icon
التغطية الحية

ضباط النظام المخلوع في لبنان.. هل تستجيب بيروت لطلب فرنسا؟

2026.07.18 | 11:43 دمشق

آخر تحديث: 2026.07.18 | 13:57 دمشق

سوريا
صورة ممزقة لبشار الأسد المخلوع (AP)
 تلفزيون سوريا - خاص
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- الطلب الفرنسي وتداعياته: طالبت فرنسا لبنان بتوقيف ثلاثة ضباط سوريين بارزين، مما يثير تساؤلات حول قدرة بيروت على الاستجابة للطلب في ظل تعقيدات الوضع الداخلي وتأثير حزب الله.

- موقف لبنان ودمشق: تتباين المواقف اللبنانية بين الحكومة الساعية لحلول دبلوماسية وحزب الله الذي قد يحمي الضباط، بينما تطالب دمشق بتسليمهم لمحاكمتهم، مما يعقد اتخاذ خطوات حاسمة.

- التحديات والخيارات المستقبلية: يضع الطلب الفرنسي لبنان أمام اختبار قضائي وسياسي، حيث أن تجاهله قد يضر بالعلاقات مع فرنسا، بينما تسعى دمشق للحفاظ على علاقات إيجابية مع لبنان وسط اتهامات لحزب الله بحماية الضباط.

طالبت فرنسا السلطات اللبنانية بتوقيف ثلاثة ضباط بارزين خدموا في أجهزة النظام المخلوع، وسط اعتقاد بوجودهم داخل الأراضي اللبنانية، في خطوة أعادت ملف رموز الأجهزة الأمنية السابقة إلى الواجهة، وطرحت أسئلة جديدة بشأن قدرة بيروت على الاستجابة للطلب القضائي، أو مواصلة تجاهل هذا الملف الشائك.

ويشمل الطلب الفرنسي كلاً من اللواء علي مملوك، الرئيس السابق لمكتب الأمن القومي، واللواء جميل الحسن، المدير السابق لإدارة المخابرات الجوية، والعميد عبد السلام محمود، الرئيس السابق لفرع التحقيق في مطار المزة العسكري، وهم من أبرز الأسماء المرتبطة بمنظومة الأمن في عهد النظام المخلوع.

ويأتي تجديد الطلب الفرنسي في وقت تواصل فيه السلطات السورية، منذ سقوط النظام المخلوع، متابعة ملف ضباطه وعناصره، إذ أوقفت خلال الفترة الماضية عدداً من الشخصيات داخل البلاد، بينما لا يزال ملف المطلوبين الموجودين في الخارج من دون حل شامل يتيح إعادتهم وبدء محاكمتهم.

معلومات عن وجود الضباط في لبنان

وحول هذا الأمر قال الصحفي والباحث في الشأن السياسي صهيب جوهر، خلال مداخلة على شاشة تلفزيون سوريا، إن تقارير إعلامية سابقة، بينها تحقيقات أجرتها هيئة الإذاعة البريطانية، تحدثت عن وجود ضباط من النظام المخلوع في بيروت، بل وأجرت مقابلات مع بعضهم.

وأضاف جوهر أن ما نشرته وسائل الإعلام، بينها تلفزيون سوريا، أظهر وجود معلومات أكثر جدية مما تعلنه الدولة اللبنانية، التي تتجنب الإقرار بوجود هؤلاء الضباط على أراضيها.

وأوضح أن أطرافاً لبنانية تعاونت سابقاً مع أجهزة النظام المخلوع وساعدت ضباطه بعد سقوطه، مشيراً إلى أن هذه الأطراف كانت حليفة للنظام أو جزءاً من منظومته، ووفرت الإقامة والحماية لعدد من الضباط والمسؤولين.

وأشار جوهر إلى أن المعلومات المتداولة عن علي مملوك تفيد بأنه لم يغادر إلى موسكو أو العراق أو الإمارات، بل ما يزال في لبنان تحت حماية حزب الله أو أطراف مرتبطة بفلول النظام المخلوع.

