صور أدبية: غوركي متحدثاً عن تولستوي وتشيكوف

تاريخ النشر: 18.07.2019 | 23:07 دمشق

آخر تحديث: 18.07.2019 | 23:59 دمشق

معاناة أسبوعية ذاتية                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                        

تبدأ رحلة تفكيري في الموضوع القادم لحظة تسليمي المقال للنشر، قد أقضي ثلاثة أيام في البحث عن الكتاب الذي أود عرضه في الموقع، وأحياناً ينتهي الأسبوع ولم أجد كتاباً مناسباً أو أستمتع بقراءة كتاب فلا أجد شيئاً مميزاً للعرض والكتابة عنه. أستميح القارىء الكريم عذراً أن أشرح بعضاً من هذا القلق، فهو قلق مشترك بين العديد ممن يعملون بمجال التدوين والكتابة. إنني أقع في "صفنات" طويلة في الثلاثة أيام الأولى، وأعود لدفتري الصغير أدون فيه أسماء "الضحايا" الذين أنوي الكتابة عنهم مع أسماء المراجع التي أود الرجوع لها، وقد استقر على اسم شخصية تستحق الحديث عنها، فأجد المكتوب عنها قليلاً، أو ضخماً لدرجة أنها تحتاج لوقت أطول لفهم حياتها وما كتب عنها.

هذا الأسبوع مثلاً كنت أقرأ في ذلك المجلد الضخم "فولتير أو العقل ملكاً" لجان أوريو من الترجمة البديعة لعبود كاسوحة والتي نقل فيها نصاً في غاية الروعة والإتقان. هذا الكتاب من التراجم الممتعة عن حياة فولتير بكل تفاصيل حياته. قطعت شوطاً في الكتاب وإذا بموعد تسليم المقال يداهمني، وأنا لم أكمل هذا السفر الضخم الذي وصلت صفحاتة إلى ألف صفحة قدمها لنا المركز العربي.

ثم عدت لمذكرات لويس عوض "أوراق العمر: سنوات التكوين" وكتبت الملاحظات الجانبية وتحمست لها، ثم داهمني الوقت فتوقفت وادخرتها لوقت آخر، ثم بِعْت نسخة من كتاب "النوافذ المفتوحة: مذكرات شريف حتاتة" لصديقي عبد الله بن عمر في المكتبة وجلست أزين له البضاعة/الكتاب حتى إنني ظننت أنه اشتراه حفظاً لماء وجهي من كثرة الشرح والعرض. وعدت للبيت وقلت لنفسي لماذا لا أكتب عن هذه السيرة الروائية الممتعة؟ فهي تستحق الإشادة، فقد استمتعت بها وجلست أدون أسباب إعجابي بها، الآن تراني أفشيت لك عناوين ثلاثة مقالات قادمة عن فولتير ولويس عوض وشريف حتاتة فهل أنت مَشُوق؟ ثم انشغلت بهموم الحياة المعتادة، ورأيت نسخة من كتاب "صور أدبية" لمكسيم غوركي وقلت: هذا الكتاب مميز ويستحق العرض.

 

تولستوي: سمكة المحيط وزوجته صوفيا

يبدأ غوركي الحديث عن ليو تولستوي بقوله "من الواضح أن الفكرة التي تلح على تدمير راحة باله أكثر من غيرها هي فكرة الله.. وتولستوي لا يتحدث عن هذا الشعور بقدر ما يحب وإن كان يفكر فيه بلا انقطاع"، ثم يصف لنا يديْ تولستوي بأنهما "عجيبتان وقبيحتان، وتشوههما عروق متورمة، ويده تشبه يد ليونارد دافنشي، ويحرك أصابعه ويثنيها بالتدريج ويبسطها بينما ينطق بكلمات رائعة لها وزنها"، ثم إن تولستوي يخص أحدهم بحنان يوشك أن يكون أنثوياً، ويخص تشيكوف بمشاعر الأب.

