بعد نحو ست سنوات قضاها نازحاً في مخيمات شمال غربي سوريا، لم ينتظر أبو عبد الله إعادة بناء منزله حتى يتخذ قرار العودة إلى قريته في ريف إدلب. حمل ما استطاع من أثاثه ومقتنياته، وأخذ معه الخيمة التي آوته وعائلته خلال سنوات النزوح، ليعيد نصبها هذه المرة بالقرب من منزله المدمر.
بالنسبة إليه، كان البقاء في خيمة على أرضه أفضل من استمرار الحياة في المخيم.
يقول أبو عبد الله: "صرلنا نحو ست سنوات نازحين، وبعد التحرير ما عاد قدرنا نبقى بعيدين عن ضيعتنا. بيتنا مدمر وما منقدر نسكن فيه، فأخذنا الخيمة معنا ونصبناها هون. صحيح رجعنا على خيمة، بس رجعنا على أرضنا".
قصة أبو عبد الله تختصر جانباً من مشهد يتكرر اليوم في مناطق عدة من سوريا؛ عائلات تغادر المخيمات وتعود إلى قراها ومدنها، لكن العودة بالنسبة إلى بعضها لا تعني الانتقال من الخيمة إلى المنزل، بل انتقال الخيمة نفسها من مكان النزوح إلى مكان العودة.
ويأتي ذلك بالتوازي مع مسار يستهدف الوصول إلى "صفر خيمة" بنهاية عام 2026، وإنهاء واحد من أكثر الملفات ارتباطاً بسنوات النزوح الطويلة في سوريا.
آلاف العائلات تغادر المخيمات
تظهر البيانات الرسمية تسارع حركة العودة خلال الأشهر الماضية. فمنذ بداية عام 2026 وحتى السابع من آب، سجلت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عودة أكثر من 22 ألف عائلة إلى مناطقها في عدد من المحافظات.
وفي إدلب، التي تضم كتلة كبيرة من مخيمات شمال غربي سوريا، تشير أحدث الأرقام المعلنة من المحافظة إلى عودة أكثر من 162 ألف عائلة إلى مناطقها الأصلية، في حين ما تزال أكثر من 85 ألف عائلة تقيم في المخيمات.
ولا تتم العودة بصورة فردية فقط، إذ شهدت الأشهر الماضية تسيير سلسلة من قوافل العودة الطوعية، بإشراف محافظة إدلب ومديرية الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتعاون مع عدد من المنظمات والجهات الإنسانية.
وتشمل التسهيلات المقدمة في عدد من هذه القوافل تأمين آليات لنقل العائلات مع أثاثها ومقتنياتها من المخيمات إلى مناطقها الأصلية، إضافة إلى مساعدات إغاثية وغير غذائية، ودعم لوجستي أو طبي أولي، بحسب القافلة والجهات المشاركة فيها.
وفي إحدى القوافل خلال تموز، غادرت 314 عائلة تضم أكثر من 1500 شخص من 103 مخيمات، في حين كانت نحو 1300 عائلة أخرى مسجلة حينئذٍ على قوائم انتظار للاستفادة من عمليات النقل. وفي قافلة أخرى خلال آب، عادت 217 عائلة من 79 مخيماً إلى عشرات المواقع في أرياف إدلب وحماة وريف دمشق.
لكن السيارة التي تنقل العائلة وأثاثها إلى قريتها تحل مشكلة الطريق، ولا تجيب بالضرورة عن السؤال الذي ينتظرها عند الوصول: كيف ستبدأ حياتها من جديد؟
العودة التي تنتظر بيتاً
الرغبة في مغادرة المخيم لا تكفي دائماً لاتخاذ قرار العودة.
في مخيم الأرامل بريف إدلب الشمالي، تعيش أم محمود مع أسرتها منذ سنوات. وهي، مثل كثير من النازحين، تتمنى العودة إلى قريتها، لكن منزلها المدمر وعدم قدرتها على إعادة بنائه يجعلان من العودة قراراً أصعب من مجرد مغادرة المخيم.
