شكّلت قضية الكبتاغون والمواد المخدرة في سوريا مادة دسمة لكثير من الأبحاث والتحقيقات والتقارير التي تناولت الموضوع من زاوية كشف المجرم وتوصيف أداة الجريمة، من دون التطرق في معظمها إلى الضحايا الذين كان يُنظر إليهم غالباً من منظور "متعاطين ومجرمين" محتملين.
كانت هذه النظرة مبنية على نقص المعلومات ورفض تعاون الشهود والضحايا لأسباب كثيرة، منها القبضة الأمنية، وخوف ذوي الضحايا من نظرة المجتمع، وتخوف الباحثين من التضليل في ظل تورط شريحة من المتعاطين في طيف واسع من الانتهاكات، وعقبات الوصول.
كل هذه العوامل أدّت إلى غياب رؤية واضحة عن حجم الضحايا، وحتى اليوم لا تتوفر إحصائية ولو تقديرية عن هذه الشريحة وواقعها.
ومنح سقوط النظام السوري فرصة كبيرة للتعمق في ضحايا أطياف متعددة من الانتهاكات، وكانت قدرة الوصول والنظرة الأولية صادمة وتفوق التوقعات، إذ أظهرت أن مجتمع كامل من الضحايا المتأثرين بأنواع مختلفة من الانتهاكات هو تركة نظام اسكوبار القرن الواحد والعشرين.
ومع أولى الصور والفيديوهات لمداهمة معامل تصنيع الكبتاغون في ريف دمشق، وسيل الشهادات التي بدأت بالتدفق، كانت الصدمة مضاعفة عند بناء تصور أولي عن حجم هذه الشريحة من الضحايا.
ولتعزيز التصور الأولي وتحويله إلى أرقام تقريبية، وفي ظل غياب القدرة والإمكانيات للقيام بإحصائيات بطريقة سليمة وعلمية، كان لا بد من محاولات إحصائية بطريقة العينات العشوائية والاستبيانات البسيطة للشهود في الميدان، لمحاولة الانتقال من التصور الأولي إلى الفهم المقبول للظاهرة.
نتائج صادمة
- عبر 76% من الشهود عن معرفتهم بوجود شخص مدمن للمواد المخدرة في الحي أو القرية أو العائلة بدأ بتعاطي المواد المخدرة خلال الفترة الممتدة من 2011 حتى 2024، مقابل 24% فقط أجابوا بلا عن هذا السؤال، وبالمقارنة، كان 82% من المستجيبين لا يعرفون مدمناً في وسطهم القريب قبل عام 2011.
- 4 بالمئة من مدمني المواد المخدرة هم من فئة الأطفال دون الـ18 عاماً، 73% من المدمنين هم من الفئة العمرية 18 وحتى 32 عاماً، 18% من المدمنين هم الشريحة العمرية 32 عاماً وحتى 50 عاماً، 5% من المدمنين 50 عاماً وأكثر.
- 99 بالمئة من المدمنين ذكور، مقابل 1% من الإناث.
- 84 بالمئة من المدمنين لم يتلقوا أي علاج من قبل المؤسسات الصحية، و64% من ذوي المدمنين لا يعلمون كيف يحصلون على المساعدة.
- وفي الإجابة على سؤال (هل تشكل نظرة المجتمع عائقاً إضافياً في تعافي المدمنين؟) عبّر 41% من ذوي المدمنين بنعم، بينما امتنع 23% عن الإجابة، و36% أجابوا بلا.
تؤكد النتائج وجود انقلاب هائل بنسبة المدمنين ابتداءً من عام 2011، حين بدأ النظام السابق وحلفاؤه بإغراق سوريا والمنطقة بالمواد المخدرة، كما تشير بوضوح إلى أن شريحة الشباب بين 18 و32 عاماً تشكل الشريحة الأكبر من ضحايا المواد المخدرة.
وتعبر الإحصائيات عن وجود نظرة مجتمعية حذرة تربط بين ضحايا الإدمان ونظام الأسد المخلوع، وهو ما يجب علاجه أيضاً.
