير بالاستخدامات النهائية المخالفة للقانون التي تقوم بها تلك المنتجات، لا يمكن أن يعول عليه من وجهة نظر حقوقية.

إن التقنيات العسكرية الإسرائيلية التي تستخدم في الخير والشر تتسبب بأضرار في مختلف بقاع العالم، كونها تدعم الأنظمة المستبدة وتعرض المدنيين للخطر ليس فقط في غزة وسوريا، بل في أماكن أخرى أيضاً، وثمة أدلة متوفرة تثبت كل ذلك، وبوسع من يرغب بالبحث في الموضوع الاطلاع عليها.

  /المصدر: هاآرتس/