"صمويل الأسد" يجعل فنَّ اللامعقول السوري معقولاً

تاريخ النشر: 13.02.2021 | 00:02 دمشق

إذا أردنا أن نعرف صفات اللامعقول السوري يجب علينا أن نعرف ما صفاته في فرنسا، فقد نشأ فنُّ العبث فيها في الثلاثينات من القرن العشرين متمردًا على المنطق والواقع، وكان رائد مسرح اللامعقول كاتبًا غريب الأطوار يدعى ألفريد جاري، قام بتأليف سلسلة مسرحيات عن شخصية أسماها "أوبو"، وما لبث أن بشَّر به أنتونين آرتو في كتابه "المسرح وقرينه" أرثر آداموف، ونصوص إدوارد أولبي. وكتب المؤلف الروماني الفرنسي الشهير يوجين أونيسكو مسرحيات عبثية، أشهرها "الدرس"، "الكراسي"، "الخراتيت"، "المغنية الصلعاء"، "ضحايا الواجب"، "الملك يموت" وأخيرًا "لعبة القتل".

اشتدَّ عود هذا الفن في أوائل الخمسينيات من القرن العشرين، عندما بزغ نجم الفرنسي الإيرلندي الأصل صمويل بيكيت في العام 1953 بمسرحيته (في انتظار غودو) غامضة الفكرة، والتي غابت عنها الحبكة، وكفرت بعناصر المسرح الثلاث؛ الزمان والمكان والحدث، واتصف هذا المسرح بانعدام الحل والرمزية، كما قلّ في عرضها الممثلون، والتبست البداية بالنهاية، ولم يعرف أحد غودو، الذي بدا كائنًا مندسًا، بيكيت هو رائد أدب العبث.

 وصعد (أو نزل) خلفه هارولد بنتر إلى ما هو أصعب، فأنشأ شخصية الأخرس كشخصية رئيسية في مسرحية (النادل الأخرس)، والنادل الأخرس هو من أبناء غودو، ومن أشهر مسرحيات اللامعقول (انظر خلفك في غضب)، وهي صيحات فنية للتعبير الصارخ عن التمرد الاجتماعي على مصائب الحروب الدامية وأهوالها، وقد حاز قائدهم صامويل بيكيت على جائزة نوبل للآداب.

تيار اللامعقول الأوروبي كان في الفن والمسرح وبعض الفرق الصوفية المادية مثل الهيبيين، بينما نجد أنَّ تيار العبث السوري الجديد واقعي، ونجده في الحياة والسياسية والتلفزيون والفتوى والفقه

 ومن أبرز كتّاب العبث يوجين يونيسكو البلغاري، وآرثر أداموه الروسي، وجان جينيه الفرنسي، وهارولد بنتر الإنجليزي، وادوارد البي الأميركي، وتوم ستوبارد الإنجليزي. جرف هذا التيار مؤلفين مصريين مثل توفيق الحكيم في مسرحيتيه "يا طالع الشجرة" و"مصير صرصار"، وصلاح عبد الصبور ومحمود دياب وألفريد فرج وعبد المنعم سليم، وطفحت عدواها إلى قصص ومسرحيات نجيب محفوظ القصيرة.

بعد التلخيص سالف الذكر نجد أنَّ تيار العبث الأوروبي كان في المسرح وانتقل إلى الأدب، وقد تأثر به سوريون مثل زكريا تامر في قصصه، ويلاحظ أنَّ تيار اللامعقول الأوروبي كان في الفن والمسرح وبعض الفرق الصوفية المادية مثل الهيبيين، بينما نجد أنَّ تيار العبث السوري الجديد واقعي، ونجده في الحياة والسياسية والتلفزيون والفتوى والفقه. وهذه بعض خصائص فن اللامعقول الأوروبي معكوسًا في المرآة السورية، الخصيصة الأولى هي قلّة عدد الشخوص في المسرحية، وقد قلَّ عدد السكان في مسرحية سوريا إلى النصف، وصارت سوريا مسرحًا لتبار العبث واللامعقول السياسي، وهذا كارثة، فالفرق كبير بين الفنِّ والواقع. وتتصف مسرحيات اللامعقول الأوروبي بالمكان الضيق، وهو عادة غرفة رطبة وموحشة، وقد صارت سوريا كلها غرفة رطبة من غير حرارة ومن غير كهرباء. كما تختص مسرحيات العبث الأوروبي بالقلق، ويعاني الشعب السوري ونظامه من قلق شديد، الشعب قلقٌ على قوت يومه وأبنائه، والنظام قلق على قوائم عرشه. وتتصف رعايا مسرحيات اللامعقول وكائناته بغياب الأمان والاستقرار، وهي شمائل تتصف بها جميع شخوص المسرحية السورية، من الرئيس إلى أفقر سوري. الرئيس وإعلامه يذكّر أن الشعب دائمًا بالأمن والاستقرار المفقود، ويكاد يقول إنه غودو، لا غودو غيره.

