ضياع التعليم المهني في شمال شرقي سوريا

تاريخ النشر: 14.12.2021 | 05:13 دمشق

يصعب تحديد أوجه التشابه في العملية التعليمية في مناطق شمال شرقي سوريا؛ نظراً لوجود ثلاثة أنماط/ نظم- تعليمية مختلفة ومتباينة بشكل شبه مطلق. حيث مناهج الإدارة الذاتية في الرقة، ومنهاج اليونسكو وحكومة النظام موزعة بحسب نقاط التمركز العسكري ما بين قسد وقوات النظام في دير الزور، ومنهاجا حكومة النظام والإدارة الذاتية في محافظة الحسكة، موزعة ما بين مراكز النفوذ ونقاط التمركز الأمني، حيث المنهاج الحكومي مقتصر على مربعات أمنية في الحسكة والقامشلي، وقرى عربية موالية لدمشق، لكن أعداد المنتسبين والملتحقين بمدارسها يفوق نظيرتها لدى الإدارة الذاتية، رافق ذلك اختلاف التركيبة الاقتصادية والاجتماعية بين مناطق شمال شرقي سوريا، وما تسببته تعددية المناهج  وتنوع مصادر القرار من شرخ مجتمعي وازن. فنمطية تفضيل التعليم الثانوي العام على المهني  كان سائداً منذ عقود خلت في سوريا، وكان الطالب السوري يحتاج من /4-10/سنوات لإتمام دراسته في الفروع المختلفة، وهو ما كان أحد أسباب زيادة البطالة حيث تضخم عدد خريجي الفروع الجامعية والتي تحتاج إلى عدد محدود منها، مقابل قلة فرص العمل. لكن الخلل التنظيمي الواضح في أنواع وخيارات التعليم المتاحة للطالب بعد نيله الشهادة الإعدادية شكل القاسم المشترك في/الحكسة-الرقة-دير الزور/ بعد فرض الإدارة الذاتية لمناهجها، وهو ما انعكس سلباً ومباشرة على الخلل في التعليم وعلاقته بسوق العمل.

شريحتا العنصر النسائي ومن لم يتمم تحصيله الجامعي أو الثانوي كانوا أكثر المستفيدين من وظائف الإدارة الذاتية

وبعد سيطرة الإدارة الذاتية على المنطقة، والتغيرات التي طالت البنى الإدارية وتعدد مصادر القرار السياسي والأمني-العسكري، وتركيز النظام السوري اهتمامه وقوته على مناطق حازت الأولوية أكثر من المحافظات الشرقية؛ لأسباب تتعلق بطبيعة ونوعية الصراع والمواجهات العسكرية أو السياسية والسلمية، فإن خريجي التخصصات الاجتماعية والأدبية في شرق الفرات لم يحصلوا على فرص عمل جيدة وبوارد اقتصادي مريح في القطاعين الخاص-العام أو فرص عمل مقبولة توليها الاقتصادات الناشئة؛ كنتيجة لارتباط الإنتاج وسوق العمل بالوضع الأمني وطبيعة العمل الاقتصادي والتجاري ما بين الانسيابية أو الشللية والبرجوازية الحزبية، وتالياً انحسار الخيارات بين الهجرة أو الانضمام إلى القطاع العام برواتبه المنخفضة ومزاياه المنعدمة والتسييس الذي طال حيواتهم وإلزامهم بكل السياسات التي تنتهجها الإدارة الذاتية، مع مراعاة أن شريحتي العنصر النسائي ومن لم يتمم تحصيله الجامعي أو الثانوي كانوا أكثر المستفيدين من وظائف الإدارة الذاتية، وتالياً فإن السوق والاقتصاد لم يتمكنا من استيعاب العدد الهائل لهم.

الأزمة تتعقد أكثر، حيث استدامة العملية التعليمية في شرق الفرات على أساس الأفضلية للفرعين الأدبي والعلمي ضمن الثانوية العامة، مع استمرار غياب التعليم المهني واختصاصاته المتعددة، فدخلت الإدارة الذاتية  بذلك في فخ من الصعب الفكاك منه في كل عام دراسي يمضي، حيث غالبية الطلبة يختارون تخصصات غير مطلوبة سواءً لديها أو لدى الحكومة السورية، فيكتظ السوق بعدد الشهادات الفائضة عن الحاجة، مقابل قطاع حكومي "إدارة ذاتية" عليها استيعاب العدد الأكبر منهم، خاصة خريجي ما يُعرف بجامعة روج أفا، عدا انفصال العلاقة بين المعرفة الفنية والأجر المستحق للعامل المياوم، وقسم منهم خريج جامعي، فخلق توازنا متدنيا وإنتاجية متواضعة، ولولا استيعاب المنظمات الدولية والإغاثية غالبية خريجي الاختصاصات الأدبية والاجتماعية لتحولوا إلى جيش من العاطلين عن العمل وما يستتبعه ذلك من مشكلات مجتمعية وتضخم مخيف في معدلات البطالة، وارتفاع نسبة الهجرة.

