icon
التغطية الحية

صحوة في الكوميديا السورية: ازدهار الستاند آب كوميدي بدمشق بعد الإطاحة بالأسد

2025.08.28 | 15:53 دمشق

آخر تحديث: 28.08.2025 | 16:27 دمشق

مالكي ماردينلي يثير ضحك الجمهور في أحد عروض الستاند آب كوميدي بنادي ستيريا بدمشق - تاريخ الصورة: 8 حزيران 2025
مالكي ماردينلي يثير ضحك الجمهور في أحد عروض الستاند آب كوميدي بنادي ستيريا بدمشق - تاريخ الصورة: 8 حزيران 2025
The Christian Science Monitor - ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2025، شهدت دمشق تحولاً في المشهد الكوميدي، حيث أصبح بإمكان الفنانين تناول مواضيع كانت تعتبر محرمات مثل السياسة والدين والجنس، مع بروز نادي ستيريا للكوميديا كمنصة للتعبير الحر.

- رغم الانفتاح، يواجه الكوميديون تحديات مع جمهور حساس بسبب آثار الحرب، ويعملون على كسر المحرمات القديمة وتقديم نكات تعكس الواقع الاجتماعي والسياسي، مع مواجهة مضايقات وتهديدات من بعض الفئات.

- يعتبر شريف حمصي ومالكي ماردينلي نفسيهما ورثة لتقليد الحكواتي، ويطمحان لتطوير الكوميديا الارتجالية في العالم العربي، مع خطط لكتابة دليل حول الكوميديا أمام جمهور عربي، مستلهمين من الأسلوب الإنكليزي.

في أحد مسارح دمشق التي أضيئت بطريقة ما في ظل انقطاع الكهرباء، وقف شريف حمصي تحت أنوار خشبة المسرح، وقال بأنفاس متقطعة: "أريد أن أشكر وزارة الثقافة.. على ولا شي".

فانفجرت القاعة بالضحك، وكان ذلك الضحك من النوع العصبي الذي يعبر عن الارتياح بقدر ما يعبر عن الاستمتاع، إذ في ظل حكم بشار الأسد، كان العمل في هذا المضمار يودي بصاحبه إلى السجن.

بعد العرض الذي قدمه حمصي، أمسك مالكي ماردينلي بمكبر الصوت وبدأ بالحديث إلى الجمهور، فتوجه بكلامه لشاب يرتدي سروالاً قصيراً، بينما ارتدت زوجته ملابس عصرية ملتزمة على الطريقة الإسلامية، وهذه الزوجة أخذت تضحك بلا أي تحفظ، ما مهد الطريق أمام الزوجين ليتحولا إلى هدف للسخرية والمزاح والنكات التي زادت جرأتها يوماً بعد يوم.

تعريفات جديدة للنكتة السورية

مع تغير السلطة، تتغير النكتة، ففي دمشق، فتح سقوط الأسد مجالاً جديداً وهشاً أمام حرية التعبير، إذ صار ضحك الجمهور يعبر عن حماسته لسماع نكات عن السلطة وتحطيم الأعراف الاجتماعية في مدينة ما فتئت تحاول إعادة ضبط توازناتها بعد فترة من الاضطرابات السياسية.

انتهز أصحاب التوجهات الكوميدية هذه الفرصة، فأطلقوا نكاتاً كان من المستحيل أن تطلق أيام النظام البائد، ومع انهيار المحرمات القديمة، قد تظهر محرمات جديدة بما أن المجتمع والحكومة شرعا بإعادة تأسيس قواعدهما في فترة ما بعد الأسد. ولهذا أضحى كل عرض كوميدي فرصة لإعادة تعريف ما يمكن أن يقال على الملأ وأن يضحك عليه الجمهور.

 

يعلق على ذلك الصحفي الدمشقي عمر الخطيب الذي حضر العرض وسط الجمهور بعيداً عن أي مهمة صحفية، فيقول: "يحتاج الأمر لشجاعة لأننا خرجنا لتونا من نظام ديكتاتوري، فتبين لنا بأن السوريين ملتزمون بكثير من الأمور التي يعتبرونها مقدسة أو محرمة، ولهذا ينبغي عليهم أن يتعلموا كيف يكسروا كل ذلك من دون خوف أو وجل".

"نحن بحاجة لضحك هستيري"

عندما أسس حمصي وماردينلي نادي ستيريا للكوميديا في شهر كانون الأول من عام 2022، كان كل منهما يخطو خطوة نحو المجهول، إذ لم يكن في سوريا عروض ستاند آب كوميدي، كما أن روح النكتة الشعبية تعرضت لقمع طوال حكم آل الأسد عبر التخويف والتهديد بالسطوة.

