في المنفى، حيث تُعاد صياغة الهوية تحت ضغط اللغة والذاكرة، برز اسم الفنان السّوري مضر رمضان، مُمثِّلٌ لم يتكئ على سردية نجاته، تعامل مع منفاه كحقل للعمل والإبداع. دخل ألمانيا كمسرحيّ يعرف وجهته، حاملًا أدواته، ساعيًا لأن تكون موهبته هي جوازه الحقيقي.
في فضاء ثقافي لا يحتفي بالغريب إلا إذا استحقَّ مكانه، لم تكن الإقامة على الهامش قدره. فخلال فترة زمنية ليست طويلة، أرسى رمضان حضوره في الوسط الفني الألماني والأوروبي، متنقلًا بثقة بين السينما والمسرح والتلفزيون. أدّى بأكثر من لغة، واشتغل تحت إدارة مخرجين سينمائيين عالميين، أمثال Tom Tykwer وOliver Hirschbiegel وشارك بالعديد من الأفلام التي عُرضت بالمهرجانات العالمية، أبرزها فيلم Les Fantômes حيث عُرض في مهرجان كان السينمائي، وفيلم "ضوء" Das Licht الذي عُرض مؤخرًا في برلين السينمائي. وقد دخله رمضان عابرًا فوق سجادته الحمراء، واضعًا علم الثورة السّوريّة على أكتافه.
وبما لا يقلّ عن عشر مسرحيات، قدّم أدوارًا بلغة الآخر وعلى منصته، فحقق نجاحًا لافتًا، تنقل فيها بين التمثيل والإخراج. لم يصنع لنفسه هوية بديلة، بل اشتقَّ من تجربته الشخصية مركبًا فنيًا قادرًا على العبور، دون افتعال، بين الذات والآخر، بين العربيّ والناطق بالألمانيّة، بين القصة الفرديّة والمنظور الكوني.
شيّدَ نجاحه في مسارح الغربة، حيث احتفى به الغرب كصوتٍ فنيٍّ، بينما ظلَّ صدى إنجازه خافتًا في وطنه.
وعن تجربته في فيلم "ضوء" للمخرج "توم تيكفر"، وعن الفن والمنفى والهويّة، كان لنا معه هذا الحوار.
- في السينما الغربية، كثيرًا ما يُجرَّد اللاجئ السوري من صوته الخاص، ليغدو تفصيلًا في سرد قصة الآخر. برأيك، هل نجح فيلم ضوء في استعادة هذا الصوت، مانحًا الشخصية السورية عمقها الإنساني واستقلالها السردي؟ أم أنّها لا تزال رهينة وظيفة درامية تخدم مسار الشخصية الألمانية؟
النتيجة التي انطلقتِ منها في طرح سؤالك إشكالية، أُوافق عليها إلى حدٍ ما. ففي أوروبا، وبحسب متابعتي، هناك أعمال سينمائيّة كثيرة سلّطت الضوء على السرديّة السوريّة، وقام بإنتاجها مخرجون ومنتجون سوريون أو من جنسيات أخرى، وخصوصًا بعد عام 2015، عندما بدأت رحلات اللجوء الجماعي السوري إلى أوروبا. في تلك اللحظة، أصبح الوجود السوري وتاريخ الثورة السورية جزءًا من الهمّ الثقافي والإعلامي في القارّة. أمّا على المستوى الشخصي، فقد شاركتُ في خمسة أفلام كان لي فيها صوتي الخاص المرتفع، وشاركت هذه الأفلام في مهرجانات سينمائية مرموقة، منها فيلمان عُرضا في مهرجان كان السينمائي. لذلك، لا أستطيع أن أوافق تمامًا على الرأي القائل إن السينما الغربية اقتصرت على تقديم القصة السورية كقصة هامشية، إذ إنّ هناك شركات إنتاجٍ ومخرجين قدّموا هذه القصة بصدق، وعرضوها كما هي بكلّ ما فيها من تعقيد. ومع ذلك، لا يمكننا إغفال أن أوروبا هي أرض لجوء لمجموعة كبيرة من الشعوب، كالأتراك والفيتناميين والأفغان والأوكرانيين، وما هي إلّا أرض هجرة بامتياز. أمّا بالنسبة لنا نحن السوريين، فإنّنا نملك حساسيّة خاصة ورغبة قويّة في أن تُعرض حكايتنا بطريقة متفرّدة، وهذه الرغبة تُحترم، لكننا نجهلُ إمكانية تحقيقها فعليًّا.
