شَكْل الحكومة العراقيّة المقبلة!

تاريخ النشر: 27.01.2022 | 05:03 دمشق

هنالك العديد من التعريفات للديمقراطيّة في الأدبيات السياسيّة، والتي يقصد بها، ببساطة، حكم الشعب (عبر المجالس البرلمانيّة، أو البلديّة) أو حكم الأغلبيّة، أو الفائزين في الانتخابات!

وبموجب تطبيق الديمقراطيّة على أرض الواقع يمكن القول إنّ هنالك العديد من أشْكال الديمقراطيّات، ومنها الديمقراطيّات الحقيقيّة والواضحة والعمليّة والمتحرّكة والنقيّة والسلميّة والإيجابيّة، ويقابلها الديمقراطيّات المزيّفة والغامضة والمعطّلة والجامدة والملوّثة والدمويّة والسلبيّة، وقد أثبتت التجارب التاريخيّة أنّ غالبيّة ديمقراطيّات الشرق الأوسط سلبيّة أو وهميّة!

وقد كتب العالم السياسيّ الأميركيّ (الهولنديّ الأصل) آرنت ليبهارت عن (الديمقراطيّة التوافقيّة في مجتمع متعدّد)، وبأنّها نموذج من نماذج المحاولات السياسيّة لمعالجة الأزمات في الديمقراطيّات المتعدّدة.

والديمقراطيّة التوافقيّة لا تتّفق مع الديمقراطيّة التمثيليّة القائمة على التنافس وعدد المقاعد البرلمانيّة ومدى قوى وجدّيّة مشاريع الفائزين.

وبحسب (ليبهارت) فإنّ المجتمع التعدّدي هو: "المجتمع المجزأ بفعل الانقسامات الدينيّة أو الأيديولوجيّة أو اللغويّة أو الثقافيّة أو العرقيّة، والذي تنتظم بداخله الأحزاب السياسيّة، ومجموع المصالح، ووسائل الإعلام"، وهذا ما ينطبق بدرجة كبيرة على المجتمع العراقيّ.

والتجربة الديمقراطيّة في العراق لم تسر في يوم من الأيّام على سكّة الديمقراطيّة الصحيحة منذ تأسيس الدولة العراقيّة في عشرينيات القرن الماضي وحتّى اليوم!

ومنذ أن انتهت الانتخابات البرلمانيّة في العاشر من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2021 والكيانات السياسات تتصارع حول منصب رئيس الحكومة المقبلة، والذي صار بموجب العرف السياسيّ، وخلافا للدستور، من حصّة (شيعة) العراق، مثلما صارت رئاسة البرلمان من نصيب (السنّة)، ورئاسة الجمهوريّة من حظّ (الكرد).

ومنذ أن حصد مقتدى الصدر، زعيم التيّار الصدريّ، ما يقارب من 30% من المقاعد البرلمانيّة على مستوى مقاعد (الشيعة، والسنّة) والكرد (73 مقعدا)، ونحن نسمع بتصريحات وتغريدات صدريّة شبه يوميّة حول عزمه تشكيل حكومة أغلبيّة وطنيّة!

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما هو شَكْل الحكومة العراقيّة المقبلة من حيث أطرافها، وهل ستكون، فعلا، حكومة أغلبيّة وطنيّة أم حكومة توافقيّة؟

لقد أفرزت مرحلة ما بعد الانتخابات تناحرا واضحا حول شَكْل الحكومة القادمة، وبدت بوادر التناحر بين التيار الصدريّ من جهة والإطار التنسيقيّ (الشيعيّ) برئاسة زعيم دولة القانون نوري المالكي، والمطالب بحكومة توافقيّة في الطرف المقابل.

والإطار التنسيقيّ كيان جديد (غير رسميّ) يترأّسه رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وقد التأم بعد الانتخابات البرلمانيّة الماضية ويضمّ العديد من الكيانات (الشيعيّة) الفاعلة، ومنها تحالف قوى الدولة، وتحالف الفتح، وكتائب حزب الله العراقيّ، وحركة عطاء، وحزب الفضيلة.