 

شريف حمصي برفقة زميله مالكي ماردينلي في أحد مقاهي دمشق

تاريخ الصورة: 3 حزيران 2025

 

كان ماردينلي يقدم عروضاً كوميدية لكنه كان قد شارف على القنوط والتخلي عن ذلك عندما عاد حمصي من رحلة عمل في دبي حيث اشتغل بمجال المبيعات وتعلق هناك بعروض كوميديا الارتجال خلال ورشة قدمها نجم الكوميديا الإماراتي الأسطوري علي السيد.

وهكذا أطلق الثنائي نادي ستيريا ليكون متنفساً لهما وللجمهور المتعطش للدعابة والنكتة في بلد خنقته الحرب والعقوبات. يتألف اسم النادي (ستيريا) من خليط يجمع بين كلمتين وهما: سوريا وهستيريا للتعبير عن حالة تلخص وضع كوميديا الارتجال في البلد، ويعلق على ذلك ماردينلي بقوله: "كنا نعيش مرحلة هستيرية في سوريا، ولهذا فنحن بحاجة لضحك هستيري، لا طبيعي".

في بداية الأمر، كانت المادة التي يقدمانها تناسب العائلة إلى حد كبير، مع إدخال بعض العبارات السياسية اللاذعة ولكن بصيغ رمزية بين الفينة والأخرى. أي أن الخطوط الحمر كانت واضحة: أي نكتة عن الرئيس أو عائلته أو الجيش أو فروع المخابرات سيئة الصيت كانت ممنوعة.

بل حتى السخرية بشكل بسيط من تلك الأمور كانت تعرض صاحبها للخطر، إذ إن نكتة محمودة عن الفرق بين المدارس الخاصة والعامة ظهرت عقب قضية أثارتها وزارة التربية والتعليم، جعلت من حمصي "مطلوباً" لمدة شهرين، كما تعرض هذا النجم الكوميدي لمواجهات أخرى مع قوات الأمن، إذ خضع في إحدى المرات للتعذيب عند اعتقاله.

ويحدثنا عن ذلك وهو يتذكر ما جرى له مقطب الجبين فيقول: "حافظت على صحتي العقلية من خلال النكات".

فمن أكثر نكاته السوداء قتامة عن فترة الحبس هنالك تلك النكتة التي تتحدث عن ملكين أتياه ليطرحا عليه الأسئلة التي تطرح عن المسلمين وإيمانهم بالآخرة، وأولها: "من ربك"، لكنه عند أجاب: "الله" فتعرض للضرب من جديد، عندئذ صرخ به الملكان ليجيب: "بشار الأسد"، ثم شتماه، والنكتة هنا هي أنه لم يكن في حالة احتضار، بل كان يخضع للتعذيب.

وهكذا، وابتداء بالتدرب في إحدى الحدائق على الارتجال وصولاً إلى الظهور أمام الناس في حفلات ارتجالية مفتوحة بلا أجر، تطورت تلك المجموعة لتضم شبكة متنوعة تضم نحو عشرين نجماً كوميدياً، أقاموا ورشات في الحانات، كما استقطبوا جمهوراً مخلصاً لهم صار يحضر عروضهم الساهرة كل جمعة في مقهى الكرمة.

يحدثنا شريف عن بداياتهم أيام نظام الأسد البائد فيقول: "كنت أعود مرعوباً كل يوم، لأننا كنا نقدم فناً من خلال حرية التعبير في بلد لا يُسمح للمرء فيه بالكلام".

إلا أن سقوط الأسد في 8 كانون الأول من عام 2025 غير ذلك البلد كما غير العروض الكوميدية في سوريا أيضاً، إذ توسعت نشاطاتها لتشمل منطقة المحرمات: السياسة والدين والجنس وتعاطي المخدرات والصور النمطية الطائفية، وأخذت تلك العروض تستكشف الحدود الجديدة في عاصمة شهدت انهياراً للسمات الديموغرافية.

 

في إحدى الليالي الربيعية، شارك هذان الشابان خشبة المسرح مع زميلين كوميديين تنافسا معهما على إضفاء لمسة من الطرافة على النكات، وهما الكوميديان السوري-الفلسطيني عمر جايب الشيعي من أم درزية، وآية إبراهيم التي تعتبر أول سورية تقدم عروضاً ارتجالية كوميدية تطلق من خلالها نكاتاً جريئة عن محادثاتها الليلية مع صديقها تشات جي بي تي.