فيلم ضوء لا يُظهِرُ اللاجئ السوريّ كعنصرٍ منفصل، بل كفاعلٍ يُعيد تشكيل المعادلة. فبطلة الفيلم سوريّة تُدعى فرح، ولكن الفيلم لا يسرد قصة فرح، بل قصة عائلة ألمانية ويتخذ من فرح ركيزةً لانتشاره. فالفيلم لا يتناول القضية السورية بشكل مباشر أو يدّعي أنه يعكس هموم السوريين من منظورهم الخاص، إنّه عملٌ عن المجتمع الألماني، حيث يستعرض جوانب من الحياة اليومية في ألمانيا المعاصرة. ومع ذلك، تكمن نقطة قوته وجماله في أنّه لا يعزل القصة السورية عن هذا السياق، بل يقدمها كجزء لا يتجزأ من النسيج الألماني المعاصر. يحمل الفيلم رسالة مفادها أنّ السوريين، بما تحمله حكاياتهم من ثقلٍ وعمقٍ عاطفي، أصبحوا جزءًا لا يمكن فصله عن القصة الألمانية.
اليوم، إذا رغبتِ في إعداد لوحة بانورامية للمجتمع الألماني في الوقت الراهن، من المستحيل تجاهل القصص السورية المنتشرة في كل زاوية، سواء كانت تتعلق بالثورة والنضال ضد نظام الأسد أو بتجربة اللجوء والهجرة والغرق في البحار. هذا أصبح جزءًا لا يتجزأ من السردية الألمانية، ولا يمكن فصله عنها. الفيلم يعرض الشخصية السورية بكل ما تحمله من معاناة ومشاعر كثيفة كجزء متجذر في المجتمع الألماني، وهذه هي الرسالة التي يسعى الفيلم إلى إيصالها.
- تشكّل فرح، اللاجئة السورية، نقطة تلاقٍ بين تحوّلات المجتمع الألماني وأزماته. هل تمثّل هذه الشخصية وعيًا مُتقدًّا يُعيد تشكيل الواقع، أم أنَّها تبرزُ كقوّة تهزّ يقين الهوية الألمانية وتدفعها لمواجهة تصدّعاتها الداخلية؟ وفي ظلّ هذا التفاعل، هل يسعى المجتمع الألماني لاحتواء حضورها ضمن حدودٍ ينحصر فيها مفهوم "الآخر"؟
يكشفُ الفيلم بعمق وتميّز عن حاجتنا إلى الآخَرِ لاكتشافِ ذواتِنا، سواء كُنّا ألمانًا أو سوريّين، وهو تأكيدٌ للمقولةِ الفلسفيّة " إنّ الآخَرَ هو مرآةٌ لذاتي" .
الفيلم يُقدّم عائلة ألمانيّة مُشتّتةً ومُدمَّرة، تبحث عن حلولٍ، سواء من خلال جلساتِ الدعمِ النفسيّ أو المحاولاتِ العلاجيّة لإصلاحِ الأسرة.
لكنَّ التغييرَ الفعليّ يبدأ عندما تدخل فَرَح إلى المنزل للعمل كمدبّرة منزل.
من خلالِ تفاعلِهم الإنسانيّ معها، تبدأ العائلةُ الألمانيّةُ في اكتشافِ جذورِ مشكلاتها، ويبدأ أفرادُها في فَهمِ نوعٍ من الحلولِ الممكنة.
تدخل فَرَح بثِقَلِ حكايتِها المُعقّدة كلاجئةٍ سوريّة، والفيلم لا يتجاهل هذه الحكاية، بل يُتيح لها مساحة واسعة لتسردَ تجربتَها كلاجئةٍ في ألمانيا، ممّا يُضيف عُمقًا إنسانيًّا للشخصيّة.
فَرَح تُصبح بوّابةَ العائلةِ الألمانيّة لاكتشافِ مشاكلِها الداخليّة، ومن خلالِهم تكتشف هي أيضًا صراعاتِها الخاصّة.
الفيلمُ بذلك يطرحُ جدليّةً أساسيّة: حاجتُنا إلى الآخَرِ المختلف عنّا لكي نعرفَ من نحن، وهي فكرةٌ مترسّخة في الأدب والفنّ ما بعد الكولونيالي، سواء في أعمال مثل موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح، أو في مسرحِ سعد الله ونوس.
أعتقدُ أنّ الفيلمَ يُكمِل هذهِ السلسلة من التساؤلات، ويسلّطُ الضوءَ على قضيّةٍ أساسيّة: نحن بحاجةٍ إلى الآخَرِ المختلف عنّا كي نكتشفَ أنفسَنا.
فَرَح دخلت المنزل من أجل العمل فقط، دون أيّ خططٍ مُسبقة أو نوايا محدّدة. تعيش حياتها ببساطة دون أهدافٍ بعيدة، لكنّها تكتشف أنّ المجتمع الألماني بدأ يتغيّر لمجرّد دخولها إليه، لا أكثر ولا أقل.
العائلة الألمانية التي يُصوّرها الفيلم عائلةٌ منفتحة، وليست راديكاليّة متطرّفة أو معادية للأجانب، بل هي عائلة تسعى إلى الثبات والاستقرار، شأنها شأن ما يقارب ثمانين في المئة من العائلات الألمانية، تُعاني من مشاكلها، ولديها صعوبات في التعامل مع أبنائها. الأب يعمل في شركةِ إعلانات، والأم تعمل في مؤسّسة تُعنى بالنشاط المسرحيّ.
وهناك جانبٌ مهمّ يُفتتح به الفيلم، إذ تموت مدبّرة المنزل السابقة، وهي أجنبية أيضًا، فتكتشف العائلة أنّها لا تعرف اسمَها. بينما مع فَرَح، وجدوا أنفسَهم مضطرّين إلى التعرّف عليها، والاستماع إلى حكايتِها، إذ أثارت فُضولَهم.
وهي رسالةٌ جميلة يُقدّمها الفيلمُ فيما يخصّ السوريين، إذ إنّ هناك أتراكًا يعيشون في ألمانيا منذ أربعين عامًا من دون أن تكون لديهم علاقةُ صداقةٍ واحدة مع شخصٍ ألمانيّ. وقد صُدِم بعضُ الألمان، من خلال هذه التجربة، حين أدركوا أنّ هناك من يعيش معهم في قلب المجتمع، ولا يعرفون حتى اسمَه.
السوريون غيّروا هذه المعادلة. والمجتمعُ الألمانيّ بدوره يحاول أن يتعلّم من التجارب السابقة. فهذه العائلة، التي اعتادت أن تأتيَها مدبّرةُ المنزل لتنظّف البيت لساعتين يوميًّا ثم تغادر، ماتت إحداهنّ في منزلهم، ولم يعرفوا اسمَها حين أرادوا إبلاغ الشرطة. وهذا ما عكس حجمَ التشتّت الذي تعيشه العائلة.
وفي مشهدٍ مؤثّر، حين يذهبون إلى العزاء، يسألهم زوجُ المتوفّاة: "مَن أنتم؟"، ويصمت الجميعُ لحظةً طويلة، تتجلّى فيها حيرتُهم. مَن نحن فعلًا؟ ما اسمها؟ وهنا يبدأ الفيلمُ بسؤالٍ جوهريّ: "مَن أنتم؟". إذ يُرسل الفيلمُ عبر هذه اللحظات رسائلَ مبطّنةً وعميقة، تحمل دلالاتٍ إنسانيةً شديدةَ الأهميّة والجمال.
فقد فتحت موجةُ اللجوء السوريّ إلى ألمانيا بابًا واسعًا لإعادة النظر في سياسات اللجوء، إذ وجد الألمانُ أنفسَهم أمام ضرورةِ التساؤل: من نستقبل؟ ولماذا؟
في المقابل، استفاد السوريون من هذا الانفتاح والرغبة في التعرّف، فأثبتوا حضورًا لافتًا في مجالات الطبّ والهندسة والفنون، ممّا ساهم في تغيير النظرة النمطية تجاه اللاجئين. وقد تميّزت التجربة السورية عن سابقاتها، إذ إنّ أوروبا، التي تعلّمت من تجارب اللجوء السابقة، طوّرت برامجَ إدماجٍ للاجئين في المجتمع وسوق العمل، رغم بقاء بعض الشوائب.
إلّا أنّ اللاجئ السوريّ أتاح للأوروبيين فرصةً لاكتشاف أنفسهم من جديد، ونجح كثيرٌ منهم في اغتنام هذه الفرصة لإثبات الذات. ولعلّ هذا النجاحَ يعود إلى أنّ السوريّ جاء إلى أوروبا كخيارٍ أخير، بعد أن أحرقَ خلفه كلُّ المراكب، فكان عليه أن يجد نفسَه في هذا المجتمع الجديد، ويصنع له مكانًا.
وفَرَح، في الفيلم، تُمثّل هذا النموذج من السوريات اللاتي اجتهدن وأثبتن حضورَهنّ بجدارة.
- هل ترى أنّ هناك مسافة بينك كـ ممثلٍ سوريّ وبين ما يقدّمُه الفيلم عن تجربتك الشخصية كلاجئ، أو هل ترى أن الفيلم يتعامل مع لجوئك الشخصي، ليس فقط كحالة فردية، وإنّما كجزء من ظاهرة أكبر تخص جيلًا كاملًا من اللاجئين؟ وكيف تؤثر هذه المسافة أو التداخل بين الواقع والتمثيل على تجربتك في تجسيد هذا الدور؟
قصّتي تختلف عن كثيرٍ من قصصِ السوريّين، فأنا لم أتعرض للاعتقالِ أو المعاناةِ القاسية، بل قدِمتُ إلى ألمانيا بِفيزا رسميّة وبطريقةٍ سلسة نسبيًّا. أمتلكُ مُقوِّماتٍ ساعدتني على الوقوفِ بسرعة: شهادةٌ أكاديميّة، إتقانُ الإنجليزيّة، وأصدقاء ألمان أعرفُهم قبل قدومي. لكنّ هذا الامتياز لا يَعزِلني عن وجعِ الآخرين، بل يَدفعُني للانخراطِ في مشاريعَ تتناولُ التجربةَ السوريّة، كي أفهمَ أكثر مشاعر من تعرّض لمخاوف الغرق في البحار، أو تاهَ في الغابات، أو عاشَ ظُروفًا لا إنسانيّة في المُخيّمات.
ربّما لهذا السّبب اخترتُ أيضًا العملَ في التّرجمة، لأكونَ قريبًا من تلكَ القصص، وأُشاركَ في نَقلِ تجارِبهم ومُعاناتِهم.
شاركت في فيلم الأشباح الذي عُرض في كان السينمائيّ بدافعِ فَهم التجارِب السوريّة وإيصالِها للعالم. أمّا فيلم ضوء، فكان تجربةً مُغايرة تمامًا؛ أشعرُ بالفخرِ أنّني جزءٌ منه، لقد أجاب عن أسئلتي العميقةِ حولَ الهُويّةِ والوُجودِ السوريّ في ألمانيا.
حين طُلِبَ منّي المشاركة، رفضتُ في البداية، لأنّ مَشهدَ الكاستينغ الذي طُلِب مني تنفيذه صوّرَ السّجنَ السوريّ بطريقةٍ ساذجة ومُشوّهة، تُخالفُ واقعَ المُعتقلين السياسيّين المُغيَّبين قسرًا. شعرتُ أنَّ ذلك المشهد يُضِرّ بالحقيقة وبعَمل المنظّماتِ الحقوقيّة. لكن، بعد لقائي مع المُخرج توم تيكفر، حيث شرحَ لي رؤيةِ الفيلم وبُنيتِه التي تقومُ على كَسر الواقع وتَضليلِ التوقّعات لتحفيز التفكير، وافقتُ على المشاركة.
فيلم ضوء لا يُقدّمُ أجوبةً جاهزة، بل يَدفَعُكَ لإعادةِ النّظر، وهذا ما جعله، بنظري، العَملَ الأكثرَ صدقًا وقوّة في تَمثيلِ الوُجود السوريّ في أوروبا.
لم أشعرْ بتلكَ المسافة، لأنّ فيلم ضوء يتوافقُ مع النسبة الأكبر من تجارِب اللجوءِ السوريّ، رغم إدراكي التامّ أن لا عملَ يمكنه احتواءُ ملايين القصص. هناك دومًا استثناءات وحالاتٌ خاصّة، لكن، إن سُئِلتُ عن عملٍ أوصي بمشاهدته لفهمِ اللجوءِ السوريّ، فلن أتردّدَ بترشيح ضوء، لأنّه الأقربُ إلى الصّدق في مُقاربتِه للقضيّة.
الفيلمُ يُقدّمني كشخصيّة غامضة، مجهولة الملامح والمكان، ومع تتابُع المشاهد، تبدأُ الخُيوطُ بالانكشاف شيئًا فشيئًا، فيتشكّلُ المعنى ويتّضحُ السياق. هذا البناءُ ليسَ عشوائيًّا، بل مقصود ومدروس.
بعد عام 2015، اجتاحتنا موجةٌ من الأعمالِ الفنيّة المتعجّلة عن اللجوء، كثيرٌ منها كان سطحيًّا أو عاطفيًّا مُفرطًا أو مُضلِّلًا. أمّا توم تيكفر، فقد اختارَ العكس، حيث قضى عشر سنواتٍ في المُراقبة والتأمُّل، استمع، خَبِر، ولامسَ التجربةَ عن قُرب. وكما صرّحَ بنفسِه، فإنّ هذا الفيلمَ خلاصةُ مُعاينةٍ طويلةٍ وتجاربَ شخصيّةٍ عايشَها، لا رَدّة فعلٍ عابرة.