بالمقابل فإن الغالبية العظمى من الدول التي حققت نجاحاً على صعيد التعليم، هي التي أولت التعليم المهني الأهمية والأولوية في الدراسة، ما انعكس نجاحها إيجاباً على مستويات النمو الاقتصادي، بل وساهم في تحسين الإنتاجية وخلق طبقة متوسطة تقود الإصلاح السياسي وتوفر ديمومة الاستقرار الطويل المدى مثل دول شرق آسيا وأميركا اللاتينية وأوروبا، على العكس مما يجري حالياً في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، والذي عدا جملة وكتلة المشكلات المتعلقة بمستويات التعليم، المدارس، المنهاج، الخطاب التربوي، فإن غياب التعليم المهني يعود إلى ديناميكيات الاقتصاد والحوافز والرواتب من جهة، ومن جهة أخرى نوعية التعليم الثانوي المتوفر في شمال شرقي سوريا، فتحول إلى أزمة للفئات المجتمعية مستقبلاً وراهناً، وهو ما أثر في طبيعة التخصصات المهنية والقبول الجامعي سواء الأهلية أو الحكومية أو التابعة للإدارة الذاتية.. بل وحتى المنظمات المحلية الناشطة في محافظة الرقة فشلت في حصد نتائج ملموسة من التدريبات المهنية لذوي الاحتياجات الخاصة، أو تدريب الفتيات واليافعين لبعض المهن المهمة لأسباب مركبة؛ منها غياب سوق العمل لهؤلاء، أو عدم توظيفهم.

ومع وجود كتلة طلابية في المدارس المهنية لدى الحكومة السورية في محافظتي الحسكة ودير الزور، فإن افتتاح تخصصات للتعليم المهني في الجامعات الموجودة في شرق الفرات، وافتتاح مدارس للتعليم المهني، سيحمي مستقبل شرائح طلابية ويُستفاد من خبراتهم الحرفية. خاصة أن التعليم المهني في سوريا قبل الــ2011  كان مقبولاً ويستوعب آلاف الطلبة في مدارسها المنتشرة بكثافة في المحافظات الشرقية وحصول الأوائل في كل اختصاص مهني على مقعد مجاني في إحدى فروع الهندسة في الجامعات السورية التي شهدت تخصصات هندسية جديدة أو تفكيك التخصصات المركبة خاصة في هندسات الميكانيك، المدني، الزراعة، أو التوجه صوب المعاهد المهنية والفنية، لكن حالياً بسبب خروج تلك المعاهد عن الخدمة، وتجميع طلبة عدد من المدارس المهنية في مدرسة واحدة، لم يتبق أمام طلبة الدراسة المهنية لدى حكومة النظام سوى الحصول على مقعد في إحدى الهندسات مجاناً في حال تفوّقه، أو دفع أقساط مكلفة جداً للحصول على تعليم ضمن إحدى الجامعات الخاصة.

استمرار الوضع التعليمي الحالي في شمال شرقي سوريا، يعني استمرار معاناة القطاع الحكومي في عدم القدرة على استيعاب مزيد من الجامعيين

والغريب أن ديناميكيات التعليم والتخصصات الجامعية استمرت على حالها بالرغم من افتتاح الإدارة الذاتية لجامعة روج أفا وجامعة كوباني وأخرى في الرقة، وسيطرتها على غالبية المباني المدرسية، ووجود مدرسين وكفاءات..إلخ لذلك ليس غريباً أن نجد أن حجم اليد العاملة في القطاع العام الحكومي مرتفع جدا بالنسبة إلى عدد السكان في المحافظات الشمالية الشرقية الثلاث، ما يعني أن منطقة غنية جدا كشرق الفرات دخلت في حالة شبيهة جدا بالمناطق أو الدول الفقيرة، وتالياً هذه الديناميكيات خلقت نتيجتين أولهما: فشل القطاع الخاص في التوسع أو توفير حوافز وفرص عمل للخريجين الجدد، وانعكاسه السلبي على القرار الاستثماري؛ وخاصة أن البرجوازية الموجودة في المنطقة هي حزبية نفعية وليست انتمائية ولم تتوجه صوب خدمة القطاع العام وفق المفهوم الوطني المتعارف عليه، والثانية: ضيق مساحة الاختيار أمام الطالب في انتقاء تخصص غير مألوف، فبدلاً من تشجيع وتوفير الحوافز لاختيار تخصصات في التعليم المهني والفني، لا يزال الطالب يختار تخصصا جامعيا ولو أنه غير متوافق مع طموحاته، مع تضخم الفكرة المجتمعية حول ضرورة الشهادة الجامعية لأجل العمل السريع، خاصة أن نسبة الـــ100% من حملة شهادات الثانوية التي تصدرها الإدارة الذاتية ليس أمامهم سوى تخصصات جامعاتها فقط ولن يكون بمقدورها تتمة التعليم في أي مكان آخر، وهو ما يشكل خللاً في سوق العمل بشكل خطير، في حين أن دولا  صناعية كبرى مثل ألمانيا والنمسا وفرنسا يلجأ قرابة الـ70% من طلبتهم إلى التعليم المهني، وهو تعليم أسهل وأقصر مدةً.

استمرار الوضع التعليمي الحالي في شمال شرقي سوريا، يعني استمرار معاناة القطاع الحكومي في عدم القدرة على استيعاب المزيد من الجامعيين، وتسبب ضعف حوافز الانضمام للتعليم المهني وصعوبة ظروف العمل في بعض التخصصات المهنية الأخرى وعدم توفر أي نظام حماية أو رعاية صحية واجتماعية لهم، يخلق نزعة سلبية وديمومة النظرة الدونية من قبل شرائح مجتمعية للتعليم المهني بالرغم من الوارد المالي الكبير الذي يوفره ذلك التعليم، لذلك بات لزاما التحول في طبيعة النظام التعليمي في شرق الفرات و توفير الأرضية والحوافز المشجعة صوب التخصصات المهنية كأحد المخارج لمشكلة البطالة التي ستتضخم خلال الأعوام المقبلة وما سيترتب عليها من أعباء اقتصادية ضخمة على مستقبل المنطقة بغض النظر عن الجهة التي ستحكمها خلال الأعوام المقبلة.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار