icon
التغطية الحية

صائدو الكنوز ينتشرون في المواقع الأثرية.. نهب ممنهج يهدد تراث سوريا

2025.05.12 | 13:46 دمشق

آخر تحديث: 2025.05.12 | 15:36 دمشق

43
يعمل صائد كنوز بمعول على تل أثري في ريف محافظة درعا - (Leon McCarron)
 تلفزيون سوريا ـ إسطنبول
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تفاقمت عمليات نهب المواقع الأثرية في سوريا بسبب الفراغ الأمني والأوضاع المعيشية الصعبة، مما دفع العديد من السوريين إلى التنقيب العشوائي عن الكنوز، مهددين التراث الثقافي للبلاد.
- معظم المنقبين ليسوا مجرمين بل أشخاص دفعهم اليأس للبحث عن الذهب، حيث يحذر علماء الآثار من أن التنقيب العشوائي يدمّر الطبقات الأثرية الدقيقة، مع غياب المحاكم وصعوبة فرض السيطرة الأمنية.
- انتعشت تجارة أجهزة التنقيب مثل أجهزة كشف المعادن، وتُخزّن آلاف القطع المستعادة في المتحف الوطني بدمشق، مع التأكيد على أهمية إشراك المجتمع المحلي في حماية التراث.

تفاقمت عمليات نهب المواقع الأثرية في سوريا خلال الفترة الماضية، في ظل فراغ أمني وأوضاع معيشية خانقة، ما دفع آلاف السوريين إلى التنقيب العشوائي عن الكنوز من أجل البقاء، في واحدة من أوسع موجات التدمير الثقافي في تاريخ البلاد الحديث.

بدأت الحكاية فوق صخرة بازلتية قرب محطة متهدمة من سكة حديد الحجاز، حيث قاد "أبو علي"، وهو صائد كنوز في الستينيات من عمره، مجموعة من الشبان لتفتيش الأرض بناءً على إشارات يزعم أنها تعود لجنود عثمانيين.
وقال إنهم تركوا رموزاً على الصخور وأخفوا الذهب قربها قبل انسحابهم من سوريا. لم يجد أبو علي شيئاً، لكنه يحتفظ بخريطة أرسلها إليه وسيط عبر "واتساب" من إسطنبول، عارضاً عليه تقسيم الكنز إن تم فكّها.

ينهشون المواقع العثمانية والرومانية أملاً في ثروة

من بصرى إلى محطات الحجاز القديمة، وثّق معدّ التحقيق الذي نشرته مجلة "نيو لاينز" وجود حفر حديثة في كل موقع زاره. في شوارع بصرى ذات الأعمدة، كان أب وابنه ينبشان الأرض بحثاً عن عملات معدنية، في حين تعرّضت أرضيات محطات السكك الحديدية للجرف والتخريب.

أكد همام سعد، مدير الحفريات في المديرية العامة للآثار والمتاحف، أن أعمال الحفر تجري "ليلاً ونهاراً"، محذّراً من أن سوريا تمرّ بإحدى أخطر المراحل في تاريخها من ناحية تدمير التراث. فالبلد الذي يضم آلاف المواقع الأثرية، بينها ستة مدرجة على قائمة اليونسكو، يشهد موجة غير مسبوقة من النهب العشوائي.

في "المدن الميتة" بإدلب وحلب، دُمّرت الكنائس والقبور خلال الحرب، ليأتي جيل جديد من الباحثين عن الكنوز ويستكمل عمليات التنقيب الممنهجة.

54

زار معدّ التقرير موقع "إيبلا" قرب حلب، ولاحظ آثار عشرات الحفر والجرافات رغم أن الموقع يعود لإحدى أقدم الممالك السورية المعروفة. وفي محافظتي درعا والسويداء، تنتشر مشاهد رجال يحفرون بالمجارف تحت أنظار السكان، من دون تدخل يُذكر.

تنهب المقابر وتُهدر الكنوز بأساليب بدائية

يشير الباحث عمرو العظم إلى أن معظم هؤلاء ليسوا مجرمين بل "ناهبو كفاف" دفعهم اليأس للبحث عن الذهب. قال أحدهم: "نفعل هذا لأننا بلا عمل"، في حين أكد آخر استعداده للتوقف لو وجد وظيفة بديلة.

يحذّر علماء آثار من أن التنقيب العشوائي يدمّر طبقات أثرية دقيقة في غضون ساعات. ففي حين ينقب المختصون بدقة وبشكل أفقي، يحفر الباحثون عن الكنوز بعنف وعمودياً، ما يؤدي إلى محو أدلة لا تُقدّر بثمن.

زار معدّ التقرير مواقع على الساحل السوري مثل عمريت، حيث تحوّلت المقابر الرومانية إلى ساحات مفتوحة للنهب. وعلى بعد أمتار من البحر، كانت الأرض مغطاة بآلاف الشظايا الفخارية، وآثار الجرافات واضحة تحت قدميه.

ورغم اعتقال محمد شيبان، مسؤول شرطة الآثار في طرطوس، لعشرات المنقّبين، فإن غياب المحاكم العاملة وصعوبة فرض السيطرة الأمنية يجعلان من القانون حبراً على ورق، رغم أن المرسوم رقم 222 يجرّم التنقيب ويعاقب عليه بالسجن.

أعادت عصابات تهريب الآثار تنظيم نفسها، مستفيدة من الخبرة التي اكتسبتها تحت تنظيم "داعش"، وفضّل أفرادها العمل ليلاً أو في أماكن نائية، تجنباً للملاحقة.

وفي درعا، التقى معدّ التحقيق رجلاً يُلقّب بـ"الرئيس"، يقود شبكة من 60 منقّباً، يستخدمون أدوات دقيقة ويعملون وفق خطط واضحة. عرض الرجل على الصحفي مقاطع لقطع نقدية وفسيفساء عثر عليها، مؤكداً أن جزءاً كبيراً من تجارته يبدأ على "فيس بوك" و"تيك توك".

انتعاش تجارة الأجهزة وتراجع الملاحقة القانونية

في دمشق، افتُتح متجر علني لبيع أجهزة كشف المعادن والرادارات المخترقة للأرض. قال صاحبه إنه عاد من دبي بعد سقوط النظام، وافتتح المتجر بسهولة، مؤكداً أن الطلب متزايد والمبيعات مزدهرة.

عرض أحد تجار التحف مرآة رومانية مقابل خمسة آلاف دولار، مع إمكانية إيصالها إلى بيروت في اليوم نفسه. ورغم شكوك خبراء في أصالتها، إلا أن التجارة مستمرة في ظل غياب الملاحقة القانونية.

65

أوضح أنس الحاج زيدان، المدير الجديد للآثار، أنه بدأ بإعداد خريطة رقمية لحصر حالة المواقع الأثرية، إلى جانب خطط للتجهيز والتدريب، مشدداً على أن نجاح هذه الجهود مرهون بدعم الحكومة.

من جهته، قال مأمون عبد الكريم إن إشراك المجتمع المحلي هو الخطوة الأولى لحماية التراث، مشيراً إلى أن السوريين يشعرون بالفخر بالعيش قرب المواقع التاريخية، ويحتاجون فقط إلى من يذكّرهم بمسؤوليتهم في حماية ذاكرة البلاد.

كنوز تعود إلى الأرض.. ولكن في صناديق حديدية

في أقبية المتحف الوطني بدمشق، تُخزّن آلاف القطع المستعادة من عمليات النهب داخل صناديق ذخيرة روسية. بعضها نُهب على يد "داعش" وأُعيد لاحقاً، بانتظار لحظة استقرار تسمح بعرضها مجدداً.

ورغم الدمار الهائل، لا يزال الأمل قائماً. في محطة "جباب" قرب درعا، يعيش مزارع داخل مبنى عثماني قديم. قال: "هذا المكان جزء من جسدي.. لماذا نمرّ بكل هذا فقط لندمّر البلاد بأيدينا؟".