صورة المتنبي في الشعر العربي الحديث

صورة المتنبي في الشعر العربي الحديث

الصورة
14 حزيران 2019

                                                                                                                                                                                                                                  أنَا الصائح المحْكِـيُّ، والآخَـرُ الصَّدَى                                                                                                                                                                                                                                                                                                  

نعرض كتاب الأديب والوزير خالد الكركي كتاب بعنوان "الصائح المحكي: صورة المتنبي في الشعر العربي الحديث"، يقدم لنا خالد الكركي قراءة لصورة أبي الطيب المتنبي في الشعر العربي الحديث، ويبدأ الكتاب بالحديث عن أثر المتنبي بين إيقاعي المحمودين الكبيرين: محمود سامي البارودي ومحمود درويش.

المتنبي الذي لم يأت بعده من يملأ الدنيا ويشغل الناس حتى نظر الأعمى إلى قصائده، وسمع الأصم وقع خطى قوافيه في حلب الشهباء، يصف الكركي المتنبي أنه دنيا من الكبر والعجب والقلق والغضب، وفي وصف الكركي للمتنبي نتمتع بتلك اللغة الأدبية وتلك الأوصاف المأخوذة من شعر المتنبي لنفسه مكتوبة على هيئة نثر جميل، يقف الكركي عند كلمة أمير العرب التي يصف بها المتنبي سيف الدولة

فَهِمْتُ الكتابَ، أبَرَّ الكُتُبْ    فَسَمْعَـاً لأَمـرِ أَمـيرِ العربْ

ويعترف الكركي بأنه يشعر برعشة الذعر الجميل التي تسري في عروق الكتابة عندما يكتب عن المتنبي، معتذراً عن جرأته، وهو يتحدث عن المتنبي المولع بالحرب والليل والخيل، المتحيز للسيف والصحراء، الممتدة قامته من ذرى النخيل إلى الهدف الذي جل أن يسمى، الكبير والقلق والممتطي برق الغمام، يريد المتنبي أن يكون الشاعر الأوحد وأن نلغي من سواه، يريدنا المتنبي أن نراه وسط معركة "تطاعن خيلاً من فوارسها الدهر"

وأحيانا "وحِيداً؛ ومَا قَوْليِ كَذا! وَمَعيِ الصَّبْرُ"

وأحيانا "يُحاذِرُنيِ حَتْفِيِ كأنِّيَ حَتْفُهُ "

وأحيانا "ما أَبْتَغــيِ جَلَّ أَنْ يُسْمَى"

غاية دراسة خالد الكركي أن تكتشف حضور المتنبي في حركة الشعر العربي الحديث، وهو حضور يلمسه الكركي في أربعة أبعاد، فهو أولاً قامة يطاولها شعراء الكلاسيكية الجديدة منذ البارودي، فيعارضون قصائده، بناءها وإيقاعها، لكنهم يقولون نفوسهم هم، وإن حاول بعضهم الصعود إلى قمته، ويورد الكركي نماذج من شعر البارودي ومعارضاته للمتنبي، وكذلك أحمد شوقي فكما يقول شوقي ضيف "المتنبي هو القطب الذي يدور حوله شعر شوقي، والذي كان يرنو إليه في صناعته صباح مساء، فيخطف بصره سناه، ويقيده به، ويشده بأسباب متينة"، ونرى معارضة شوقي لرثاء المتنبي جدته، فيكتب شوقي رثاء لوالدته، وفي هذا الفصل نماذج متنوعة تنتهي مع نماذج من شعر الجواهري وتأثره بالمتنبي.

والبعد الثاني في حضور المتنبي في الشعر العربي الحديث، هو كونه البطل المبجل الجليل الذي يجتمعون في ذكرى مولده أو غيابه، فينطلق غناؤهم إعجاباً وثناء ومحاولة لتفسر سمو مكانته، وسر كبريائه وقلقه، فبعد انحسار نهج المعارضات، وانبثاق الرومانسية العربية الجديدة مع جماعة أبولو، ففي منتصف الثلاثينات حدث أن ظهرت مرحلة التحول نحو البطولة في النظر إلى المتنبي، فهو يختصر بشعره كبرياءه، وفي هذه الفترة أصدرت مجلة الهلال عدداً خاصاً عنه، وترجم كتاب بلاشير عنه، واحتفل أهل المهجر الجنوبي بألفية المتنبي في سان باولو بالبرازيل سنة 1953، وأقيم مهرجان المتنبي في دمشق بدعوة من المجمع العلمي 1936، ويقدم لنا خالد الكركي نماذج من قصائد الشعراء عن المتنبي مثل شفيق جبري، ومعروف الرصافي، وخليل مردم بك، أما القصيدة الأشد وضوحاً في الرؤية وجمالاً في التشكيل فهي قصيدة المتنبي والشهباء للأخطل الصغير:

تَكَشَّفَ الصُّبْحُ عن طِفلٍ ومارِدةٍ          لهُ على صدرِها زَأْرٌ إذا غَضِبا

كأنَّهُ الزِّئْبَقُ الرَّجْراجُ في يَدِها            أو خَفْقَةُ البَرقِ إِمَّا اهتَزَّ واضْطَربا

والتي ولدت المتنبي ماردة من الجن، وهو لا يبكي على صدرها بل يزأر، ثم تشرح القصيدة نقاشات الجن حول تسمية المتنبي، ويتتبع الكركي صورة المتنبي البطل في قصائد عمر أبو ريشة، وأحمد محرم وإلياس فرحات وغيرهم.

البعد الثالث للمتنبي هو كونه رمزاً ومعادلاً موضوعياً وقناعا أو مرآة، يوظفه الشعراء المعاصرون خصوصا في شعر التفعيلة، لأن الاتكاء على اسمه وسيرته يغني عن كثير من الرموز والغامض من الكلام، فهناك توظيف لرمزية المتنبي وسيرته وحالاته ليعبر الشاعر المعاصر من خلالها عن موقف لا يريد الكشف عنه مباشرة، إن القناع حالة تساعد على التخلص من المباشرة والتقريرية، هنا المتنبي (الرمز) في الشعر العربي الحديث.

يستحضر أمل دنقل حالة المتنبي البائسة في مصر عندما أحس أنه مقيد بإرادة كافور، وتبدو أزمة المتنبي واضحة في قصيدة أمل دنقل، فهو ينشد كافور عن سيفه الشجاع، مع علمه بأن الصدأ يأكل السيف، يقول أمل دنقل

جاريتي من حلب تسألني متى نعود؟

قلت: الجنود يملأون نقط الحدود

ما بيننا وبين سيف الدولة...

أما خليل الخوري فيكتب رسائل للمتنبي ويقول له:

أبا الطيب:

ونحن نصيح من عام النزوح ولا

علي يجيب صيحتنا وينتصر

ونحن نلوب على علي ينجدنا وننتظر

وكلهم علي ما له رمح، ولا مهر ولا وتر

البعد الرابع لحضور المتنبي في الشعر العربي الحديث هو قراءة سيرة حياته وإيجاد نوع من الشبه بين تجربته وعذاباته وبين زماننا الذي ظل مثل زمانه إلى حد بعيد، فالمسافة والمقارنة بين القرن الرابع للهجرة وبين القرن الخامس عشر للهجرة كبيرة.

من العجيب أن الكتاب منشور عام 1999 ولم أرَ طبعة ثانية منه، أي أن هذا الكتاب منشور منذ 20 سنة تقريباً ولم تنتهِ الطبعة الأولى، ثم نسأل هل يقرأ العرب؟، ومؤخراً نشر خالد الكركي كتاباً بعنوان "ليال عشر مع المتنبي" وهي دراسة ممتعة عن المتنبي، نرى فيها المتنبي وقد بقي من الخالدين، المتنبي الذي صدعنا بأناه المتضخمه نسمعه وهو يقول والدهر من رواة قصائدي، وأنا السابق الهادي إلى ما أقوله، وأنا الصائح المحكي، وأنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي، وأنا صخرة الوادي، وما أحد فوقي ولا أحد مثلي، وترب الندى ورب القوافي، ومن لو رآني ماء مات من ظمأ، إلى غير ذلك من تهديد لملوك العرب والعجم إلى أن يصل إلى "ولو برز الزمان إلي شخصا   لخضب شعر مفرقه حسامي".

 

شارك برأيك