وتوم من أولئك الذين يؤمنونَ بضرورةِ وجودِ مسافةٍ زمنيّةٍ بين الحدثِ وتمثيلِه فنّيًا، ليكونَ الطّرح أكثرَ نُضجًا وعمقًا. فكما لم يُكتَبْ أولُ عملٍ مسرحيٍّ جادٍّ عن الحربِ العالميّة الثانية إلّا بعد سبعِ سنواتٍ من نهايتِها، فإنّ ضوء هو ثمرةُ هذا الوعي، وهذا ما جعلني أشعرُ بقناعةٍ حقيقيّة، وفخرٍ بالمشاركةِ فيه.
- من خلال دورك، كيف حاول الفيلم تجسيد أثر اللجوء على اللاجئ نفسه، وليس فقط على المجتمع المضيف؟ وهل شعرت أنّ السيناريو منح الشخصيات السورية عمقًا يماثل الشخصيات الألمانية؟
صوّر الفيلمُ السوريين كجزءٍ رئيس من نسيجِ المجتمعِ الألماني، حيث أُعطيت الشخصيّةُ السوريّةُ حقّها كاملًا، وقُدّمت بشكلٍ منطقيٍّ وعميق، مثلها مثل الشخصيّة الألمانيّة. لم تكن الشخصيّاتُ السوريّةُ هامشيّة أو سطحيّة، بل تمّ تناولُها بعمقٍ وجمالٍ مؤثّرَين.
ومع ذلك، قد تَظهرُ أصواتٌ ترى أنّ بعضَ القصص لم تُسلَّط عليها الأضواء، وهذا أمرٌ طبيعيّ.
الفيلمُ في جوهرِه يتناولُ المجتمعَ الألمانيّ، وكلُّ شخصيّة بغضّ النظر عن جنسيّتِها، نالت المساحةَ المناسبةَ للتعبيرِ عن عُمقِها وتاريخها بما يتناسبُ مع سياق العمل، مع مراعاة أنّ الفيلم يمتدّ لثلاث ساعات.
أعتقدُ أنّ رأي مُشاهِد حياديّ من خارج دائرة العمل أكثرَ موضوعيّة، باعتباري كنت جزءًا من التصوير والنقاشات التي دارت حولَ الفيلم، وهذا ما يخلقُ نوعًا من الارتباط العاطفي به.
وهناك نقطةٌ أخرى من المهمّ الإضاءةُ عليها، تتعلّقُ بكثافةِ الشخصيّةِ السوريّة، خصوصًا لأبناءِ جيل السبعينات والثمانينات. نحن الذين عشنا تحتَ حكم حافظ الأسد ثمَّ بشّار الأسد، شهدنا ربيعَ دمشق، وانتفاضاتِ فلسطين، ومظاهراتِ الأكراد، ثمّ الثورةَ بما حملته من تغييراتٍ اجتماعيّةٍ وسياسيّةٍ وعسكريّة. ثمّ عايشنا التطرّفَ الإسلاميَّ على يدِ داعشَ والجماعاتِ الأخرى، قبلَ أن نلجأَ إلى أوروبا.
وهذه التراكماتُ تمنحُ شخصيّاتِنا عُمقًا نادرًا، ليس من السهل أن نجدَ فيلمًا يعكسُ الشخصيّةَ السوريّةَ بكلِّ هذا العُمق.
الفيلمُ يعكسُ معاناةَ اللاجئين في البحث عن العمل، وتحدّيات النجاح، والاستمرار، كما يتناولُ بشكلٍ محدود، الأسبابَ التي دفعت هذه الشخصيّات للوصولِ إلى ألمانيا. لا أعتبرُ أنّ هذا التناولَ عميقٌ بما فيه الكفاية، لكنّه كافٍ في سياقِ العمل.
الفيلمُ لم يكن مُجحِفًا بحقِّ هذه الشخصيّة، بل قدّم مسارَها حتّى وصولِها إلى ألمانيا بشكلٍ منصف، مع تركيزٍ أكبر على حياتِها في ألمانيا.
- يتعامل توم تيكفر مع العائلة الألمانية ككيان مفكك يبحث عن معنى وسط الفوضى، ويبدو أن "الضوء" يأتي من اللاجئة السورية. كيف ترى هذه المفارقة؟ هل يمكن اعتبارها إعادة إنتاج لفكرة "الحكمة الشرقية" المُنقذة للآخرين، أم أنّ الفيلم يقدم رؤية حول تآكل القيم الغربية؟
يُفتتح الفيلمُ بمشهدٍ تتخلّلُه إشراقات روحانية ترافق قدوم "فرح"، غير أنّه لا ينزلق إلى تمثيلها كمصدرٍ للخلاص أو كينونةٍ عجائبية، بل يدرجها ضمن بنيةٍ رمزية متّزنة، بعيدة عن الاستيهام الاستشراقي الذي يُحوّل "الشرق" إلى مسرحٍ للسحر.