كما تحدث عن تقارير تشير إلى استعانة حزب الله بعناصر وضباط وخبراء خدموا سابقاً في جيش النظام المخلوع، واستخدام بعضهم في أعمال لوجستية أو عسكرية خلال الحرب الأخيرة في جنوبي لبنان، معتبراً أن هذه المعطيات ستفرض نقاشاً جديداً بشأن وجودهم داخل لبنان وطبيعة الأدوار التي يؤدونها والجهات التي تحميهم.

موقف الحكومة اللبنانية

وفرّق جوهر بين موقف الحكومة اللبنانية وموقف قوى أخرى داخل البلاد، وقال إن رئيس الحكومة نواف سلام ناقش خلال زيارته إلى دمشق ملف فلول النظام المخلوع مع الرئيس السوري أحمد الشرع.

وأضاف أن ما تسرّب عن الاجتماع يشير إلى أن سلام وعد بالعمل على إيجاد حلول لهذا الملف، ومساعدة السلطات السورية في ملاحقة بعض مسؤولي النظام المخلوع أو التضييق عليهم.

لكن جوهر أشار إلى وجود ما وصفها بـ"دولة عميقة" داخل لبنان، تعمل على حماية هؤلاء الضباط أو التستر على وجودهم، وربما الاحتفاظ بهم للاستفادة منهم في أي مواجهة مستقبلية مع السلطات السورية.

ورأى أن التعامل مع موقف لبنان الرسمي يتطلب التمييز بين الحكومة الحالية من جهة، وحزب الله وحلفائه وبعض القوى السياسية الأخرى من جهة ثانية، محذراً من أن استمرار تجاهل الملف قد يراكم التوتر في العلاقات السورية اللبنانية، خصوصاً إذا ثبت وجود ضباط مطلوبين داخل لبنان واستمرار جهات لبنانية في حمايتهم.

موقف دمشق من الطلب الفرنسي

قال الباحث في الشأن السياسي عباس شريفة، إن موقف دمشق من ملف ضباط النظام المخلوع واضح وحاسم، مشيراً إلى أن اتفاق الطائف ينص على ألا يُستخدم لبنان منطلقاً للإضرار بالمصالح السورية أو تهديد الأمن في سوريا.

واعتبر شريفة أن ملف ضباط النظام المخلوع الموجودين في لبنان يمثل أحد أبرز الملفات التي تهدد الأمن السوري، بسبب المعلومات التي تتحدث عن إيوائهم وحمايتهم ومحاولات تجنيد عناصر سابقين في أجهزة النظام لاستخدامهم في زعزعة الأمن والاستقرار.

واتهم شريفة ضباطاً وعناصر من النظام المخلوع بالمشاركة في تحريك اضطرابات وقعت في الساحل السوري خلال العام الماضي، وقال إنهم لم يكتفوا بالانتهاكات التي ارتكبوها خلال سنوات الثورة السورية، بل واصلوا أنشطتهم ضد مصالح السوريين بعد سقوط النظام.

وأكد أن الجرائم المنسوبة إلى هؤلاء ارتُكبت داخل الأراضي السورية، ما يمنح القضاء السوري اختصاصاً مكانياً بملاحقتهم ومحاكمتهم، مشيراً في الوقت ذاته إلى احتمال وجود تحفظ سوري على تسليم الضباط إلى فرنسا بدلاً من إعادتهم إلى سوريا.

وكشف شريفة أن السلطات السورية قدمت بدورها طلبات رسمية إلى لبنان، وسلمت الحكومة اللبنانية عناوين ومعلومات استخبارية عن أماكن وجود عدد كبير من عناصر وضباط النظام المخلوع، موضحاً أن التقرير السوري لم يقتصر على الضباط الثلاثة المطلوبين فرنسياً، بل تضمن معلومات عن مئات العناصر والضباط الذين فروا إلى لبنان، وتتهم دمشق حزب الله بإيوائهم.

تعقيدات لبنانية تعرقل التسليم

أوضح شريفة أن السلطات السورية تدرك تعقيدات الوضع اللبناني وحالة العجز التي تعاني منها المؤسسات الرسمية، وقال إن التعامل مع لبنان يتم عبر مؤسساته الرسمية، رغم وجود حزب الله الذي يحتفظ بسلاحه ويتخذ قرارات تتعلق بالحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة.

