بعد استثمارات طهران الكبيرة التي تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات لدعم نظام الأسد والحيلولة دون سقوطه، كان من المتوقع أن تؤول سوريا بسهولة إلى فلك النفوذ الإيراني. ومع ذلك، وعلى الرغم من بعض الامتيازات التي حصلت عليها إيران، تشير المعلومات المؤكدة إلى أن سوريا تحولت في الواقع، خلال العامين الأخيرين من حكم الأسد، إلى مستنقع أمني وعسكري لخامنئي وللحرس الثوري الإيراني.
ويبدو أن العديد من التقارير الإيرانية شبه الرسمية التي تحدثت عن خيانة الأسد لإيران كانت تحمل قدراً كبيراً من الحقيقة، حيث تكشف الأحداث والوقائع اللاحقة عن تحولات في العلاقة بين الطرفين أثرت بشكل ملحوظ على مجريات الأحداث في سوريا.
وبعد أكثر من شهرين مما وصف برد الفعل اليائس للمرشد الإيراني علي خامنئي على سقوط بشار الأسد وتهديداته ضد الحكومة السورية الجديدة، ظهرت أبعاد جديدة لأنشطة فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، لتكشفت عن خيانة بشار الأسد لهذه المجموعة في سوريا.
كشفت وثيقة مسرّبة حصل عليها موقع "تلفزيون سوريا" عن اعتقال جواد حشمتي، أحد قادة فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، وزوجته، على يد مخابرات النظام السابق، بتهمة تهريب أسلحة إلى الأراضي الفلسطينية، وذلك قبل نحو أربعين يوماً من سقوط الأسد.
وتظهر المعلومات الواردة في هذه الوثيقة السرية للغاية، المرسلة من شعبة المخابرات السورية (الفرع 227)، حجم التوتر الكبير الذي بلغته العلاقة "الاستراتيجية" بين النظام البائد وطهران قبل أيام قليلة من سقوط بشار الأسد.
من هو جواد حشمتي؟ وما مصيره؟
تُظهر الوثيقة المسربة، الموجهة إلى مسؤول استخباراتي سوري رفيع، أن جواد حشمتي قُدّم بصفته أحد قادة الوحدة 18840 التابعة للحرس الثوري الإيراني، وهي الوحدة التي كان يقودها سابقاً "هدايت حسيني فر". وتشير مصادر مفتوحة إلى أن "حسيني فر" نُقل في أواخر عام 2020 إلى القاعدة 840 في سوريا، حيث بدأ بالإقامة هناك مع زوجته وأطفاله الثلاثة.
وتعمل الوحدة 18840 تحت قيادة الوحدة 840 في فيلق القدس، وهي وحدة عمليات سرية تابعة للحرس الثوري الإيراني، متخصصة في تنفيذ عمليات اغتيال ضد أهداف إسرائيلية وغربية. وقد كان لهذه الوحدة سجل طويل في تنفيذ عمليات اغتيال دقيقة لأشخاص مستهدفين في سياق الصراع الإقليمي والدولي.
وفي كانون الثاني 2021، نشر موقع إسرائيلي فيديو أظهر عملية سرية نفذها جهاز استخبارات غربي في دمشق، مؤكداً أنها استهدفت مقر "الوحدة 840" التابعة لـ"فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني. ووفقاً لتقرير نشره موقع "إنتلي تايمز" الإسرائيلي، جرت العملية في شقة داخل مبنى سكني بحي كفر سوسة في دمشق، الذي يقع على مسافة 500 متر فقط من السفارة الإيرانية، وحوالي 3 كيلومترات من القصر الرئاسي.
وكانت مصادر إيرانية قد كشفت قبل سنوات عن تأسيس الوحدة 840، وقالت إن "مهمة هذه الوحدة التي يرأسها يزدان مير المعروف باسم سردار باقري، هي تخطيط وتنفيذ هجمات إرهابية خارج إيران وضد أهداف غربية وأعضاء المعارضة الإيرانية".