يعمل الفيلم ضمن أفق الواقعية السحرية، كوسيلةٍ لخلخلة الواقع وكشف تشقّقاته. ومنذ دخول فرح، يفرض الضوء حضوره بوصفه العنصر الأبرز بصريًا ودلاليًا، بعد أن كانت العتمة تكتنف معظم المشاهد. لا يُستثمر الضوء كحلّ، بل كقوةٍ رمزية تتسلّل إلى العتمة، تُقاطعها دون أن تنفيها، وتفتح فيها ثقبًا خافتًا من الأمل.
لا يدّعي الفيلم أنّ العائلة استعادت تماسكها، ولا يقدّم خاتمةً مريحة. بل يتوقّف عند لحظة اهتزاز، عند بصيصٍ لا يعد بشيء، لكنه يُبقي احتمالات النجاة مفتوحة. تلك الإضاءة لا تُنهي الألم، بل تمنحه شكلًا يُرى. هكذا، يتجنّب الفيلم فخ تصوير الشرق كعالمٍ عجائبي، ويُقوّض سردية "ألف ليلة وليلة" لصالح تمثيلٍ أكثر وعيًا، حيث لا يُنقذ النور الشخصيات، بل يُذكّرها بأنّها لم تُطفأ بالكامل.
- يبدو الفيلم وكأنّه يستخدم شخصية سورية لهدم صورة العائلة الألمانية التقليدية. هل تعتقد أن هذا الهدم مجرّد حيلة درامية، أم أن المخرج يطرح نقدًا حقيقيًا للنموذج الرأسمالي الغربي الذي فقد روحه؟
ثمّة خديعة ناعمة تكمُن فيما يُقدَّم لنا على أنه "العائلة الألمانية". وإذا طُرح السؤال عمّا إذا كانت العائلة التي يصوّرها الفيلم تمثّل المجتمع الألماني برمّته، فالإجابة، بيقين، هي النفي. ما نراه ليس صورة كليّة أو شاملة، بل نموذج قائم، متكرّر، لكنه لا يختصر المجتمع ولا يُلخّصه. تمامًا كما اختار الفيلم أن يُبرز شخصية فرح، اللاجئة المثقفة المتعلّمة، فصورة اللاجئة المثقّفة كثيرًا ما تُقصى في التمثيل السينمائي، إذ غالبًا ما يُركَّز على نماذج نقيضها، كاللاجئة الجاهلة أو المنكسرة أو الضحية، في حين تُهمَّش صورة اللاجئة الواعية، القادرة على الفعل والتفكير والنجاة. كذلك اختار أن يُظهِر هذه العائلة الألمانية التي لا تحضر كثيرًا في المتخيّل البصري الألماني، رغم حضورها الواقعي.
إنّ دخول فرح إلى نسيج هذه العائلة لا يحمل نزعة تفكيكية مباشرة، ولا ينطوي على مشروع للإصلاح. هي لم تأتِ مُحمّلة بنيّات التغيير، بل دخلت بهدوء وعفوية، وبإصرارِ مَنْ تعلّم النجاة. لكن وجودها في حدّ ذاته، وبلا قصد منها، كان كافيًا لخلق حالة ارتدادية جعلت أفراد العائلة ينكفئون إلى ذواتهم، ويتأملون هشاشتها الداخلية. لقد تحوّلت، من حيث لا تدري، إلى مرآة صامتة، عكست لهم صورتهم المُغيّبة، ودفعتهم لطرح الأسئلة المؤجّلة: من نحن؟ وإلى أين نمضي؟ وكيف نخرج من هذا التصدّع؟
لم تكن فرح مُخلِّصة، ولم تُبعث لتُرمِّم هذه العائلة، وجودها فحسب كان كافيًا ليفتح التصدّع ويُظهر الشقوق. وهنا تكمن براعة الفيلم، فبين السطور، ومن خلال ما لا يُقال، يتبدّى استخدام المخرج لشخصية فرح كأداة لهدم النموذج البرجوازي الرأسمالي للعائلة الألمانية، ليس عبر النقد المباشر، بل من خلال التماس الجوهري مع الذات، تلك الذات التي تعيد تعريف نفسها عبر آخرٍ لا يحمل سلاحًا سوى حضوره الإنسانيّ.
وهذا النهجُ ينسجمُ تمامًا مع رؤية المخرج توم تيكفر، المعروف بمواقفه اليسارية، وتوجهاته النقدية للمنظومة السياسيّة والاقتصاديّة في ألمانيا، حيث برزت هذه الميول في تاريخه السينمائيّ.
