صفعات وشتائم: اللعب الدموي في أرض الآخرين

تاريخ النشر: 31.03.2022 | 06:34 دمشق

للشتائم في السياسة المحلية والدولية طعم مختلف عن تلك التي يسمعها المرء في شجار بين اثنين، في مكان ما، واقعي أو افتراضي. فرغم الإثارة التي يصنعها مشهد شجار رجل وزوجته على سبيل المثال، مع تبادلهما للسباب، إلا أن إحساساً طبيعياً يغمر المشاهد، يقول له: إن القصة محدودة، وستصل إلى نهايتها، بشكل أو بآخر.

لكن، حين يُقدِم سياسيٌّ على شتم أحد معارضيه، فإن هذا التصرف، غير اللبق، يحال إلى مجال صراع سياسي، عادة ما يكون مكانه هو البرلمان، حيث يشتبك النواب مع بعضهم بعضاً في شجارات كلامية، تتطور أحياناً لتصبح عراكاً بالأيدي، مع إمكانية أن يهدد أحدهم في ذروة الغضب بأنه سيتصرف مع "عدوّه" حين يخرجان من المبنى!

لم ينفذ أي نائب في البرلمانات التي تنتشر فيها مثل هذه الحوادث تهديدَه، بإبادة خصومه، ولم يُعتبر تراجعه عن ذلك، مَثلبَة بحقه، بل ربما اعتبر ذلك من مناقبه، فالخلاف ليس شخصياً، كما أن اتفاق المصالح يروّض أكبر الغاضبين، ويُسقط سيوف المتحاربين!

قد تكون الشتيمة التي تقرن بصفات المشتومين الجسدية أشد عليهم من الطعن؛ لأنها تقلل من إنسانيتهم، أو تستهين بها، وهذا ما فعله وينستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، والذي نال جائزة نوبل عن تدوينه تاريخ الحرب العالمية الثانية بلغته البليغة، عندما شتم عضو حزب العمال السيدة بيسي برادوك عندما اتهمته بالثمالة في مجلس العموم، قائلاً: "أنت قبيحة، وستبقين كذلك طوال العمر، وأنا سأفوق من السكر، وستبقين قبيحة مهما حاولت"!

لكن بعض هذه الشتائم، تريح من ينطق بها، لأنها تمثل تنفيساً عن ضغطين عقلي وجسدي كبيرين، ورغم فجاجتها، فإنها ترضي جموعاً كبيرةً من البشر الذين يبقون طوال حيواتهم أسرى للعجز، أمام تسلط الطغاة الديكتاتوريين، لهذا صفق السوريون لأوباما ذات يوم، عندما وصف بشار الأسد بأنه "طاغية قاتل الأطفال"!، وتناسوا تهكمه على ثورتهم وتقليله من شأنها عبر الادّعاء أنها "ثورة فلاحين وأطباء أسنان"!

كما ارتفعت لديهم مناسيب الشماتة عندما سبّه ترامب، قائلاً عنه إنه "حيوان سيدفع ثمناً باهظاً"!

لكن بعض هذه الشتائم، تريح من ينطق بها، لأنها تمثل تنفيساً عن ضغطين عقلي وجسدي كبيرين، ورغم فجاجتها، فإنها ترضي جموعاً كبيرةً من البشر الذين يبقون طوال حيواتهم أسرى للعجز، أمام تسلط الطغاة الديكتاتوريين

صحيح أن رأس النظام رد على الشتيمة الأخيرة عندما سئل عنها بالقول: "إن الصفات التي وصفه بها دونالد ترامب تعكس أخلاق الأخير" وأن ما قاله ترامب بحقه "لا يؤثر فيه, وهو يهتم فقط بالتصريحات الصادرة من الأشخاص الذين تثق فيهم "المتوازنين، العقلاء الأخلاقيين".