تقول أم محمود: "أكيد بدنا نرجع، مين ما بيتمنى يرجع على ضيعته؟ بس بيتنا مدمر وما عنا إمكانية نعمره. هون صار عنا مكان نعيش فيه، أما إذا رجعنا ما عنا وين نسكن. إذا تأمن إلنا مكان بضيعتنا، أكيد منرجع".
بالنسبة إلى أم محمود، المشكلة ليست في اتخاذ قرار العودة، بل في القدرة عليها؛ فمغادرة المخيم ممكنة، لكن ما ينتظر الأسرة بعده هو السؤال الأصعب: أين ستسكن، وكيف ستبدأ حياتها من جديد؟
وبينما استطاع بعض النازحين العودة إلى قراهم، حتى وإن حملوا خيامهم معهم، ما تزال أسر أخرى ترى أن تأمين السكن في مناطقها الأصلية هو الشرط الأول قبل أن تتمكن من طي صفحة النزوح.
من نقل العائلات إلى تثبيت عودتها
لا تتوقف تحديات العودة عند تأمين المنزل، فالعائلة التي تغادر المخيم تحتاج إلى مدرسة لأطفالها، ومياه ورعاية صحية وطرق ومصدر دخل يسمح لها بالبقاء في منطقتها.
ولهذا تتجه الجهود، بالتوازي مع قوافل العودة، إلى نقل جزء من الاستجابة إلى القرى والبلدات التي تستقبل سكانها من جديد، من خلال مشاريع تتعلق بالبنية التحتية وسبل العيش والخدمات الأساسية.
وفي قطاع التعليم، أعلنت وزارة التربية والتعليم إعادة تأهيل أكثر من 1300 مدرسة خلال عام 2026، بالتوازي مع تجهيز مدارس واستيعاب الطلاب العائدين من المخيمات وخارج البلاد، في وقت ما تزال فيه آلاف المدارس بحاجة إلى أعمال ترميم وتأهيل.
وفي القطاع الصحي، تشير بيانات وزارة الصحة إلى وجود 1320 مركزاً صحياً في الخدمة من أصل 1740 مركزاً على مستوى البلاد، بالتزامن مع إعادة تأهيل منشآت صحية وتوسيع الخدمات في عدد من المناطق.
كما شهدت مناطق عودة في إدلب تدخلات إغاثية مختلفة، بينها توزيع مساعدات غذائية وغير غذائية، في حين تقول مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل إنها تعمل على توجيه المنظمات نحو مناطق العودة، لدعم سبل العيش وتحسين خدمات المياه والصحة والتعليم.
وتكشف هذه الجهود حجم التحدي الذي يأتي بعد خروج العائلة من المخيم؛ إذ لا تُقاس استدامة العودة بعدد الأسر التي غادرت فحسب، بل بقدرتها على البقاء في المكان الذي عادت إليه.
تراجع الخدمات.. دافع للعودة أم ورقة ضغط؟
بالتوازي مع تسارع عمليات العودة، يبرز نقاش آخر داخل المخيمات يتعلق بمستوى الخدمات والمساعدات التي ما تزال تقدم لسكانها.
فعدد من المقيمين يتحدثون عن تراجع في خدمات المياه والنظافة، وانخفاض حجم بعض المساعدات الإنسانية مقارنة بالسنوات السابقة، في وقت يجري فيه تشجيع العائلات على العودة إلى مناطقها الأصلية.
أبو سعيد، وهو مدرس يقيم ويعمل في أحد المخيمات، يقول إن سكان المخيم يدركون أن وجودهم فيه لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، وإن العودة إلى القرى تبقى رغبة لدى معظمهم، لكنه يرى أن تراجع الخدمات يضع بعض الأسر أمام قرار لم تكن مستعدة لاتخاذه بعد.
ويقول: «ما حدا منا مبسوط إنه عايش بمخيم، وكل واحد بيتمنى يرجع على ضيعته. لكن بالفترة الأخيرة الخدمات خفّت كثير؛ المياه والنظافة والمساعدات ما عادت مثل قبل. وبنفس الوقت إذا رجعنا على ضيعتنا بدنا نبلش من تحت الصفر، ولسا ما عنا كل مقومات الحياة».