- هل وجدت أنّ رؤيةَ المخرج للمهاجرين والمختلفين ثقافيًا تتسمُ بالصّدق، أم أنَّ هناك لحظات شعرت فيها أنّ الشخصيات تخدم أجندة فكريّة أكثر مما تعكس واقعًا إنسانيًا؟
أثناء تصوير الفيلم، اندلعت أحداثُ السابع من أكتوبر في فلسطين (طوفان الأقصى)، وتحوّلت ألمانيا – رسميًّا وشعبيًّا – إلى ساحة احتقانٍ سياسيٍّ شديد، حتّى بلغ الأمر حدَّ تجريمِ ارتداء الكوفية الفلسطينية. قُمِعَتْ المظاهراتُ بوحشيةٍ، وغابت فلسطينُ عن الخطابِ العامِّ. في هذا السياق، تبيَّن لي أنَّ توم، بوصفه جزءًا من هذا المجتمعِ، اختارَ ألّا يتطرقَ إلى ما يحدث علنًا أثناء التصوير، لكنَّ ما فعله في الكواليس كان بالغ الدلالة
فحين أنهيتُ تصويرَ مشاهدي، أُقيمَتْ على شرفي حفلة وداعٍ – وهو طقسٌ اعتياديٌّ – تأخرتُ عن الحضور إليها عمدًا، إذ كنتُ مترددًا من احتمال أن يُطرحَ عليَّ ما لا أملكُ له إجابة. وعندما دخلت، فوجئتُ بالكوفية الفلسطينية معلَّقةً في منتصفِ الطاولة، وبوجود شيف فلسطينيّ يحضِّرُ المأكولاتِ التراثيةَ، بتكليفٍ مباشرٍ من توم. كان ذلك، في تقديري، رسالةً صامتةً ومقصودةً: "أنا معك، حتّى لو لم أَقلْها صراحةً".
في افتتاح مهرجان برلين، حملتُ علمَ الثورة السورية على السجادة الحمراء وكنت أوّل ممثل سوري يحمل العلم السوري بعد سقوط النظام في هذا المهرجان، وحين رآني توم، قاطعَ الصحفيين الذين كنتُ أُجري لقاءً معهم، وقال لي: "شكرًا مضر، لقد أزلتَ عني عبئًا كبيرًا، كنتُ أفكر كيف سأواجه سؤالًا عن سوريا، والآن إن سُئلتُ سأحيلهم إليك". ثم عانقني بشدّةٍ أمامَ الجميعِ في لقطةٍ وثَّقتها معظمُ الصحفِ العالميّةِ.
توم تيكفر احترم معرفتي كـ"ابنِ المكانِ"، فدعاني لمراجعةِ ديكوراتِ المشاهدِ الخاصةِ بريف حلب، وطلب إشرافي على لهجات الكومبارس، مع أنَّ هذا ليس من مسؤولياتي. ورغم وجودِ مدرِّب لهجةٍ محترفٍ لتدريب بطلة الفيلم، كان يُلزمها بالعودة إليَّ في كلِّ تفصيلٍ.
توم تيكفر يؤمن بالتجريبِ ومنهجِ الفنِّ المفتوحِ على الاحتمالِ. يفتحُ لنفسه أبوابًا لأساليب غيرِ تقليدية، وتلك الأساليب كانت واضحةً في طريقة تعامله معنا— كأفرادٍ وقصصٍ حيةٍ— ما منحَ التجربةَ فنِّيَّةً وثيقةَ الصلةِ بالواقعِ، دون تلاعبٍ في تفاصيلِ الواقعِ ذاته.
حاول توم أن يُقدِّمَ تجربةً صادقةً. ربما نجحَ في أماكنَ، وفشلَ في أخرى، وهذا طبيعيٌّ. لكن لم أشعر لحظةً أنه يستغلُّ تجربتنا كلاجئينَ أو مهاجرينَ لخدمةِ خطابٍ سياسيٍّ أو "أجندةٍ فكريةٍ" سطحيةٍ.
لقد احترمنا كأشخاصٍ، كقصصٍ حيّةٍ. حتّى في أبسط المواقف—تفقده للكومبارس بعد كلِّ مشهدٍ، اعتذاره عند التأخير، استماعه إلى اقتراحاتنا، وتصويره لمشاهدَ بعدةِ طرقٍ بناءً على أفكارنا—كلُّ هذا ليس شائعًا، لا في السينما الألمانية ولا حتى في تجارب عربية سابقة لي، حيث كانت السلطةُ بيدِ المخرجِ وحده.