وبحسب الوثيقة المسربة، يتعاون محمد رضا أنصاري في عملية تهريب الأسلحة مع جواد حشمتي. وكان أنصاري، أحد قادة الحرس الثوري الإيراني في سوريا، هو الرئيس السابق للوحدة 840، والذي سبق أن فرضت عليه الولايات المتحدة وبريطانيا عقوبات لاتهامه بمحاولة اغتيال جون بولتون، مستشار الأمن القومي لإدارة ترامب، في الفترة الأولى من رئاسته.
ووفقاً للوثيقة أيضاً، تبين أن المعتقل جواد حشمتي تعاون بشكل مباشر مع العميد جواد غفاري، رئيس الوحدة 4000 والنائب الخاص لجهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني، في إرسال أسلحة إلى قطاع غزة. يُعد غفاري من أبرز الشخصيات في فيلق القدس، وكان يُعرف بلقب "جزار حلب" بسبب الجرائم التي ارتكبها ضد الشعب السوري خلال سنوات الثورة السورية. وفقاً لمصادر إيرانية، كان غفاري أيضاً يشارك في عمليات تهريب البنزين من إيران إلى سوريا عبر العراق، وهو نشاط استمر لسنوات عديدة، بهدف تحقيق مكاسب شخصية.
وأشارت تقارير إيرانية، إلى أن جميع وحدات فيلق القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني ركزت خلال العام ونصف العام الماضيين جهودها بشكل مكثف على نقل الأسلحة إلى لبنان وغزة وحتى الضفة الغربية. وتعد هذه العمليات جزءًا من استراتيجية إيران المستمرة لتعزيز نفوذها العسكري والسياسي في المنطقة، مما يعكس التزام طهران بتوسيع دائرة نفوذها في الشرق الأوسط بشكل يتجاوز حدود سوريا.
وفي العام الماضي، استهدفت إسرائيل تقريباً جميع الأعضاء الرئيسيين في هذه الشبكة، ولم ينج منهم سوى قلة قليلة، بما في ذلك العميد جواد غفاري، الذي تواردت إشاعات عن عودته إلى سوريا بهدف إنقاذ نظام الأسد في أعقاب تحرير مدينة حلب. لكن اعتقال جواد حشمتي قبل شهر ونصف من سقوط الأسد يؤكد خيانة الأخير لخامنئي والحرس الثوري الإيراني بشكل أكبر مما كان يُعتقد أو ينشر حتى.
لا تزال المعلومات حول مصير جواد حشمتي غير مؤكدة، إلا أن القناة 12 الإسرائيلية بثّت قبل أسبوعين مقطع فيديو يتضمن اعترافات لعنصر سابق في فيلق القدس يُدعى جواد. ووفقاً للوثائق المسرّبة، فقد كشف حشمتي خلال جلسات الاستجواب عن أسماء أعضاء آخرين في شبكة تهريب الأسلحة.
غرق إيران في مستنقع التعقيدات داخل الساحة السورية
ويكشف هذا الحادث عن تحول سوريا إلى مستنقع لإيران، حيث وجدت طهران نفسها تتصارع في ساحتها مع العديد من التحديات الداخلية والخارجية، بدءاً من الضربات الإسرائيلية المتواصلة، وصولاً إلى الاختراقات الاستخباراتية التي تسلط الضوء على عمق التوتر بين نظام الأسد وحلفائه الإيرانيين.
وأعاد العميد بهروز إثباتي، وهو آخر ضابط إيراني غادر سوريا، تسليط الضوء على بعض خيانات بشار الأسد تجاه طهران، كاشفاً في مقابلة مع موقع "تابناك" الإيراني قبل أشهر، أن الأسد استجاب لمطالب المحور الإماراتي السعودي بتقليص النفوذ الإيراني مقابل الحصول على دعم مالي.
