"صحافة الصبيان".. محاولة شبابية تستحق الوقوف عندها

"صحافة الصبيان".. محاولة شبابية تستحق الوقوف عندها

الصورة
02 أيلول 2018

تستحق التجارب الكتابية الشابة المنبثقة عن الثورة التوقف عندها ملياً، لأنها أولى محاولات أصحابها في المجال الكتابي، والأهم من ذلك لأنها وثائق حية للتاريخ عن فترة قاسية ومريرة عاشها السوريون، ويُراد لها الآن أن تُمحى، ويُبيض سجل القاتل برعاية روسية وتخاذل دولي- إن لم يكن تواطؤاً- كي يعاد تعويمه دولياً.

أصعب المهن في أصعب الأماكن

"صحافة الصبيان" هو الكتاب الذي صدر مؤخراً عن معهد الجزيرة للإعلام للناشطة الإعلامية سمارة القوتلي، التي عملت منذ عام 2015 كمراسلة لقناة الجزيرة في الغوطة الشرقية، ويسرد الكتاب تجربة الناشطة التي استطاعت أن تترك صحافة الصبيان الهواة، وتدخل معترك الصحافة المهنية. حظي الكتاب بتغطية إعلامية كبيرة من القناة، يستحقها- برأيي- لسببين، كون الكاتبة أنثى استطاعت أن تخوض غمار أصعب المهن في أخطر الأماكن وأحلك الظروف، فضلاً عن بيئة يتسيّدها الذكور، والسبب الثاني هو أن الكتاب يوثق فيما يوثق بعضاً من سنوات الحصار المرير الذي عاشته الغوطة الشرقية، إذْ أراد النظام للناس أن يموتوا جوعاً، ضمن شعار رفعه من أول يوم لحصار الغوطة، " الجوع أو الركوع"، ومن لم يركع ولم يمت من الجوع كان له القصف، ومن نجا من هذه وتلك، سيموت خنقاً باستنشاق الغاز الكيماوي، الذي ألقاه النظام على الغوطة في مثل هذه الأيام قبل خمس سنوات.

سرد ذاتي وموضوعي

بين السرد الذاتي والموضوعي يمشي الكتاب، ويختلط علينا الأمر أحياناً بين الاثنين، فتحكي لنا الكاتبة قصتها مع الكاميرا، وشجونها مع القهوة التي كانت تشتهيها أثناء حصار النظام للغوطة، وكيف كانوا يصنعونها من الحبوب، وعن الجوع الذي عض الناس هناك ومنهم الكاتبة التي لم تعد تستطيع في بعض الأحيان العمل نتيجة خلوّ المائدة من الطعام الذي يحوي عناصر غذائية تقيم أَوَدَ الجسم. في ظل الومضات الأربع التي قسمت الكاتبة كتابها إليها ضعنا أحياناً أثناء السرد، فرغم أن فداء الشامي قد مات في الومضة السابقة، ولكنه مازال يدور الحديث عنه في ومضة لاحقة.

عالَمٌ يتعامى

تسرد سمارة القوتلي- اسم حركي ارتأته لنفسها- تجربتها منذ بداية الثورة حيث كانت تعمل في التمريض وتوثق بعدسة جوالها الإصابات، ثم شيئاً فشيئاً تركت التمريض وبدأت العمل مع الكاميرا، وتتحدث عن البدايات في هذا المجال مع فداء الشامي وبراء البوشي، وهما صحفيان تخرجا في كلية الإعلام بجامعة دمشق، والاثنان ضحيا بروحيهما على مذبح الحرية، ومن أجل نقل صورة ما يجري في سوريا إلى العالم، كي يتحرك منقذاً، ولكنه رأى كل شيء " وعمل نفسه ميت".

نزل عليها صاروخ

تتكلم القوتلي على تبلد مشاعر المشاهدين لكثرة ما رأوا من القتل في سوريا، حتى بات القتلى مجرد رقم يتم قراءته على الشاشات، وعن أهم لحظة في عملها الصحفي، وهي التي اشتهرت من خلالها، حيث رمت طائرات النظام براميلها على المكان ذاته الذي كانت سمارة موجودة فيه أثناء استهدافها لسوق يسمى سوق الغنم بدوما، حتى بات الناس يقولون لها: أنت التي نزل عليها الصاروخ على الهواء مباشرة، "أوشك تقريري أن يكون مقتضبًا، عاديًا كأي صورة تحت القصف لو لم تَجُد الطائرات علينا بحمم متتابعة تزيد الصورة حمرة وتفحمًا. أخبرني شابٌ مصريٌ لا يتابع تداعيات الوضع الميداني على الساحة السورية بأنه سرح من خلالي في صور فتيات كثيرات راعشات، قبل أن يشاهد فيَّ صحفية ترتدي درعًا. يقول إن ذلك هو الشيء الوحيد الذي أثر في نفسه من بين كل ما رآه من مشاهد دموية في سوريا. ربما ترك ذلك أثراً لدى معظم المشاهدين الذين شاهدوني لحظة تقليبهم المحطات التلفزيونية وقت الإعلان".

إشباع عين المشاهد!

سرقة اللحظة هي أهم شيء في العمل الصحفي، وما لم توثقه الكاميرا يصبح صعباً الحديث عنه، لذلك بات لزاماً عليهم مقارعة الوقت تحت وابل القصف وجوع البطن، من أجل توثيق اللحظة، التي كان النظام ينكرها ويدعي أنها مفبركة من صنع قناة الجزيرة، "إذا تخلفنا عن الركض وراء المسعفين ستخلو ساحات الدم من معالمها وتغدو خطرة بلا فائدة. وقتها يترتب علينا أن نلاحق الجرحى هرولة من مستشفى إلى آخر. كل ذلك من أجل أن أجد نقطة طبية مزدحمة بالجرحى تشبع عين مشاهدي الجالس بوقار".

تلميع الشيخ

الولاء مقابل الحماية، يصح هذا الكلام في كل المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، فكل فصيل يقدم لك شيئاً يريد مقابله شيئاً آخر، ألا وهو الترويج له وتلميعه إعلامياً، وهو ما جرى مع سمارة حيث طلبت إحدى الفصائل التي كانت مسيطرة في الغوطة أن يتركوها تعمل دون معوقات، ومذكرات اعتقال، بشرط أن يشرفوا هم على إنتاج التقارير، ويصوغوها هم بحيث يكون شيخهم دائماً مبرّزاً فيها!. " كانت أشواقي إلى خط النار مضاعفة، ربّما لأنّني ما زلت أكتشف الحكايات الغريبة.. كمراهقة تعيش العشق أول مرة على أرض الصبيان".

خطوة جريئة

الملحمة السورية التي بات اليوم يُراد لها دولياً أن تصبح طي النسيان، أكثر ما تحتاج إليه هو التوثيق، فتحت كل حجر على الأراضي السورية، قصة قهر، أو تنكيب أو تيتم أو تشرد، ورغم أن الكتاب يمكن إدراجه بشكل أو بآخر ضمن كتب السير الذاتية، فإنه يحوي كثيراً من هذه القصص، التي تكتب فصولها بمداد الدمع في بعض الأحيان، وبالدم في أخرى.

هي خطوة جريئة وجميلة ومهمة أن تقدم مواطنة صحفية شابة على كتابة تجربتها، لاسيما أن هذه المحاولة هي الأولى في مجال الكتابة، ولا تحتاج -برأيي – إلا إلى قليل من الصقل والتوجيه.

شارك برأيك