صحيفة موالية: الأسرة تحتاج لـ650 ألف ليرة سورية لتعيش في سوريا

تاريخ النشر: 31.01.2021 | 17:30 دمشق

آخر تحديث: 31.01.2021 | 17:45 دمشق

إسطنبول ـ متابعات

نشرت صحيفة "الوطن" الموالية، اليوم الأحد، تقريراً كشفت فيه صور المعاناة المعيشية اليومية لغالبية المواطنين المقيمين داخل مناطق سيطرة النظام، بسبب الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية مقابل انخفاض دخل الفرد وقيمة العملة المحلية.

 التقرير حمل عنوان "هكذا يحاول السوريون إدخال الفيل في ثقب الإبرة. متوسط دخل الفرد 50 ألف ليرة، والمطلوب للأسرة 650 ألفاً. 70% من الناس يقتصرون على وجبة أو اثنتين كحد أقصى"، وسلّط الضوء على أشكال المعاناة من خلال شهادات ومداخلات المواطنين.

البيض بنصف راتب و"المتّة" براتب كامل!

في الحسابات العملية، إذا استهلكت الأسرة كل أسبوع طبق بيض، وصل سعره حتى كتابة هذا الموضوع إلى 6 آلاف ليرة، فهذا يعني أنه طار أكثر من نصف راتب "أم علي" البالغ 40 ألف ليرة، وإذا كانت أغلبية الأسر استغنت أخيراً عن البيض ووضعته في قائمة المواد المنسية كاللحم والفروج والفواكه، فلا يمكن الاستغناء عن الخبز، إذ يصل استهلاك أسرة أم علي المؤلفة من 6 أشخاص إلى 3 ربطات من الخبز يومياً؛ أي 9 آلاف ليرة شهرياً للخبز وحده.

اقرأ أيضاً: المواد التموينية في دمشق.. تواصل في ارتفاع الأسعار وتوقف الشراء

تتحايل أم علي على الحاجات الشهرية وتقسم دخل الأسرة كله لشراء الضرورات القصوى في مطلع كل شهر، بعد تجميع الدخل الوارد إلى العائلة من الموظفين الثلاثة لديها، فيصبح لديهم مبلغ لا يتجاوز 170 ألف ليرة، وعلى هذا المبلغ أن يسد حاجات الأسرة بأكملها، ومن ضمنها تكاليف الدراسة ما بعد الثانوية وما دونها.

تخصص أم علي من رأس القائمة مبلغاً للسكر والأرز ومواد التنظيف، والزيت يتصاعد شهرياً بسبب ارتفاع الأسعار كل يوم، وكان في آخر مرة 36 ألف ليرة، وتضيف أنها مهما اقتصدت في حاجاتها فلن تقل عن 30 ألف ليرة في الشهر. للخضر والحشائش الأرخص دائماً، وفي الحالات الضرورية جداً تشتري 1-2 كيلو لبن، لا يقل سعره عن الألف ليرة، وهنالك مصروف لا يستهان به لـ "المتة" التي لا يمكن الاستغناء عنها كما تقول أم علي، ولا يقل مبلغ استهلاكها شهرياً عن 40 ألف ليرة.

تحاول أم علي وجميع أفراد أسرتها الذين يستخدمون المواصلات العامة يومياً تقليص نفقات الركوب في المواصلات العامة، ومع ذلك لا تقل تكاليف المواصلات الشهرية عن 30 ألف ليرة، وهذا لا يشمل مصاريف الدراجة النارية من البنزين وغيره التي يستخدمها ابنها للوصول إلى عمله.

النوع لا يهم.. المهم هو الأرخص

لا داعي للحديث عن النوعيات فالأرخص هو السلعة المطلوبة مهما كانت مواصفاتها، لذا يقول أبو عبد اللـه وهو أب لـ 5 أولاد: إنه يبحث عن الأرخص من كل شيء، ولو علِم عِلمَ اليقين أن علبة الشاي التي اشتراها لن تعطيه لون الشاي أو طعمها فإنه لا يتوانى عن شرائها ما دامت الأرخص.

شاهد: تخبّط في أسعار المواد الغذائية الأولية في مناطق النظام

ماذا بخصوص محال التجميل؟

صالونات ومحال التجميل لم تُغلق، بحسب التقرير، وما زالت الصبايا تشتري مواد التجميل وتتجمل، ولكن غالباً بأسوأ الأنواع وأرخصها، وغالباً يخصص مبلغ جانبي جداً لشراء بعض مواد التجميل الرخيصة وتعويض ما انتهى من المجموعة، تقول العشرينية سارة (طالبة جامعة): إنها بالكاد تستطيع تبديل ملابسها التي ترتديها كل فصل، إذ إن أجور المواصلات والذهاب إلى الجامعة بأكثر من حافلة يشكل عبئاً على أهلها، وإن محاولاتها المتكررة للعمل إلى جانب الدراسة لا تجدي دائماً، لأنها تدرس الهندسة وتحتاج إلى دوام ومتابعة من جهة، ولأن ما تحصل عليه من أجور بكل الأعمال التي تحاول عملها لا يعود بمبالغ تحقق فروقاً مجزية، تقول سارة: إنها تشتري مواد تجميل عن البسطة حيث الأسعار الأرخص دون التفكير في النوعية.