- في ظلّ الصورة النمطية التي رسختها السينما الغربية عن العرب، سواء كضحايا أو كمصدر للخطر، إلى أيّ مدى يُمكن اعتبار فيلم الضوء خروجًا فعليًا عن هذا التمثيل التقليدي؟ وهل يقدم رؤية مغايرة أكثر إنصافًا وتعقيدًا؟
كسر الفيلم القوالب الجاهزة التي رسّختها السينما والإعلام حول اللاجئ السوري، المهاجرين الأفارقة، والعائلة الألمانيّة مقدّمًا رؤية مختلفة تنأى عن التنميط، تمّ هذا الكسر بأسلوب فني رفيع، اعتمد الإيحاء والرمز بدل المباشرة، ونجح في تفكيك الصور النمطية المترسّخة بهدوء وذكاء. وقد جاء حضوري في الفيلم بدور لاجئ سوري كان أستاذًا جامعيًّا في الأدب الألماني كجزء من هذا التفكيك، ليجسّد أحد أوجه هذا الانزياح عن النمط السائد، إذ نادرًا ما يُمثَّل اللاجئ في السينما الغربية كإنسانٍ يمتلك خلفية أكاديمية وفكرية، ويُنظر إليه غالبًا من زاوية العوز أو التهديد.
في مشهدٍ دالٍّ، ترفضُ فرح العمل في اختصاصها كطبيبة رغم مؤهلاتِها، وتختارُ أن تكونَ مدبرةَ منزلٍ في جوٍّ أسريّ دافئ، ما يُربكُ موظفةَ الشؤونِ الاجتماعيةِ ويهزُّ تصوُّرات الجمهور المبرمجة حول "اللاجئ الطموح".
المفاجأة تتضاعف حين نرى الألمانيَّ يلجأُ إلى السوريِّ، كما في مشهدِ انهيارِ ميلاني إثرَ خلافها مع زوجها حيث تخرجُ من المنزلِ في يومٍ ماطرٍ وتجدُ نفسها أمامَ بيتِ فرحٍ التي تقومُ باحتضانِها، هذا تحوّل لافت لمشهد تقليدي رسَّختهُ السينما: الغربيُّ الحاضن والشرقيُّ المحتاج.
وفي كينيا، تفشلُ ميلاني في تمويلِ مشروعٍ مسرحيٍّ بعد محاولاتٍ عديدة، بينما ينجزهُ الأفارقةُ بأنفسهم، وتبقى هي مجرَّدَ شاهدةٍ توثِّقُ انتصارهم. يتصدَّى الفيلمُ هنا لفكرةِ "الغربِ المُنقِذ"، ويُعيدُ الاعتبارَ لقدرةِ المجتمعاتِ المهمَّشةِ على الاكتفاءِ والتمكّن.
- ما الذي يُميّز فيلم "الضوء" على المستويين الفني والإنساني، ولماذا يُعدّ فيلمًا ضروريًا في هذا التوقيت السياسي والثقافي؟
فيلم "الضوء" يمتلك كثافة فكرية وجمالية تتطلب وقتًا أطول لترسيخ تأثيره في وعي المتلقي. فهو عملٌ غنيٌّ بالثّيمات الإنسانيّة والاجتماعيّة التي تتداخل في بنية سرديّة متعددة الطبقات، يصعب تفكيكها من النظرة الأولى. ورغم عمقه، يبقى مشوّقًا وممتعًا، ويستدعي إعادة المشاهدة لاكتشاف تفاصيله المتناثرة بين الأداء الواقعي، والأنيميشن، والموسيقى. هذه التفاصيل تمنحه فسحة تحليلية رحبة على مستويات الأداء والشكل السردي معًا.
في كواليس التصوير، كان الإحساس السائد أنّ توم تيكفر ينجز عمله الأخير. فالرجل، العائد للإخراج بعد انقطاع دام تسع سنوات، بدا وكأنّه يودّع عبر هذا الفيلم كلَّ ما يؤمن به سينمائيًا. كان مُنكبًّا على أدقّ التفاصيل، مصوّرًا عددًا كبيرًا من المشاهد التي حُذفت لاحقًا،
تأتي أهمية "الضوء" في توقيتٍ سياسيّ حرج يشهد فيه الغرب صعود خطاب اليمين المتطرف وتهديدات بإعادة اللاجئين. في هذا السّياق، يبدو الفيلم صوتًا مضادًا، يُعيد التأكيد على أنّ تباينات البشر ليست عبئًا، وأنّ حاجتنا لبعضنا بعضًا تتجاوز الهويات والانتماءات. ما يُعزّز هذه الأهمية هو التلقّي النقدي الإيجابي داخل ألمانيا، حيث حظي الفيلم بإشادة واسعة تخطت 80% من التغطيات الصحفية. وهذا ما يسعى توم تيكفر إلى البناء عليه تجاريًا، في محاولة لدعم شركته الإنتاجية التي تواجه تحديات ماليّة فعلية.