كذلك، تؤكّد تحليل النتائج انعدام ثقة المجتمع السوري بوجود طرق وبرامج علاج للمدمنين في الوقت الحالي، وهي نظرة قد تكون محقة في ظل الدمار الهائل في البنية الصحية، ويُعزى ذلك إلى غياب الرعاية الصحية اللازمة وربما الخبرات والعقاقير، والأهم الرؤية الرسمية والمجتمعية للتعامل مع هذه القضية الشائكة.
واقع وعقبات
"أم الحشاش" هكذا عبرت أم خالد عن نظرة بعض الجيران وتمتماتهم خلال احتكاكها اليومي معهم، فنجلها خالد ذو الـ 21 عاماً، طالب جامعي سابق في كلية الاقتصاد، أدمن الكبتاغون عبر مجموعة من الأصدقاء في الحي بعضهم كان من اللجان الشعبية.
وبحسب كلام والدته لم ينخرط خالد في أي نشاطات مسلحة، وتوقفت حياته منذ عام 2021 حين تعاطى أوّل قرص، إذ أدمن خالد بشراهة أصناف متعددة من المواد المخدرة وبدائلها، فتوقفت دراسته ولم ينجح في أي عمل.
تحوّل خالد من شاب مقبل على الحياة إلى مدمن معتزل في المنزل، يخرج فقط لتأمين احتياجه من المواد المخدرة أو بدائلها، وفي سبيل ذلك، قام ببيع ما استطاع الوصول إليه من مصاغ أمه الذهبي وأثاث المنزل، كما تسبّب في مشكلات كثيرة لعائلته مع الجيران وسكان الحي بسبب سلوكياته غير المنضبطة.
حالياً، تعاني أم خالد وحيدة مع ابنها، تقارع يومياً بحب الأم مع ولدها الذي وصل إلى حالة يرثى لها، ويعجز في أغلب الأحيان عن قضاء احتياجاته الأساسية نتيجة إدمانه.
وتقول: إنّها لا تملك حالياً أي خطة سوى الاستعانة بعقاقير مسكنة لا تُصرف إلا بوصفة طبية، لاعتقادها أن ذلك سيبقيه في المنزل، بعيداً عن أعين الجيران وربما يسهم في إنقاذ حياته.
كذلك، لا تملك أي معلومة حول كيفية تعاطي الإدارة السوية الجديدة مع خالد، فهي تريد علاج ولدها فقط، وأن يعود إلى جامعته، وفي سبيل ذلك مستعدة لتمنح حياتها، لمن يعيد الحياة لولدها.
ضحايا لا مجرمون
وبما أن الإدمان لا يمكن تصنيفه كمرض مزمن أو خيار شخصي، فإن معظم التشريعات والقوانين في العالم تصنف المدمنين كضحايا وليس كمجرمين.
وهؤلاء الضحايا يتوجب على الدولة والمجتمع مدّ يد العون لهم، من خلال تجفيف مصادر الضرر، والعلاج، وإعادة دمجهم في المجتمع كفاعلين، مع توفير البنية القانونية والخدمية اللازمة لذلك.
هذه المسؤولية تقع على عاتق المجتمع وصنّاع الرأي والإعلام أيضاً، فالاهتمام ولفت نظر السلطات والمجتمع إلى هذه الشريحة من الضحايا أمر مهم وضروري، حتى تتمكن سوريا من استعادة جيل ضائع من شبابها.
وبعيداً عن الجدلية القانونية، فإنّ النظر إلى المدمنين كمجرمين يزيد من صعوبة المهمة، وربما يدفع نحو مزيد من التدهور قد يحولهم إلى سلوك إجرامي غير منضبط، تملك سوريا بنية قانونية تشكل نواة يمكن الانطلاق منها بما يناسب الواقع والامكانيات، والاعتراف أولاً بعمق المشكلة قد يفيد جداً في وضع الرؤية المناسبة لحلها، الرؤية التي من المفترض أن تشمل الجوانب الصحية والمجتمعية والأمنية حتى، القضاء على معامل إنتاج المواد المخدرة ومحاسبة المروجين، سيؤدي حتماً إلى عدم ظهور ضحايا جدد، ولكنه بالتأكيد ليس كافياً لعلاج الآلاف من المدمنين.
كذلك، تتحمل منظمات المجتمع المدني السوري جزءاً كبيراً من المهمة، خاصة مع قدرتها على الحركة بشكل أكبر من الحكومات التي تتسم في معظمها بالبيروقراطية.