صيدنايا.. بث مباشر

صيدنايا.. بث مباشر

صيدنايا.. بث مباشر

تاريخ النشر: 30.11.2020 | 23:05 دمشق

آخر تحديث: 30.11.2020 | 23:10 دمشق

"تاجْ.. هل بإمكاننا أن نستمع إلى الأمسية الشعرية؟". هكذا سألت الصديق تاج الدين عيزوقي (فني إلكترونيات) زميل المهجع السابع في جناحنا بسجن صيدنايا. كان قد تقرر موعدٌ لأمسيةٍ شعرية (أصبوحة لو شئتم) في الجناح الواقع فوقنا تماماً، في الطابق الثالث، وهو جناح نزلاؤه من المعتقلين بتهمة الإخوان المسلمين، وفي السجن السوري عموماً ليس بالضرورة أن تهمة السجين صحيحة إن كان للإسلاميين ولا حتى لليساريين.

كان أصدقاء ورفاق لنا قد نٌقلوا حديثاً من سجن تدمر إلى صيدنايا، وارتأت إدارة السجن أن تضعهم مع الإخوان (التضييق وأحياناً العقوبة في صيدنايا كانت من وجهة نظر إدارة السجن بوضع اليساريين المعاقبين مع الإخوان، أو العكس). كان الصديق رامي المفتي (معتقل بتهمة الإخوان يوم كان طالباً في الثانوية) قد أخبرني عبر إحدى رسائله (يتم تبادل الرسائل وأشياء أخرى بين الأجنحة بطريقة سرّية عبر مناور الحمامات، ضمن أكياس قماشية مربوطة بحبال مجدولة محلياً، بتواقيت متفق عليها مسبقاً)، كان أخبرني أن أمسية شعرية تضم إلى جانبه صديقنا القادم من تدمر فرج بيرقدار (الشاعر السوري المعروف)، وشخص ثالث من الإخوان لا أعرفه.

كانت هناك رسائل قليلة قد تبادلتها مع فرج بعد وصوله، وقد اعتبرت أن سماع صوته بعد كل تلك السنوات وهو يلقي الشعر أمرٌ يستحق العناء، إضافة لسماع قصائد رامي الذي لم أكن قد رأيته سابقاً ولا سمعت صوته. وكانت صداقتي الخاصة به تنحصر عبر رسائل مطولة في الأدب، والشعر على وجه الخصوص، والسياسة وبعض الأمور الشخصية تبادلناها على مدى عامين.

تاج الذي راقت له الفكرة، ومع ابتسامة طفل ينوي القيام بعمل شرّير من النوع الذي يُغضِب الراشدين، هزَّ رأسه بحماس موافقاً على الفكرة، وبدأ فوراً بالعمل على تنفيذها. لا أعرف تماماً ما الذي فعله، وأية دارة إلكترونية قد نفّذ، ولكن بالنتيجة كان علينا (بالاتفاق مع رامي) أن نمدد سلكين من النحاس عبر منوَر الحمام مع سمّاعة استخرجها تاج من أحد أجهزة الراديو المعطلة، إلى الطابق الثالث (كانت لدينا أجهزة راديو مهربة بواسطة السجانين مقابل مبالغ تفوق كثيراً سعرها الحقيقي). في الموعد المحدد، سنجلس بضعة أصدقاء حول جهاز راديو موصول بالأسلاك الذاهبة إلى الطابق الأعلى للاستماع (سلكياً) لتلك الأمسية في بث حي ومباشر. سأحتجّ على صديقي تاج بأن الصوت ضعيف (بلغة اليوم يمكن اعتبار تاج IT جناحنا)، ومع ذلك كانت متعة هائلة عشناها لأقل من ساعة. فيما بعد سيخبرني رامي بأن ضعف الصوت كان بسبب اضطرارهم لإخفاء السماعة ضمن ما يفترض أنها منصّة الإلقاء، كي لا يراها أحد من الجمهور، فالحذر واجب وهو جزء من حياتنا اليومية، كما يعلم جميع سجناء صيدنايا.

كان الإصغاء إلى قصائد الشعر وهي تلقى مباشرة في الطابق الأعلى له متعة تشبه متعة ارتكاب كل الممنوعات في السجن

والإخوان بشكل خاص كانت لديهم تجربة مريرة مع مخبر من بينهم اكتشفوه قبل فترة، كان يرمي للشرط في ساحة التنفس بأوراق تتضمن تقارير كتبها بزملائه وما يفعلونه أو يقولونه في الجناح. بعد اكتشافه سيتعرض لعقوبة منظمة من ضحاياه أودت به إلى مستشفى التل العسكري مع ارتجاج في الدماغ، وإصابات بليغة أخرى، وسوف يقضي المهاجمون فترة طويلة في الزنازين.

كان الإصغاء إلى قصائد الشعر وهي تلقى مباشرة في الطابق الأعلى له متعة تشبه متعة ارتكاب كل الممنوعات في السجن، وليس متعة تلقي الشعر بالظروف العادية. كنا نتحلق حول جهاز الراديو وعيوننا تراقب باب المهجع خوفاً من أن يدخل شرطي إلى الجناح دون أن ننتبه فنودي بأنفسنا وبأصدقاء الطابق الأعلى إلى الزنازين.

هل كان محتماً علينا أن نخوض تلك المغامرة، التي قد تعرضنا لعقوبات شديدة؟ اليوم بعد مرور أكثر من ربع قرن فإني بالتأكيد سأجيب بلا. لكن تلك المغامرات كانت السمة العامة لسلوكنا في الجناح تلك الأيام. هل يمكن وصف سلوكياتنا المتمردة تلك بأنها صبيانية وتندرج تحت ما يعرف بـ"شيطنات" الشباب؟ طبعاً من الممكن أن يصح هذا ليكون تفسيراً ظاهرياً. ولكن الأسباب كما أراها اليوم أعمق من هذا بكثير. يمكنني القول، دون الخوف من مجانبة الصواب، أننا بسلوكياتنا عموماً ونحن في تلك المقبرة الجماعية المنسية التي تضم الآلاف، كنا كأموات يريدون تقليد الأحياء والتشبه بهم. كنا مستعدين لدفع ثمن هذا الفعل، وغيره من أفعال الحياة التي لا يتيحها ظرف السجن وقوانينه الصارمة، ولو كانت النتيجة قضاء عقوبة مضنية مع التعذيب في زنازين السجن، ولطالما قضى الكثير من الأصدقاء أسابيع طويلة في تلك الزنازين.

حدث هذا عام 1992، حيث كان سجن صيدنايا حديث البناء، ما زال يعتبر سجناً مقبولاً بظروفه مقارنة مع جحيم سجن تدمر الشهير في تلك الفترة. ولم يكن صيدنايا قد نال بعد لقبه الحالي "المسلخ البشري" حيث قتل فيه في السنوات الأخيرة آلاف السوريين تحت التعذيب. في تلك الفترة كان يمكن للسجين أن يتنفس قليلاً ليقلّد أفعال الحياة دون أن يصبح صورة في ملفّات قيصر.

مقالات مقترحة
النظام يستعد لإطلاق منصة إلكترونية للتسجيل على لقاح كورونا
رغم تفشي الوباء.. نظام الأسد يعيد فتح الدوائر الحكومية
حكومة النظام: انتشار كورونا في سوريا يتصاعد والوضع أكثر من خطير