ومن هنا يبرز سؤال يتردد بين بعض سكان المخيمات: هل يمثل تراجع الخدمات نتيجة لطبيعية لتحول الاستجابة الإنسانية نحو مناطق العودة وتراجع أعداد المقيمين في المخيمات، أم أنه يتحول عملياً إلى عامل ضغط يدفع الأسر إلى المغادرة قبل أن تصبح العودة ممكنة بالنسبة إليها؟
ولا توجد معطيات تثبت وجود سياسة متعمدة لخفض الخدمات بهدف دفع النازحين إلى المغادرة، لكن أثر تراجعها على خيارات الأسر يبقى حاضراً بالنسبة إلى من يعتمدون عليها في حياتهم اليومية.
فالعائلة التي تتراجع أمامها الخدمات في المخيم، في حين لا تجد في قريتها منزلاً صالحاً للسكن أو مصدر دخل أو خدمات أساسية، قد تجد نفسها أمام مفاضلة لا بين النزوح والعودة، بل بين شكلين مختلفين من عدم الاستقرار.
ثلاث عائلات.. وثلاثة وجوه للعودة
بين أبو عبد الله وأم محمود وأبو سعيد، تبدو العودة مختلفة من عائلة إلى أخرى.
أبو عبد الله لم ينتظر اكتمال الظروف، بل حمل خيمته وعاد بها إلى قريته، مفضلاً أن يبدأ من جديد على أرضه.
أم محمود تريد العودة، لكن منزلها المدمر وعدم قدرتها على إعادة بنائه يبقيان أسرتها في المخيم، حتى تجد مكاناً يمكن أن تبدأ فيه حياتها من جديد.
أما أبو سعيد، فلا يرى في المخيم مستقبلاً دائماً، لكنه يخشى أن يسبق تراجع الخدمات داخله اكتمال مقومات الحياة في قريته.
ثلاث تجارب تكشف أن إنهاء المخيم لا يعني الشيء نفسه لجميع سكانه، وأن قرار العودة لا تحكمه الرغبة وحدها، بل تتداخل فيه القدرة على السكن والعمل والوصول إلى الخدمات الأساسية.
ما بعد "صفر خيمة"
بعد أكثر من عقد تحولت خلاله المخيمات من استجابة مؤقتة إلى أماكن عاش فيها آلاف السوريين سنوات طويلة، يبدو الوصول إلى "صفر خيمة" أكبر من عملية إزالة آخر خيمة من مكانها.
ففي مقابل قوافل العودة التي تنطلق تباعاً، وآلاف الأسر التي عادت إلى مناطقها، ما تزال عائلات أخرى تنتظر ترميم منزل، أو تأمين خدمة، أو فرصة عمل تجعل العودة ممكنة.
ويجري بالتوازي العمل على مسح واقع المخيمات واحتياجات الأسر الموجودة فيها، وتوجيه مشاريع وخدمات إلى مناطق العودة، في محاولة لجعل انتقال العائلات قابلاً للاستمرار، لا مجرد تغيير لمكان إقامتها.
بالنسبة إلى أبو عبد الله، انتهى المخيم، لكن الخيمة نفسها انتقلت معه إلى جوار منزله المدمر. وبالنسبة إلى أم محمود، ما يزال المكان الذي تعيش فيه اليوم أكثر قدرة على إيواء أسرتها من منزل لم يعد قائماً.
وبين من عاد، ومن يستعد، ومن ينتظر، يمضي عام 2026 نحو هدف "صفر خيمة".
لكن الوصول إلى هذا الرقم لن يُقاس فقط بعدد المخيمات التي أُغلقت أو الخيام التي طُويت، بل بما إذا كان أصحابها قد وجدوا بعد خروجهم بيتاً ومدرسة وخدمة ومصدر رزق يسمح لهم بالبقاء.
فهل يكفي إنهاء المخيمات لإنهاء النزوح، أم أن طي آخر خيمة ليس سوى بداية الاختبار الأصعب: تثبيت العودة؟