تغيب المرأة في مسرحيات العبث الأوروبي، أمّا المسرحية السورية العملاقة فلم يبق سوى النساء، فقد قتل أكثر الذكور، أو هم يخدمون في الجيش، أو أنهم خنسوا خوفًا على الحياة وما بقي من ثمالة الحرية. في سوريا جزيرة نساء حتى إنَّ هناك إرهاصات قوية تقول إنَّ زوجة الرئيس سترث العرش، وتصير بلقيس سوريا، "بانتخابات نزيهة" من نصف الشعب السوري، لكنها لن تقول يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون.

 تميّز مسرح العبث الأوروبي باللغو، وترديد الكلام، وكانت سوريا البعثية بلد الشعارات والوعود، وبلد الأناشيد، وما تزال وفية على العهد.

 تتصف مسرحيات اللامعقول بالكآبة والتكرار اللغوي الكمي وغياب التطور الدرامي، وأكثر ما يعِد به الرئيس السوري هو أنه سيكون صمام الأمان، وكأنَّ الوعاء لم ينفجر، اللجنة الدستورية التي تدور حول الطاحون، التباس الخيال بالواقع، غياب الثقة، الفردية، غياب الناموس والشرف. نذكّر بعض المشاهد من اللامعقول السوري:

 مثل إصدار مرسوم بالعفو عن النازحين، فظهر الجنرال عصام زهر الدين، وقال للنازحين مهددًا متوعدًا: "نصيحة من ها الدقن لا ترجعوا"، وتصريحه تناقضَ مع خطاب الرئيس، وهو من سمات فن اللامعقول، مثال آخر:

يظهر المفتي السوري وهو يهدد أوروبا بعمليات انتحار بالصوت والصورة، ثم يظهر في صورة أخرى ليُنكر ما قاله، ويقال إنَّ المفسرين تأولوا نص كلامه خطأً، وقد شكوناه إلى أوروبا فعذروه، فإذا أحسنّا الظنَّ بالنخبة الأوروبية قلنا إنهم حسبوه شخصية من بيكيت، أو إذا أحسنّا الظنَّ بحقيقة الأوروبيين قلنا إنهم يريدون أمثال هؤلاء في التوقيع عن الله بالفتوى. الشاهد الثاني له هو أنه ظهر مرة وكأنه يخوض معركة بدر ويقول: اللهم أن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في هذه الأرض أبدًا! وكان يخاطب ربُّ السماوات وليس ربَّ القصر الجمهوري! والأمثلة كثيرة مثل وزير الخارجية السوري السابق الذي طلب من أميركا التنسيق مع الجيش السوري في قتل الشعب السوري، والتنسيق سعي إلى المعقول وإلى الشرعية وليس إلى أمر آخر.

لم يعجب بتيار اللامعقول الأوروبي سوى نسبة معينة من الشعوب الأوروبية للتسلية، على النقيض من الحالة السورية والعربية، حيث تعرض مسرحيات الكراسي، ولعبة القتل، والخراتيت على الهواء مباشر

 أما الحوار العبثي، فنجده في غياب الحبكة من المصالحة الوطنية، والحبكة غائبة من كل القصص السورية، بل العربية، من قتل الخاشقجي في القنصلية السعودية، إلى تيران وصنافير في مصر، والدستور المصري، فالدساتير هي حبكات لمسرحيات اللامعقول العربي.

وقعت نهضة في أوروبا علمية وعقلية، وكان مسرح العبث للفكاهة والثقافة، ومبتدعوه فنانون وأدباء، وليسوا ساسة وقادة كما في سوريا، ولم يعجب بتيار اللامعقول الأوروبي سوى نسبة معينة من الشعوب الأوروبية للتسلية، على النقيض من الحالة السورية والعربية، حيث تعرض مسرحيات الكراسي، ولعبة القتل، والخراتيت على الهواء مباشر.

 لم نسمِّ هذا الفنَّ باسمه العلمي، ربما كان اسمه هو العشوائي، أو الفوضى، أو الأمن والأمان!

 كأننا خضنا حربين عالميتين أضرى وأشدُّ من حربي أوروبا اللتين وصفتا بالعالمية.