ضرورة بناء ثقافة مستقبلية

ضرورة بناء ثقافة مستقبلية

الصورة
الحرية أولاً وآخرًا هي مفتاح المستقبل وثقافته البناءة (إنترنت)
06 آب 2019

سوسن جميل حسن

طبيبة وروائية من سوريا.

ما يميز الحياة هو الحركة، والحركة تعني التغير والتبدل، ليس نحو الأفضل دائمًا، وإنما قد ينجم عنها التراجع، والتقدم والتخلف يعتبران حكم قيمة أيضًا بمفاهيم متبدلة تفرضها النسبية من حيث التلاؤم مع العصر ومواكبته. لذلك فمن المنطقي القول إن ثقافة أي مجتمع أو أمة يحكمها منطق الحركة والتغير بما أنها عنصر من عناصر البيئة التي صنعها الإنسان عبر تاريخه، فهي مجموع العادات السائدة واللغة والديانات والاختراعات والعلوم في المجتمع والتي يتميز بها مجتمع عن آخر وتؤدي إلى تحقيق وظائف الحياة الاجتماعية. وفي المجتمع الواحد تختلف الثقافة من فترة زمنية إلى فترة زمنية أخرى لأن الظروف والأحوال التي تطرأ على المجتمع عادة ما تدفع الناس نحو تعديل أفكارهم ومعتقداتهم ووسائل معيشتهم وأساليبهم العلمية وكل أنواع المعرفة لديهم ونظمهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما نلمس إرهاصاته في المناطق التي تشهد حروبًا أو انتفاضات أو مواجهات بين الشعب والأنظمة الحاكمة، بل من الواجب متابعته من موقع الدارس الموضوعي المهتم.

ومن الطبيعي ألاّ يتوقع المتابع والمهتم بهذا الشأن أن يحمل كل فرد في المجتمع كل عناصر الثقافة المجتمعية المتراكمة على مر العصور والسائدة أو ينقلها إلى غيره، فالمجتمع كيان يتألف من كيانات أصغر، من مجتمعات متعددة، والفرد من هذه المجتمعات يعيش ضمن المجتمع الكبير يحمل من الثقافة الشاملة ما هو مشترك بينه وبين باقي مكونات المجتمع وبحسب موقعه ودوره بما يأخذ ويمنح في هذا الكيان الكبير بحسب السائد من قوانين وأعراف وأنماط عيش، لكن يبقى له خصوصيته التي تتقلص أو تنتعش بحسب هامش الحرية المتاح له. هذا الهامش يتراجع إلى حد التلاشي في المجتمعات التي تحكمها أنظمة شمولية قمعية متعددة، سياسية ودينية واجتماعية تسعى إلى مسخ الفردية وفرض نظمها المعيشية والثقافية ومصادرة المجال العام وفقًا لشريعتها أو مشروعها. طغيان هذه السلاطين عادة ما يكون متحالفًا حتى لو لم تلتق المصالح في بعض الحالات فالطغيان يواكب بعضه البعض، كما هو حال معظم أنظمة المنطقة العربية التي ثارت فيها براكين التغيير فاشتعلت الحرائق ولم تهمد بعد، إذ كشف الواقع عن عمق الهوة بين الطليعة التي يفترض أن تقود نحو التغيير الإيجابي الواعد بحياة أكثر رحمة وعدلاً للجميع، تتحقق فيه حياة كريمة لكل أفراد المجتمع من دون تمييز على أساس لون أو عرق أو جنس، مجتمع يعيش في دولة القانون والمؤسسات، دولة المواطنة التي تصون الكرامة والحريات والحقوق وتحقق المساواة والعدالة الاجتماعية والديموقراطية في جميع جوانب الحياة، وبين القاعدة الشعبية التي انتفض قسم كبير منها في وجه أنظمة الاستبداد فكانت الكارثة تنتظره على بعد خطوات تسد عليه أي أفق في التغيير وأي طموح بالحرية.

إن الطريق أمام الشعوب صار أكثر وعورة وصعوبة بعد كل الدم الذي أريق على ترابها

في الواقع فإن ما حصل لتلك الشعوب أنها وقعت فريسة خيارين مفروضين، فلا الأنظمة المستبدة تغيرت، ولا البدائل المطروحة بشّر تعاطيها مع أزمات الشعوب بصون أحلامها، بل إن الطريق أمام الشعوب صار أكثر وعورة وصعوبة بعد كل الدم الذي أريق على ترابها. إن عقودًا من الاستبداد متعدد الأشكال الذي صادر التفكير وفرض أنظمته الشمولية على الحياة كلها، وترك المجتمعات في حالة استنقاع ثقافي وفكري وفي حالة من العطالة تدفعها إلى الملاذات "الآمنة"، التي تديرها جماعات تشتغل على تلقف النفوس المضطربة المغتربة عن ذاتها، فتكرس في وجدانها أن لا سبيل للخلاص سوى التمسك بالعقيدة والالتصاق بجسد الجماعة، فكان ما كان من تغوّل العنف والسلاح من قبل الأنظمة الحاكمة وما لاقاه في المقابل من انحدار سريع نحو العسكرة والعنف المضاد والتطرف، وتحول الصراع من حركات شعبية ترنو لأن تقلب واقعها رأسًا على عقب وتقتلعه من جذوره لتعيد بناء فضائها الإنساني، إلى صراع على السلطة بين جهات مرتهنة إلى قوى خارجية تدير لعبة من أبشع وأشرس ما شهدته البشرية، وأخطر ما فيها التضليل.

