صباح الخير؟

تاريخ النشر: 29.05.2018 | 01:05 دمشق

تختلف المضامين الدلالية لهذه العبارة باختلاف المواقف، وكذلك باختلاف الشخص الذي ترمي عليه تحيتك، فأحياناً تكون عبارتك مُفعمة بالود، وأحياناً تقولها بدافع الواجب، وفي أحيان خاصة تقولها كمبادرة حسن نيّة تجاه الآخر، وربما في مواقف نادرة تقولها درءاً لشرٍّ مُتوقَّع من طرف ما، امتثالاً للآية الكريمة (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌّ حميم).

وعلى أية حال فإن مجمل السياقات الثقافية لهذه العبارة لا تنطوي سوى على مضمون إيجابي لها، باستثناء الأماكن أو البقع الجغرافية التي تقع خارج السياق الإنساني للبشرية، ولا شك أن إحدى هذه البقع هو سجن تدمر العسكري، الذي يصبح داخله كل شيء مختلفاً، الطعام والشراب والنوم وقضاء الحاجة والتفكير، أما الكلام – كوسيلة تفاهم بين الأشخاص – فإنه ينتمي – في سجن تدمر – إلى قاموس خاص، تختلف دلالاته عن الكلام الذي يستخدمه الناس خارج السجن، إلى درجةٍ إنْ تلفّظ أحد السجناء سهواً أو عمداً بكلمات ليست من معجم السجن يضحك منه زملاؤه قائلين له : ( شو... عم تحكي متل الناس اللي برّا ).

كنتُ حريصاً جداً – كبقية زملائي السجناء – طيلة مكوثي في سجن تدمر، على ألّا أرتكب (خطأً أو مخالفةً) تجلب لي وجبة تعذيب إضافية على هامش وجبات التعذيب المعتادة، كأنْ أرفع رأسي إلى الأعلى مثلاً، أو أنظر إلى السجان، أو أتقلّب أو أُصدر شخيراً أثناء النوم، أو أذهب إلى دورة المياه بعد السادسة مساء، أو أغطّي رأسي أثناء النوم من شدة البرد، أو أجلس أثناء نوبة الحراسة، أو أتحدث مع زميل لي بصوت مرتفع .... إلخ، ولكن على الرغم من كل هذا الحرص فقد وقع المحظور، ولا أدري كيف قادتني(سذاجتي) إلى الوقوع بهفوة كادت أن تودي بحياتي.

في الثلث الأول من شهر أيلول 1996 ، وفي المهجع رقم(24 ) في الباحة الرابعة، كان رئيس المهجع (صاحب المهمة الأصعب وحامل العبء الأثقل) واقفاً بملاصقة الباب من الداخل، أدار وجهه تجاه السجناء، وبعد لحظات أومأ لي بيده، فذهبت إليه على الفور، قال بصوت خافت: (حسن، الحقني دخيلك، رجلاي ما عادت تحملني، أشعر بانهيار كامل، بدي منك توقف عني ساعة واحدة فقط لعلي أرتاح شوي)، كانت حرارة الرجل مرتفعة جداً، وأحسست أن أنفاسه بدأت تتسارع، قلت له لا عليك، استجبت لطلبه ليس بدافع الرغبة، لكن بدافع الشعور بالواجب، فبالتالي هو إنسان يحرص – مثلنا – على البقاء، وليس موجوداً بيننا لاستهلاك جسده وأعصابه.