وغوركي ينقل لنا خواطر تولستوي وهو يستمع لعزف الموسيقى، يقول تولستوي "الموسيقى تبلد العقل". يشبه لنا تولستوي بهؤلاء الحجاج الذين يذرعون الأرض وعصيهم الغليظة في أيديهم، وطوال حياتهم يقطعون آلاف الأميال من دير إلى دير، وينقل لنا أجواء أمسياته مع تولستوي وهو يقول "الرومانسية هي الخوف من النظر إلى الحقيقة في عينها"، أما رأيه في الفرنسيين فأنهم يعبدون اللذة وحياة الروح لا تهمهم كحياة الجسد، وأهم شيء عند الرجل الفرنسي المرأة، وعندما يجادله أحد مريديه يبتسم تولستوي له ويقول "أنت اليوم شكس كفتاة نضجت للزواج ولا خطيب لها..".

يتخيل مكسيم غوركي تولستوي سمكة، لكنه سمكة محيط، وما كان ليسبح أبداً في البحار الداخلية، ويبرع غوركي في تفسير رغبة تولستوي في التعرف عليه، يقول: لقد اهتم بي مثل اهتمام عالم الأثنوجرافيا (علم طبائع الشعوب وعاداتها). فقد كان غوركي عضواً في "قبيلة"، لا يعرفها تولستوي ولا يعرف عنها إلا القليل. إنه يقرب لنا صورة تولستوي ذلك العجوز المغرم بالحديث عن النساء مثل روائي فرنسي، لكنه يتحدث عنهن بخشونة الفلاح الروسي، إنه يشاكس تشيكوف ويسأله هل كنت فاجراً في شبابك؟ ويتلعثم تشيكوف ويبتسم في وداعة الحمل، ويشد لحيته الصغيرة وينتهز تولستوي الفرصة ليحكي عن مغامراته في شبابه.

لقد برع غوركي في وصف لوحات تقرب لنا أجواء تفكير تولستوي فهو جالس على مقعد حجري تحت أشجار السرو، متغضناً وصغير الحجم، أشيب، يسمع لطائر حسون يغني، ثم يناقش غوركي عن الغيرة ويقول له "هناك لحظات يقول فيها الرجل للمرأة عن نفسه أكثر مما ينبغي لها أن تعرف، وبعدها ينسى أنه قال لها، أما هي فتتذكر دائماً".

يتخيل مكسيم غوركي تولستوي سمكة، لكنه سمكة محيط، وما كان ليسبح أبداً في البحار الداخلية

وهل هناك مدح أجمل من أن يقول تولستوي لغوركي "أنت تروي الأشياء رواية جيدة بكلماتك أنت، وفي اقتناع لا بحذلقة الكُتُبيين". مواضيع الأحاديث المحببة إلى تولستوي هي (الله والفلاح والمرأة)، أما الأدب فهو لا يتحدث عنه إلا نادراً، وهو يجلس لمناقشة تشيكوف عن اعترافات جان جاك روسو. تولستوي في حياته اليومية هو ذلك الرجل الذي يحب لعب الورق، ويلعبه بشغف متهالك ويهتاج أحياناً وهو يلعب. لقد تحدث تولستوي إلى غوركي مراراً وطويلاً، وكانا يتبادلان الزيارة، وقد قرأ غوركي كتبه، وقرأ على تولستوي بعض ما كتبه، وهو يراه يستحق وصف العبقرية ويصفه بأنه باهر.

ثم يكتب غوركي فصلاً بديعاً يدافع فيه عن صوفيا زوجة تولستوي ويحاول أن يرد عنها ما أشيع عنها من مساوئ، هذا رغم أنها لم تكن تحبه، وكانت تعتبره هو ومعظم المحيطين بزوجها ذبابا وبعوضا أو طفيليات. وهذا الفصل جدير بأن يتم تدريسه للصحفيين ومن يعمل في مهنة الإعلام وكل المهن التي تختلط فيها النميمة بالخبر، فهو درس في النبل وتقدير أدوار الناس. وفيه ردٌّ صارم على ضَعَة الكثيرين الذين جعلوا من حياتها هدفاً للذم والتبخيس، وهو  يخبرنا أنها امرأة عاشت خمسين سنة شاقة مع فنان عظيم قلق، وكانت صديقته الحقيقية طوال حياته، وكانت تساعده مساعدة فعالة في عمله، ثم غلبها على أمرها إرهاق شنيع. تلك حقيقة يمكن فهمها.