لكن الأسئلة التي ولّدتها هاتان الواقعتان، لربما أوضحت ما وراء إشارات الاستفهام المبهمة، فحين يلجأ رئيس دولة عظمى، لا بل الأقوى عسكرياً للشتم فهذا يعني أن يديه مغلولتان، وأن أفضل ما يستطيع فعله هو هذا، ما يجعل المعادلة غريبة! بينما يرد المشتوم الذي قتلَ وسجنَ وهجّر شعباً كاملاً، بلغة أنيقة مفعمة بالدبلوماسية، تظهر ارتياحه وعدم قلقه، حتى من الضربات العسكرية الناعمة التي وجهتها له كل الإدارات الأميركية، منذ بدأ مجزرته بحق السوريين!

البحث عمن يدعم نظام الأسد في وجه كل القرارات الدولية، ليس أمراً هيناً، فالمسألة لا تتوقف عند استدعاء الميليشيات الطائفية والقومجية واليساروية، وكذلك عند إيران وروسيا، والإمارات العربية المتحدة، بل ستصل حكماً إلى إسرائيل، التي باتت، -بفضل الأنظمة العربية وثوراتها المضادة- وبفضل تحكمها المافيوي بمصالح الآخرين، صاحبة القرار الرئيس في كل شؤون الشرق الأوسط.

لهذا، لن نسمع أصداءً لأي شتيمة سياسية في منطقتنا، سوى صخبنا نحن، نحن الذين غُلبنا على أمرنا، ولن يختلف الأمر في أوكرانيا الجريحة حالياً، إذ لن تفيد النازحين واللاجئين ولا حتى الجنود الذين يواجهون جيش أكبر دولة في العالم، شتائم بايدن لبوتين، بأنه "جزار"، ولا حتى قوله عنه بأنه "مجرم حرب"! فهو لم ولن يفعل شيئاً سوى هذا، على مستوى السياسة الحارة، التي تأتي أفعالها والردود عليها من الوقائع الراهنة، أي ما يجري على الأرض، بينما تتوسع لديه الأفعال، على مستوى تلك الباردة، من خلال العقوبات الاقتصادية، التي تأتي بنتائجها بعد أمد طويل جداً، بالنسبة لأولئك الذين يموت أحبتهم، وتهدم بيوتهم، ويفرون خشية أن تقتلهم أسلحة بوتين!

ترد موسكو على السباب بهدوء فهو "غير مقبول ومخالفٌ للدبلوماسية"! فيبدو المشهد وكأنه نقاش بين مجرمين شريكين في عصابة واحدة، بعد أن يردف أحد الناطقين باسمها: "هذه التصريحات تقلل احتمالات التقارب بين البلدين"!

لماذا لا يقوم الشاتم بتحدّي المشتوم، أو العكس، برميه بقفازه القماشي في وجهه، واستدعائه كما في الأفلام، لمبارزة بالمسدسات؟ لماذا لا يتعلم السياسيون من نجوم كرة القدم والسينما كيف يتصرفون في مثل هذه الحالات والمواقف؟

ألا يُحرّض فيهم كوامن الرجولة، ما حدث في  نهائي كأس العالم لكرة القدم عام 2006 بين فرنسا وإيطاليا، عندما نطح النجم زين الدين زيدان اللاعب الإيطالي ماركو ماتيراتزي، بعد أن قام الأخير بإهانة أخت الأول، فتلقى بطاقة طرد من الملعب، في آخر مبارياته قبل الاعتزال وإيقافه عن اللعب من الفيفا!

ألم يتوقفوا عند الإيقاع العنفي، الذي مضى فيه النجم الأميركي ويل سميث خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار، قبل يومين، دفاعاً عن زوجته عندما صفع النجم كريس روك بعد تفوّهه بمزحة مليئة بالتنمر والسماجة!

هل السياسيون الشاتمون والمشتومون بُلداء إلى هذا الحد؟ بالتأكيد لا..، إنهم فقط يحبون، وبحسب مصالحهم، ممارسة الألعاب الدموية في ملاعب غيرهم، فيتنابزون بالألقاب، ويتبادلون المزحات وكأنهم في عرض مسرحي لا ينتهي!

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار