صحيفة أميركية: ترامب أضاع فرصة نجاح في سوريا فشل فيها أوباما

تاريخ النشر: 22.10.2020 | 16:52 دمشق

شيكاغو تربيون- ترجمة وتحرير: ربى خدام الجامع

كانت ليلة 28 كانون الثاني/يناير من العام 2017 ليلة شديدة البرودة، ومع ذلك احتشد آلاف الأميركيين من كل المشارب والطبقات الاجتماعية عند المطارات في كل نواحي بلادهم ليتظاهروا ضد قانون منع السفر الذي وقع عليه ترامب يومئذ، إذ يقوم هذا القانون التنفيذي بحظر سفر القادمين من سبع دول ذات أغلبية مسلمة، وعلى رأسها سوريا إلى الولايات المتحدة.

ومن اللافتات التي رفعت، لافتة كتب عليها: "كلنا مسلمون"، وأخرى نقرأ فيها: "أهلاً باللاجئين"، فكانت مظاهرة تنعش القلب مقارنة بالأخبار المزعجة التي وصلت من البيت الأبيض.

فقد خفض القرار التنفيذي الذي أصدره ترامب بعد فترة قصيرة من تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة من عدد اللاجئين الذين يسمح بدخولهم إلى الولايات المتحدة، وعلق دخول اللاجئين السوريين إلى أجل غير مسمى، فكانت تلك نقطة فارقة في رئاسة ترامب عبرت عن الكثير مما أتى بعدها.

اقرأ أيضاً: الأمن العام اللبناني يفاوض واشنطن نيابة عن نظام الأسد

وبالنسبة لملايين البشر، فإن هذا القرار يشير إلى أن رئيس أميركا الجديد لا يؤمن بالقيم الأميركية المبنية على التعاطف والحرية وتكافؤ الفرص، بل إن هذا يعني أن الشعب الأميركي قد تخلى عن مسؤوليته الأخلاقية تجاه السوريين وغيرهم من المضطهدين، وبأن الولايات المتحدة لم تعد مفتوحة أمام الحشود الغفيرة التي تتوق إلى تنسم عبير الحرية.

ولكن بالرغم من اتخاذ تلك الخطوة الأولى المثيرة للقلق، كان أمام ترامب فرص كثيرة خلال فترته الرئاسية حتى يقود السياسة الأميركية نحو النجاح في سوريا ضمن النواحي ذاتها التي فشل فيها سلفه باراك أوباما، غير أن ترامب، بدلاً من ذلك، قرر أن يفشل فيها هو أيضاً.

لقد غيرت الأزمة السورية التي امتدت لعقد كامل من الزمان وجه العالم، إذ هنالك لاجئ سوري واحد من بين كل أربعة لاجئين في مختلف بقاع العالم، ومن بين 24 مليون لاجئ في العالم 5.6 ملايين سوري هربوا من قمع بشار الأسد ومن البراميل المتفجرة ومن الأسلحة الكيماوية، ومن تنظيم الدولة الإسلامية المنفلت من عقاله. كما هرب هؤلاء من القصف الروسي والإيراني الذي طال المدارس والأسواق والمشافي، لقد هربوا من اللامبالاة التي أبداها العالم، فعبر الآلاف منهم البحر المتوسط بقوارب تعيسة ليصلوا إلى أوروبا. كان بينهم آلان الكردي، ذلك الطفل السوري الذي غرق ومات وهو يرتدي قميصاً أحمر اللون، فبكيناه، وأولينا بعض الاهتمام لتلك القضية، ثم غضضنا الطرف عنها.

لقد تسببت موجة النزوح التي امتدت على نطاق واسع بظهور مشاعر معادية للاجئين والمهاجرين في الغرب، وقد استغل ترامب عندما كان مرشحاً للرئاسة تلك المشاعر لمصلحته، كما أسهمت الأزمة السورية بصعود الإرهاب وظهور مجموعات الكراهية وانتشار النفور من الغرباء والأجانب في أوروبا إلى جانب زعزعة الاستقرار فيها.

وبعد مرور عشر سنوات على الحرب، أصبحت سوريا دولة فاشلة، لكنها ما تزال تحت حكم الشخص نفسه الذي تحدى الخطوط الحمر التي رسمها الرئيس باراك أوباما. وهو الشخص عينه الذي عمل على تطبيع الأسلحة الكيماوية عبر استخدامها ضد شعبه في 336 مرة بحسب ما أورده معهد السياسة العامة الدولية.

اقرأ أيضاً: "ترامب" يهدّد بمغادرة البلاد في حال خسر الانتخابات

واليوم تشهد سوريا حالة تدهور كبيرة بسبب كوفيد-19 والانهيار الاقتصادي، كما استعاد تنظيم الدولة الإسلامية فيها بعض قوته، وفي تقرير صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش ورد بأن أكثر من 1.4 مليون مدني نزحوا في عام 2020 عقب الهجوم الذي شنه التحالف السوري-الروسي-الإيراني على محافظة إدلب التي تسيطر عليها المعارضة في شمال غربي البلاد. وكان من المحتمل أن يزيد ذلك الوضع سوءاً، وذلك في حال نزح 3.5 ملايين لاجئ جديد إلى تركيا وأوروبا، إلا أن هذا الكابوس قد تبدد بفضل العملية العسكرية التركية، حيث وقفت الولايات المتحدة موقف المتفرج، وبذلك تم ملء الفراغ الذي تشكل بسبب انسحاب القيادة الأميركية عبر وجود جهات فاعلة أخرى.

وفي مقابلة مع قناة سي بي إس الإخبارية، قال مستشار السياسة الخارجية في حملة جو بايدن واسمه أنطوني بلينكين: "على الإدارة الأميركية السابقة (أي إدارة أوباما) أن تعترف بأننا فشلنا، إذ إننا لم نفشل برغبتنا في المحاولة، بل فشلنا في منع وقوع خسائر كبيرة في الأرواح. وفشلنا في منع ظهور موجة نزوح كبيرة في الداخل السوري، وبالطبع في منع ظهور موجة اللاجئين في الخارج. إذ لسوء الطالع، ما حدث منذ ذلك الحين هو أن الوضع المريع قد ازداد سوءاً برأي كثيرين".

اقرأ أيضاً: "ترامب" يهدّد بمغادرة البلاد في حال خسر الانتخابات

بيد أن ترامب ورث تلك السياسات الفاشلة عن سلفه في سوريا، بالرغم من أنه كانت أمامه فرصة ذهبية لإنهاء الأزمة بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية وهنا تبين للأسد أن ترامب يسعى للتعامل مع الأمور بطريقة عملية وذلك عندما رد على الهجومين الكبيرين اللذين استخدمت فيهما الأسلحة الكيماوية في كل من خان شيخون عام 2017 ودوما عام 2018.

إذ قال ترامب عقب الهجمة الفتاكة على خان شيخون: "لقد خنق الأسد أرواح رجال ونساء وأطفال مغلوبين على أمرهم، حتى الرضع الصغار الذين يعتبرون أيقونة في الجمال تم قتلهم بوحشية. لذا يجب ألا يتعرض أي طفل بعد الآن لمثل هذا الإرهاب".

كما أن رده المحسوب حصد تأييد كلا الحزبين في الداخل ودعم الكثير من قادة دول العالم، فأصبحت أمامه فرصة تاريخية ليؤكد قيادة الولايات المتحدة للعالم ولوضع حد لنفوذ إيران وروسيا. حيث كان بوسعه أن يمارس ضغوطه على صديقه فلاديمير بوتين ليوافق على تسوية سياسية قد تفتح الباب أمام عودة اللاجئين وقيام مصالحة وطنية، وعدالة انتقالية وإعادة إعمار البلاد، لكنه ضيع تلك الفرصة بغبائه.

وحتى يزيد الطين بلة، سحب معظم الجنود الأميركيين من الشمال السوري في عام 2019، وترك حلفاءه في سوريا ليحاربوا الدولة الإسلامية وليواجهوا الأسد بمفردهم، وقد عارضه وزير الدفاع جيم ماتيز في ذلك حينئذ، واستقال من منصبه إثر ذلك.

أجل، في أواخر عام 2019، وقع ترامب على قانون يفرض عقوبات مالية مع منع سفر على قائمة موسعة تضم أفراداً وشركات ومؤسسات تقدم المساعدة لنظام الأسد. وكثيرون يرون في ذلك خيراً، بل يعتبرونها الخطوة العملية الوحيدة التي قام بها ترامب في هذا الاتجاه، غير أن آخرين يعتقدون بأن تلك العقوبات لن تغير سلوك الأنظمة التي تقوم بعمليات إبادة جماعية.

وعلى المستوى الدبلوماسي، يتفوق بوتين بمناوراته على ترامب بأشواط وأشواط، فلقد أجبرت روسيا مجلس الأمن الدولي على خفض عدد المعابر الحدودية التي يتم من خلالها تقديم المساعدات الإنسانية لسوريا من خمسة معابر إلى معبر واحد فقط، دون أن تتدخل الولايات المتحدة في المفاوضات التي رعتها الأمم المتحدة والتي توقفت وعلقت مستقبل سوريا، في حين أصبحت لروسيا وتركيا وإيران اليد العليا في كل ذلك.

اقرأ أيضاً: ترامب يعد المال عابساً قبل التبرع به لكنيسة (فيديو)

واليوم ما تزال سوريا بعيدة كل البعد عن أي تسوية سياسية، أما إيران فقد أصبح لها موطئ قدم أكبر ضمن مناطق استراتيجية في سوريا، ويكشف أحد التقارير التي نشرت مؤخراً بأن الأسد ما يزال يعمل على تطوير الأسلحة الكيماوية، بعدما نزح أكثر من 4.5 ملايين مدني سوري، أي ربع السكان قبل الحرب خلال فترة حكم الرئيس ترامب. وفي عام 2020، تمت إعادة توطين عدد أقل من اللاجئين السوريين وصل عددهم إلى 100 لاجئ في الولايات المتحدة، وذلك مقارنة بـ12500 لاجئ تم توطينهم في أميركا خلال عام 2016.

اقرأ أيضاً: "ترامب" يهدّد بمغادرة البلاد في حال خسر الانتخابات

وفي حال تم انتخاب بايدن علينا أن نتذكر بأنه وعد أن يتعلم من الأخطاء السابقة في سوريا، كما وعد بزيادة حجم المساعدات الإنسانية المخصصة للسوريين، وعدم التخلي عن الحلفاء الكرد والعرب، والعمل معهم ومع غيرهم من الحلفاء على إحياء العملية السياسية في مسارها نحو السلام، والأهم من ذلك أنه تعهد بإلغاء منع السفر الذي أثار كثيرا من الجدل وذلك في أول يوم له بإدارة البلاد.

عندما التقيت أوباما في البيت الأبيض عام 2013، أخبرته بأن ما سيحدد إرثه هو ما فعله في سوريا، أما إرث ترامب فسيحدد بعوامل أخرى كثيرة، من بينها تعيين ثلاثة قضاة محافظين في المحكمة العليا، ونشر الكراهية ونظريات المؤامرة وإخفاقاته على عدة مستويات سواء على المستوى الدولي أو المحلي، لا سيما في مكافحة كوفيد-19 ما أدى إلى ارتفاع عدد الوفيات لتزيد على 220 ألف حالة وفاة في الولايات المتحدة، كما كانت سوريا على وشك أن تتحول إلى نصر مؤزر لترامب بكل سهولة، لكنه فوّت على نفسه تلك الفرصة بغبائه.

 

اقرأ أيضا: "ترامب" يهدّد بمغادرة البلاد في حال خسر الانتخابات

 

المصدر: شيكاغو تربيون