لقد اشتغل الإعلام الموجه على تخريب الوعي العام والتجييش وإثارة الفتنة وشحن النفوس بالتعصب والكراهية، كل الأطراف المتصارعة على أرضنا كان لها أجنداتها وأياديها الضالعة في هذا الأمر، وهذا ما كان له عظيم الأثر في الإنسان كصانع للتغيير، إنما الواقع الأشد إيلامًا والباعث أكثر على اسوداد الأفق والقلق على الغد ومنه، فقد كانت الأدوار التي لعبتها شريحة واسعة من النخب في بلادنا، النخب المؤثرة في القاعدة الشعبية، خاصة تلك التي أفرزتها المرحلة وحققت نجومية عالية ببريق خادع، هذه الشريحة من النخب مارست دور التضليل ببراعة وساهمت بشدة في صياغة الضمير الشعبي الذي كان وراء تخريب الوعي العام. فمن المعروف أن الثقافة العامة في بلداننا تكاد تكون منعدمة إلاّ لدى نسبة قليلة من الشعب، وهذا لا يتعارض مع جنوح الشعوب نحو الحرية، فالحرية هي الحالة الفطرية لدى الإنسان وسائر المخلوقات، لكن تمثل الحرية يتطلب فهمها بالدرجة الأولى، فهي بعد المرحلة التي وصلت إليها البشرية من التطور وتعقد حياتها صارت مفهومًا بمروحة كبيرة من المعاني المتعلقة بها، وعندما تفتقر الحركات الشعبية إلى بوصلة تقودها نحو غايتها وتجنبها الانحراف عن الخط الذي يوصلها إلى هدفها، وهي القيادة الفاعلة المنتمية بالفعل إلى مطالب الشعب، وعندما تلعب النخب هذا الدور التضليلي فإن الشعوب تدفع فواتير باهظة، ليس فقط مرحليًا بما يسفك من دماء وما يزهق من أرواح وما يدمر من أحياء ومدن ويشرد من ساكنيها، بل بما يتعلق بالثقافة المستقبلية.

عندما تقوم تلك النخب بقراءة الواقع وتفنيده بما يخدم أجندتها فإنها تمارس التضليل وتحرف الحراك عن هدفه الذي تمثل بالحرية في الدرجة الأولى خاصة في سوريا التي كانت شعارات حراكها الأساسية هي الحرية، لكن التضليل مورس بحرفية عالية من قبل الأطراف المتصارعة من خلال منابرها ومن خلال خطاباتها، حتى لم يعد خافيًا أن الحرية التي دفع الشعب ثمنها باهظًا صارت بحد ذاتها مستهدفة، وصار كل صوت يرتفع أو كل خطاب يجنح نحو إحياء مفهوم الحرية ونبش ما تراكم تحت قشرة الواقع المهترئ عبر عقود من مشكلات وأمراض كان سببها الأكثر أهمية التضييق على الحريات، يلاقى بالرفض والاستنكار والتخوين والاتهام ليس في إضعاف عزيمة الأمة فحسب، بل بتهديد ثوابت الأمة وثوابت المنظومة الأخلاقية التي تميز مجتمعاتنا المتدينة المحافظة، حتى إن خطابًا من هذا النوع يدعو إلى الحرية يُقرأ منقوصًا وتقتطع منه جمل معزولة من سياقها لاستخدامها كبراهين دامغة على أن هذه الأصوات الداعية إلى الحرية هي أصوات مخربة لو ترك لها المجال فسوف تسمم الضمائر والنفوس وتحرف الشعب عن مسيرته. هذا الدور الذي تمارسه شريحة من النخب التي جعلت منها الظروف البائسة التي تحكم الشعوب المنكوبة بأنظمة الاستبداد نجومًا في عالم الثقافة، بل أعلامًا يرنو الناس إليها ولها مريدوها الكثر.

الحرية أولاً وآخرًا هي مفتاح المستقبل وثقافته البناءة، الحرية للجميع ولا أحد يملك الحق في إقصاء المختلف عنه، وحرية الرأي والقول قبل كل شيء وليس من حق أحد أن يخرس الصوت الذي لا يعجبه، فالحجة بالحجة تقابل وليس بالتشهير والعنف والتهديد، وإذا بقي حال السجالات الثقافية كما هو عليه من تراشق بالاتهامات والتخوين والكفر والنيل من ثوابت الأمة، فلن نستطيع بناء ثقافة تصنع مستقبلاً في هذه البلاد، ولن تكون هناك نهضة من سقوطنا المريع.

شارك برأيك