كان عليَّ أن أكون ملاصقاً لباب المهجع، مُصغياً بأذني بدقّة نحو فتحة صغيرة بالباب (الشراقة) تحسّباً لأي سؤال أو أمر أتلقّاه من (حضرة الرقيب). ما إن اقتربت الساعة من العاشرة صباحاً، حتى سمعت صوت (حضرة الرقيب) ينادي من بعد أمتار:( أربع وعشرين ولاه) قلت بصوت مرتفع: (أمرك حضرة الرقيب)، قال عبارة لم أفهم سوى الجزء الثاني منها وهو (الخير) ثم سكت ينتظر مني الجواب، لا أدري حتى الآن كيف خرجت عبارة من فمي، وبطريقة لاواعية على الإطلاق: (صباح الخير حضرة الرقيب)، ظناً أو توهّماً مني بأنه قال لي صباح الخير. يبدو أن الرجل ذهل من جوابي ولم يعد يجد المفردات المناسبة للرد، فجميع الشتائم المقذعة التي بحوزته لم تعد تفي بالرد على هذه المخالفة التي ترقى – باعتقاده – إلى مستوى الجريمة، وبعد معزوفة الشتائم مشى حضرة الرقيب بعد أن قال لي:( أنت معلّم ولاه ابن ال..... حسابك بكرة الصبح). بعد أن مشى الرقيب، لا أذكر سوى أنني نظرت باستغراب إلى بقية السجناء وكأني أسألهم كيف وقعتُ في هذه الورطة القاتلة؟ وبدأ عدّاد الخوف بالارتفاع عندي، انتظار العقوبة أصعب من العقوبة ذاتها، وهذه المسألة يدركها السجناء التدمريون جيداً، فضلاً عن أن الجهل بطبيعة العقوبة المُنتظرة أو نوعيتها يزيد نسبة الخوف ارتفاعاً. انهال عليّ رئيس المهجع باللوم على هذه الغلطة: (الرقيب كان عم يسألك عن واحد اسمه صلاح الخير، بدو يعرف هالاسم موجود عندك بالمهجع أم لا، يمكن جايتو زيارة، وأنت عم تقللو صباح الخير، شو أنت مجنون، والله ما حدا سواها غيرك، كان المفروض تقللو موجود أو غير موجود وبس). منذ ظهيرة ذلك اليوم وحتى صباح اليوم التالي لم أنم بفعل تناوب ارتفاع وانخفاض درجات الخوف مُنتظراً العقوبة. زملائي السجناء كانوا يتناوبون على تخفيف حدّة الخوف لديّ من خلال بعض العبارات التي تبعث الطمأنينة (لا تخاف – شد حيلك – إن شاء الله خفيفة – رأسمالها كم كرباج وصلى الله وبارك ....إلخ)، ولكني من جهة أخرى كنت أراقب بعض أحاديثهم عن بعد، وأدقق بحركة شفاههم علّي أعلم ماذا يقولون. قبل غروب شمس ذاك النهار، وفي إحدى زوايا المهجع سمعت اثنين من السجناء يتندّران دون علم بوجودي قريب منهما، يقول أحدهما للآخر: (قال صباح الخير قال، مفكّر حالو أستاز مدرسة وعم يسلم على زملاؤو عند الصبح، في حدا يقول للرقيب صباح الخير بتدمر، والله ما حدا يسويها إلا الأهبل).

في التاسعة تقريباً من صباح اليوم التالي، فُتح باب المهجع لإدخال الطعام، صاح الرقيب بصوت عالٍ: (المعلَّم يطلع، هو بيعرف حالو)، خرجت منَكّس الرأس حافي القدمين كالعادة، قال :( انبطح وارفع إجريك لفوق) ففعلت بسرعة، أثناء انهيال الكرابيج على قدميّ الاثنتين كانت تسكنني أمنية واحدة فقط، هي أن يكتفي الرقيب بعقوبة الكرباج فقط. وبعد أن ارتفع لهاثه من التعب صاح بي: (واقفاً) فوقفت على الفور من شدة الخوف، ثم أردف: (دخول على المهجع).

شعوري بالألم الشديد كانت تنسيني إياه فرحتي بالاكتفاء بعقوبة الكرباج فقط، يتبعها عبارات المواساة من الزملاء (الحمد لله على السلامة – أجر وعافية إن شاء الله).

تشاء الأقدار أن أغادر سجن تدمر بتاريخ 11 – 8 – 2001 مع بقية السجناء، بقرار من بشار الأسد بعد موت أبيه إلى سجن صيدنايا، وقد كانت المعاملة فيه آنداك جيدة قياساً إلى سجن تدمر، وفي اليوم الثاني من مكوثنا في سجن صيدنايا، جاء السجان باكراً ليجري عملية التفقد، فوجدني وحدي مستيقظاً والبقية مازالوا نياماً، قال لي: صباح الخير، فلم يطاوعني لساني على الرد، وتظاهرت بعدم سماعي لما قال، فصاح بصوت عالٍ: ( عم نقلك صباح الخير شو ما عم تسمع)، فقلت له: صب ا ح الخ ييي ر.