وأضاف أن عجز الدولة اللبنانية عن معالجة ملف سلاح حزب الله يجعل قدرتها على تسليم ضباط النظام المخلوع موضع شك، معتبراً أن هؤلاء لا يهددون سوريا وحدها، بل يشكلون تهديداً للبنان أيضاً، بسبب اتهامهم بتنفيذ أنشطة أمنية والمشاركة في تجارة المخدرات وخدمة أجندات تسعى إلى زعزعة الاستقرار في البلدين.

وأشار شريفة إلى بيانات أصدرتها وزارة الداخلية السورية تحدثت عن تورط حزب الله في تفجيرات وقعت داخل سوريا، وإلى إعلان السلطات السورية ضبط شحنة أسلحة كانت معدة للتهريب من العراق إلى لبنان عبر الأراضي السورية، معتبراً أن هذه الوقائع تظهر أن الملف يتجاوز البعد القضائي إلى أبعاد أمنية وسياسية.

لماذا يحرج الطلب الفرنسي لبنان؟

رأى جوهر أن أهمية الطلب الفرنسي تكمن في أنه يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار قضائي كبير، خصوصاً أن فرنسا، وفق تعبيره، لا يمكن أن ترسل مذكرة قضائية من دون امتلاك معطيات تستند إليها.

وقال إن علي مملوك مطلوب أصلاً أمام القضاء اللبناني، وإن مذكرة توقيف صدرت بحقه على خلفية قضية تفجيري مسجدي التقوى والسلام في طرابلس عام 2013، ما يعني أن ملاحقته لا تتطلب فقط الاستجابة للطلب الفرنسي، لأن القضاء اللبناني يملك ملفاً يتعلق به.

وأضاف أن صدور المذكرة من فرنسا سيحرج الدولة اللبنانية، ولا سيما أن جزءاً كبيراً من القوانين وأصول المحاكمات الجزائية في لبنان تأثر بالقانون الفرنسي، مشيراً إلى تعاون سابق بين باريس وبيروت في التحقيقات المتعلقة بانفجار مرفأ بيروت.

واعتبر أن تجاهل المذكرة قد يضر بعلاقة لبنان مع فرنسا، ويعمق الشكوك بشأن استقلال القضاء اللبناني، في ظل استمرار تأثير التوازنات السياسية والطائفية في عمل المؤسسات القضائية.

تهديد للسلم الداخلي اللبناني

أكد جوهر أن وجود ضباط النظام المخلوع في لبنان لا يمثل مشكلة سورية فقط، بل يهدد السلم الداخلي اللبناني أيضاً، لافتاً إلى أن عدداً من ضباط النظام شاركوا خلال فترة الوجود السوري في لبنان في انتهاكات وعمليات أمنية استهدفت مدناً ومناطق لبنانية.

وقال إن بقاء هؤلاء تحت حماية جهات لبنانية، أو تجاهل المؤسسات الرسمية وجودهم، قد يفتح الباب أمام توترات داخلية، خصوصاً أن لبنان يعيش أصلاً أزمات ناتجة عن الحرب التي شنها الاحتلال الإسرائيلي والخلافات بين حزب الله وخصومه السياسيين.

وأضاف أن معلومات تتحدث عن تحرك ضباط سابقين بحرية داخل لبنان، ومشاركتهم في ولائم ولقاءات اجتماعية في بعض المناطق، معتبراً أن هذه التحركات ستزيد التوتر مع سوريا، ولا سيما بعد حديث السلطات السورية سابقاً عن غرف عمليات يديرها ضباط من النظام المخلوع وتشارك في تحريك اضطرابات في الساحل السوري وحمص.

خيارات دمشق وأوراق الضغط

قال شريفة إن الملفات العالقة بين سوريا ولبنان تتجاوز ملف الضباط، وتشمل الحدود والتهريب والسلاح وحزب الله واللاجئين وقضايا أخرى، مؤكداً أن دمشق تدرك حساسية الوضع اللبناني، الذي يتعرض لاعتداءات إسرائيلية ويعاني من وجود قوة مسلحة تنازع الدولة قرارها.