نجمة الستاند آب كوميدي السورية آية إبراهيم في ستيريا

تاريخ الصورة 8 حزيران 2025

 

وبما أن نادي ستيريا قدم أكثر من ستين عرضاً قبل سقوط النظام، لذا فإنه يسعى اليوم لافتتاح مسرح مخصص للكوميديا فحسب، يتسم بالتنوع وجرأة الفنانين، والحرية التي اكتشفها الجمهور مؤخراً، كما يأمل هؤلاء إلى إرساء نموذج عمل دائم في هذا المضمار.

بالنسبة لأغلب الحضور، فإن القشابة عنصر من عناصر الجذب بنظرهم، إذ يقول حنا وهو طالب مدرسة عمره 17 عاماً جلس في الصف الخلفي ليحضر لأول مرة في حياته عرضاً لكوميديا ارتجالية: "إن هؤلاء الشباب رائعون وبغاية العفوية كما أنهم مضحكون جداً، ثم إن العرض بمجمله عظيم، فلقد أتيت إلى هنا بمحض الصدفة، بعد أن رأيت الإعلان على الباب".

في حين أعرب آخرون عن تحفظهم، ومن بينهم هدى وهي ربة منزل محجبة، إذ أخبرتنا بأنها استمتعت بالعرض قليلاً، وأضافت: "إنه عرض جيد لكنهم تفوهوا بكلمات قبيحة كثيرة، ولقد حضرنا برفقة أولادنا الصغار، لذا فإن هذا لا يناسبنا، بل حتى عندما تحضر من دون أولادك، لا حاجة لكل تلك الشتائم حتى تضحك الناس".

التعلم والتعليم من خلال الضحك

تعلم مقدمو تلك العروض الكوميدية كيف يبحثون عن مواضيع ضمن هذا المشهد الجديد ليتعاملوا معه بما يناسبه، وذلك لأن النكتة التي انتشرت بشكل كبير عن الأسلوب المحافظ لحياة المقاتلين الذين قدموا من ريف إدلب، أي تلك المنطقة التي كانت نقطة انطلاق الرئيس أحمد الشرع في صعوده إلى السلطة، تسببت لهم بمضايقات عبر الإنترنت ومكالمات حملت تهديدات مريعة.

من أحد المقاهي العصرية، يحدثنا ماردينلي عن ذلك فيقول: "بوسعنا أن نقول ما نريد ولكن الجميع اليوم حساس للغاية، ولا أحد يستوعب بأن كل نكتة خلفها ضحية".

ويوافقه شريف الرأي فيقول: "إن المشكلة اليوم ليست بالحكومة، بل بالناس، فقد خرجت إلى السطح الآن بعد مرور أربعة عشر عاماً على الحرب كل الآثار الجانبية للوضع النفسي الذي عاشه الناس خلال الحرب، ولهذا لم يعد أحد يتقبل غيره، واختفى الحب من قلوب الناس، وحل محل كل ذلك صراعات كثيرة على السلطة".

بينما كان هؤلاء الأصدقاء يحتسون القهوة، سمعوا صوت الأذان يصدح من مكبر للصوت خاص بإحدى سيارات النقل الصغيرة، وهذا الصوت نادراً ما يسمع في هذه الناحية الأكثر ليبرالية وانفتاحاً في العاصمة السورية، فيعلق على ذلك ماردينلي ويقول: "إنه أشبه بالنكزة على فيس بوك"، إذ أصبح انتشار الأذان في الحي ذي الغالبية المسيحية الذي يقطنه مصدر إزعاج بالنسبة له.

يتحدث حمصي وماردينلي عن التشافي من جراح الحرب التي ألبت السوريين على بعضهم وحرمت الشباب من الحلم بالمستقبل، فيقول حمصي: "أريد أن أخبر العالم بأسره بما حدث لنا، لأن ذلك سيساعد العالم على تسريع عملية التواصل معنا من جديد عبر الضحك".

فيما عبر ماردينلي عن ذلك بشكل أبسط عندما قال: "نريد أن نترك بصمة".

يرى هذا الثنائي بأن فريقهما ما هو إلا وريث شرعي لتقليد الحكواتي في المقاهي الشعبية، كما يعتبرون أنفسهم رواداً في مجال الكوميديا الارتجالية المعاصرة الموجهة للجمهور العربي، فقد استلهموا الأسلوب الإنكليزي في التخطيط لكتابة دليل موثوق بعنوان: كيف تصبح كوميدياناً أمام جمهور عربي.

ماتزال نكات هذه المجموعة تلقى استحسان الناس، إذ يقول الصحفي الخطيب عنهم: "يحاول هؤلاء الشبان نقل الواقع بشيء من السخرية التي تضحك الناس، أي أنهم يقدمون نقداً اجتماعياً مغلفاً بشيء هزلي، وتلك مساع حميدة حقاً، وتحتاج إلى جرأة كبيرة".

 

المصدر: The Christian Science Monitor