 

تشيكوف: حياة رجل نبيل

لا أستطيع أن ألخص كل فصول الكتاب الجميل لكن الفصل الذي كتبه غوركي عن أنطون تشيكوف جميل وفيه رهافة الفنان، وكان اختياراً موفقاً من دار رادوغا الروسية أن تنشر ذلك الفصل في مقدمة الأعمال الكاملة لتشيكوف. يحكي لنا غوركي عن زيارته لبيت تشيكوف وأمنيته أن يبني مصحة لمعلمي القرية المرضى، بناء مليئا بالنور، وبشبابيك كبيرة وأسقف عالية، ثم يخجل من الحديث عن أحلامه. ويشرح لنا غوركي أن هذا أسلوب تشيكوف: يتحدث لحظة في حرارة وفي جد وإخلاص، ثم يضحك من نفسه ومن كلماته في اللحظة التالية، ووراء ضحكته الرقيقة الآسية تستطيع أن تحس بالشك الذكي لرجل يعرف قيمة الكلمات وقيمة الأحلام، وكان في ضحكته ظل من تواضعه الجذاب ومن رقة وجدانه أيضاً.

لا أستطيع أن ألخص كل فصول الكتاب الجميل لكن الفصل الذي كتبه غوركي عن أنطون تشيكوف جميل وفيه رهافة الفنان

ويشاركنا في جلسة أتى فيها أحد الزوار إلى بيت تشيكوف، أتى المعلم إلى الكاتب الشهير وهو يرتعش داخل ملابسه كأنه ذاهب للقاء أحد رؤسائه، منتفخا كالديك الرومي وهو حازم أمره على أن يري تشيكوف أنه يساوي شيئاً. تلك كانت كلمات الرجل سمعها غوركي، ثم قال إنه وهو منصرف الآن من بيت تشيكوف يشعر أنه يفارق صديقاً عزيزاً طيباً يفهم كل شيء، وهو يحمل فكرة ثمينة وهي أن العظماء أبسط من سائر الناس وأكثر فهماً، هكذا يستمر غوركي في تقريب حياة تشيكوف لنا بقصصه وحكاياته عنه حتى نحبه.

ثم يخبرنا أن كل امرئ كان يشعر في مجلس تشيكوف برغبة غير واعية في أن يكون أبسط، وأصدق وعلى سجيته، وأن تشيكوف لم يكن يحب الحديث عن الموضوعات العالية، بل يحب الأحاديث التي يتسلى بها الروس من قلوبهم البسيطة، وأن تشيكوف كان يحب البساطة، وأن له طريقته الخاصة في جعل الآخرين بسطاء، ثم يكتب عبارة في منتهى الإحكام عن تشيكوف، يقول غوركي: "كان تشيكوف يتقن فن هتك الأقنعة عن وجه السوقية في كل مكان، وهو فن لا يتفوق فيه غير رجل مطالبه من الحياة رفيعة، فن ينبع من رغبته الملحة في أن يرى البساطة والجمال والاتساق في الإنسان"، إنه تشيكوف الذي شبه النقاد بذباب الخيل. لقد كان قاضياً ذا قسوة، عديم الرحمة بالسوقية والابتذال وعدم الصدق.

يستمر الكتاب على هذا المنوال: قصص وصور أدبية لشخصيات روسية وأجواء عصرها الأدبي وترجمة بديعة لألفريد فرج، تستمتع بالكتاب وبقصصه وأجواء الأدب الروسي المميز.

 

 

كلمات مفتاحية