وأوضح أن التعامل مع هذه الظروف لا يمكن أن يقتصر على مطالبة لبنان بتسليم الضباط أو التهديد بقطع العلاقات وممارسة الضغوط، بل يحتاج إلى مساعدة لبنان على استعادة دور مؤسساته واحتكار الدولة للسلاح والقوة.

ورأى أن الملف لن يغير التوجه الاستراتيجي السوري نحو إقامة علاقة إيجابية وبناء شراكة مع لبنان، مشيراً إلى أن دمشق ستفصل بين الدولة اللبنانية وبين الجهات التي تحمي ضباط النظام المخلوع، ولن تجعل الملف سبباً لإغلاق أبواب التواصل مع الحكومة اللبنانية.

وفيما يتعلق بأوراق الضغط السورية، قال شريفة إن دمشق تملك أوراقاً أمنية وعسكرية وسياسية واقتصادية، لأن معظم الحدود البرية اللبنانية تمر عبر سوريا، ولأن الطرق البرية التي تصل لبنان بالدول العربية تعبر الأراضي السورية، لكنه استبعد استخدام هذه الأوراق ضد الدولة اللبنانية، لأن الإضرار بمصالح لبنان سينعكس على سوريا ويعرقل مسار الشراكة بين البلدين.

وأكد أن سوريا ستواصل مكافحة محاولات إعادة تنشيط تجارة المخدرات عبر أراضيها، وستمارس الضغط على الجهة التي تؤوي ضباط النظام المخلوع وتوظفهم، من دون استهداف الدولة اللبنانية.

من هم الضباط المطلوبون؟

وكان النائب العام التمييزي في لبنان تسلّم مراسلة رسمية من القضاء الفرنسي، تطلب من السلطات اللبنانية التحقق من أماكن وجود الضباط الثلاثة وهوياتهم وأوضاعهم القانونية، قبل اتخاذ الإجراءات التي تفرضها القوانين اللبنانية وآليات التعاون القضائي مع فرنسا.

وبحسب الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان، فإن الطلب الفرنسي الجديد يُعد الثاني من نوعه، إذ سبق أن وجّهت باريس طلباً مشابهاً إلى بيروت في تشرين الثاني الماضي لتعقب الضباط الثلاثة، من دون أن تعلن السلطات اللبنانية اتخاذ إجراءات رسمية استجابة له.

ويُعد علي مملوك من أبرز وجوه المنظومة الأمنية في عهد النظام المخلوع، إذ شغل منصب رئيس مكتب الأمن القومي، وكان في رأس الهرم الأمني الذي تتبع له أجهزة وفروع أمنية واسعة، ما يجعله، بحسب شريفة، مالكاً لمعلومات واسعة عن القرارات والعمليات التي نفذتها أجهزة النظام.

أما جميل الحسن، فشغل منصب المدير السابق لإدارة المخابرات الجوية، وهي من أكثر الأجهزة الأمنية ارتباطاً بملفات الاعتقال والتعذيب والانتهاكات خلال سنوات الثورة السورية.

ويُعد عبد السلام محمود أحد الأسماء المرتبطة بفرع التحقيق في مطار المزة العسكري، وهو فرع أمني لطالما ارتبط في ذاكرة السوريين بملفات الاعتقال والتعذيب والانتهاكات الواسعة.

ويرى شريفة وجوهر أن إعادة هؤلاء الضباط ومحاكمتهم قد تدعم مسار العدالة الانتقالية، وتعزز ثقة السوريين بالدولة الجديدة، خصوصاً أن السوريين يملكون الحق في محاكمة المتهمين بارتكاب جرائم بحقهم، والحصول منهم على معلومات بشأن المجازر والأوامر الأمنية التي صدرت خلال سنوات حكم النظام المخلوع.

وبذلك، يضع الطلب الفرنسي السلطات اللبنانية أمام استحقاق قضائي وسياسي جديد، ويعيد فتح ملف ظل عالقاً منذ سقوط النظام المخلوع، وسط تضارب بين مطالب العدالة السورية والفرنسية، وتعقيدات الوضع الداخلي اللبناني، واستمرار الاتهامات لحزب الله بتوفير الحماية لضباط مطلوبين.