اقرأ أيضاً: الأمم المتحدة: أسعار المواد الغذائية في سوريا زادت 3 أضعاف

كانت محال البالة تشكل ملاذاً لأغلبية الناس ويجدون ضالتهم فيها، لأن الدخل المنخفض في سوريا قصة أزلية، ولكن حتى البالة الآن لم تعد متاحة لأغلبية زبائنها السابقين، فهي تجاري الدولار في السوق السوداء وليس بالتسعيرة الرسمية للمركزي، الأمر الذي جعل الحصول على اللباس مشكلة كبيرة أيضاً بعدما أصبحت الكثير من الأجور لا تغطي تكاليف سعر حذاء جيد.

محلل اقتصادي: السبب في "الركود التضخمي"

ونقل التقرير عن الاقتصادي "سنان ديب" قوله: إن الأسعار ارتفعت إلى نحو 47 ضعفاً لبعض المواد، وإن حاجة الأسرة برأيه لا تقل شهرياً عن 650 ألف ليرة، في حين الحد الوسطي للأجور لا يتجاوز 50 ألف ليرة، لذلك أكثر من 70% من الشعب أصبح يقتصر على وجبة أو اثنتين بأقصى حد، وإن اللحوم بكل أنواعها تحولت إلى حلم حتى الفروج، وحتى طبخة كالمجدرة أصبحت كلفتها تصل إلى أكثر من 10 آلاف ليرة، كل هذه الأمور جعلت استهلاك السوريين يقتصر على الضروريات جداً من المواد الغذائية، وهذا التقليص في استهلاك المواد الغذائية من حيث الكمية والنوعية تسبب بتخفيض في الطاقة البشرية.

وأضاف ديب، أن من آثار هذه الفجوة الرهيبة بين الأجور والأسعار أيضاً الركود التضخمي لأن البلد وصل إلى أعلى درجة تضخم. ومن آثار هذا الحال أيضاً التغير في العادات والتقاليد والتواصل الاجتماعي بين الناس وتجنب السفر والتنقل بين المحافظات وللعائلات قدر الإمكان.. كل هذا يتطلب هندسة سعر الصرف، والنظر بأسعار الطاقة وبشكل يحقق انطلاقة اقتصادية تحسب المستوى المعيشي للمواطن، وإيجاد طرق مفيدة لدعم الإنتاج، وأن يكون هنالك مرونة في القرارات، بمعنى أن تكون قابلة للمراجعة وليست نهائية.

اقرأ أيضاً: بين تواطؤ النظام وعجزه.. فوضى وارتفاع في الأسعار

تخفيض الجودة

تتوسع حلقة المتضررين من الواقع المزري للدخل لتطول المنتجين أيضاً، لأن من ينتج يهمه أن يسوق إنتاجه، وهذا يجعل معظم الصناعيين يفكرون في طريقة خفض تكاليف إنتاجهم على حساب الجودة، ليتمكنوا من بيعها، يقول الصناعي "نهاد شردوم" لصناعة بياضات الهادي: إنهم يضطرون إلى تخفيض مواصفات القطعة لكي يتمكنوا من بيعها، لأن الزبون لا يبحث عن الجودة وإنما عن السعر، فمثلاً عوضاً عن أن تكون سماكة "لحاف الدكرون" 4 سم مثلاً يعملون على تخفيضها إلى 3 سم، ويوافق الزبون على هذا لأن سعرها ينخفض من 3 إلى 4 آلاف ليرة، وكل هذا ليتجاوبوا مع إمكانات زبون قدرته الاستهلاكية منخفضة جداً.

في حين يرى الصناعي وأمين سر غرفة تجارة دمشق، محمد الحلاق، أن هذه الهوة تؤثر في الكتلة النقدية المعدة للإنفاق، وهكذا تخفض من حجم المستوردات أو الصناعات أو المشاريع السياحية إلخ. وأن الطبيعي أن يتوافر بين أيدي المستهلكين كتلة نقدية تتيح لهم الإنفاق على أساسيات العيش ويبقى جزء من أجل الكماليات وجزء آخر من أجل الادخار.

لا شيء مبشّر

ويختم التقرير بالقول: إن أخبار زيادة الأجور لا تثير السعادة لدى المواطنين، لأن المطلوب زيادات كبيرة لتتساوى الأجور بالأسعار، ولكن ما يحصل أن نسب الزيادة محدودة، وحركة الأسعار تسبق الزيادة عقب كل خبر عنها بأشواط، ما يجعل الأمل مقتولاً بحل عن طريق الزيادات المحدودة في الأجور.