وقال إثباتي إن الإيرانيين واجهوا ضغوطاً شديدة من نظام الأسد في الفترة الأخيرة، تمثلت في طرد أكثر من 80 في المئة من العائلات الإيرانية من منازلها. وكشف أيضاً أن أحد قادة الحرس الثوري عقد اجتماعاً سرياً مع الأسد، ليصفه لاحقاً بأنه "شخص مسخ" بعد ما دار في تلك اللقاءات.
تورط حزب الله في التصعيد الحدودي مع سوريا
استناداً إلى المعلومات التي أدلى بها جواد حشمتي خلال التحقيق، ألقت المخابرات الجوية التابعة لقوات الأسد القبض على المدعو رواد عبد الخالق، وهو يعمل مع المهربين، لدى عودته من الإمارات إلى سوريا. وخلال استجوابه، أقرّ عبد الخالق بتعاونه مع شبكة تهريب يقودها خليل حرب، وأكد انخراطه في العمل لصالح وحدة النقل 4400 التابعة لحزب الله، بقيادة الحاج فادي.
وكان برنامج مكافآت من أجل العدالة قد رصد مكافأة تصل إلى 5 ملايين دولار أميركي مقابل الإدلاء بمعلومات عن خليل يوسف حرب، المعروف أيضا باسم سيد أحمد وأبو مصطفى، وهو مستشار مقرب لحسن نصرالله وقيادي جماعة حزب الله، ويرجح أنه يرأس أركان حرب حزب الله الآن.
ووفقاً للمعلومات التي نشرت في الأسابيع الماضية، فإن هجمات حزب الله الأخيرة على الحدود السورية اللبنانية، بما في ذلك اعتداءات واختطاف عدد من الجنود السوريين، كانت تدار بشكل مباشر من قبل الحاج خليل حرب، القائد الكبير في حزب الله والمسؤول عن خط البقاع. ويشغل حرب حالياً دوراً مهماً نيابة عن الحرس الثوري الإيراني ويتولى مسؤولية تهريب الأسلحة في تلك المنطقة.
وكان المرشد الإيراني على خامنئي قد وصف انتصار الثورة السورية وسقوط الأسد بالفوضى، ووعد باستعادة سوريا إلى دائرة نفوذه، وهدد قائلاً: "إن الذين تعدوا على سوريا، سيضطرون يوماً ما إلى التراجع أمام قوة الشباب السوري الغيور".
وأشارت التقارير التي نشرها "تلفزيون سوريا" الشهر الماضي إلى أن إيران تعمل على توسيع نفوذها في سوريا من خلال التواصل مع بعض العناصر من النظام المخلوع، بالإضافة إلى دعم أطراف من الطائفة العلوية والكردية بهدف إضعاف الحكومة الجديدة والحفاظ على تأثيرها في المنطقة بعد الانكسارات التي تعرضت لها. ومع ذلك، تمكنت حكومة دمشق من اتخاذ تدابير أمنية وعسكرية فورية لمواجهة هذه التحركات، ما أسهم في إخماد التمرد الناشئ ومنع تدهور الوضع الداخلي نحو الفوضى.
وقبل أيام، أعلن جهاز الأمن العام السوري عن اعتقال العميد عبد الكريم أحمد الحمادة في دير الزور، وهو من الشخصيات المقربة من ماهر الأسد، المسؤول السابق عن تنسيق العمليات العسكرية لجيش النظام مع قادة الحرس الثوري الإيراني. وكذلك اعتقال مؤيد عبد الصمد الدويهي، المعروف بلقب "الحاج جواد"، قائد لواء السيدة زينب التابع للحرس الثوري في الميادين.
ويُعد هذا التحرك خطوةً نحو تقويض النفوذ الإيراني في سوريا من خلال ملاحقة كبار عملائه الرئيسيين هناك، في إطار جهود حكومية حثيثة لضبط الاستقرار والأمن، وملاحقة المجرمين المتورطين في الانتهاكات الخطيرة التي طالت الشعب السوري.