وأظهرت مجريات المباحثات خلال الأشهر الثلاثة الماضية حجم وحدة الخلافات بين القوى (الشيعيّة) المتصارعة على منصب رئاسة الحكومة، حيث يصرّ الصدر على أن يكون اختيار الحكومة المقبلة ورئيسها بيده (أو بموافقته) باعتباره الكتلة الأكبر بينما يعترض الإطار التنسيقي على ذلك! 

ويهدف الإطار التنسيقيّ لضمان حصّته في الحكومة المقبلة، وذلك لأنّهم متخوفون من احتماليّة تفرد الصدر بالقرارات، وبالذات القضائيّة والعسكريّة منها، وتوجيه ضربة (قضائيّة أو عسكريّة) لهم، ولهذا فهم حريصون بقوّة على إقناع الصدر بالذهاب لحكومة توافقيّة تضمّ جميع القوى (الشيعيّة) الفاعلة لتضمن لنفسها الحصانة القانونيّة، والبقاء ضمن موجة الفواعل الكبرى في البلاد!

إنّ محاولات الإطار التنسيقيّ (الشيعيّ) تهدف للقفز على نتائج الانتخابات، ومحاولات إشراك أصحاب المقاعد الأقلّ مع أصحاب الأكثريّة نوع من الالتفاف على الديمقراطيّة، ولو كانت (القضيّة) أو (الممارسة السياسيّة) توافقيّة فما هي جدوى إجراء الانتخابات أصلا وكان يمكن الاكتفاء بتوزيع المناصب والوزراء بحفلة عشاء وجلسة سمر، وكان الله يحب المحسنين؟

والآن هنالك تسريبات سياسيّة تؤكّد بأنّ إسماعيل قاآني قائد فيلق القدس الإيرانيّ أقنع الصدر بدخول جزء من الإطار التنسيقيّ في حكومته المقبلة، واستثناء المالكي لكنّ هذه الموافقة، إن تمّت، ستجهض كافّة شعارات الصدر (الوطنيّة) والتي حاول ترديدها منذ عدّة أشهر!

وقد أكّد الصدر هذا الاستثناء للمالكي في خطابه المتلفز ليلة الاثنين (24/1/2022)!

ورغم كلّ المحاولات الداخليّة والخارجيّة، وبالذات من طرف قاآني وغيره، والضاغطة من أجل ترميم البيت (الشيعيّ) ومحاولة عدم ترتيب حكومة غير مسيطر عليها من الشيعة فإنّ هذه المحاولات ربّما ستنجح لحدّ ما في لملمة بعض أركان وأوراق البيت (الشيعيّ) وليست جميعها!

ووسط هذه الأمواج السياسيّة الشديدة هنالك من يعتقد أنّ فوز محمد الحلبوسي، المرفوض من الإطار التنسيقيّ، للمرّة الثانية برئاسة البرلمان هو المحطّة الأولى من محطّات قطار حكومة الأغلبيّة الوطنيّة، وهي تأكيد لقدرة الصدر على فرض إرادته ومخطّطاته على الشيعة الآخرين الذين لا يقلّون مكانة عنه من حيث القدرات العسكريّة والبرلمانية، ومن بينهم (المالكي 33 مقعدا، وهادي العامري 17 مقعدا).

بعيدا عن شكل الحكومة القادمة ترى القوى القريبة من إيران أنّ العناد الصدريّ، إن استمرّ، فإنّه سيتسبّب في ضرب أساسات البيت (الشيعيّ) والتي قام عليها منذ العمليّة السياسيّة الأولى في العام 2005.

وهذه الفرضيّة يمكن الميل لها مع التطوّر الجديد الذي وقع الثلاثاء (25/1/2022) حيث ردّت المحكمة الاتّحاديّة دعوى عدم دستوريّة الجلسة البرلمانيّة الأولى، وبالتالي هذا تأكيد على بقاء الحلبوسي رئيسا للبرلمان، والمدعوم بقوّة من الصدر!

وبعد قرار القضاء العراقيّ الثلاثاء غرّد الصدر بعد أقلّ من ساعة وأكّد (نحن ماضون بتشكيل حكومة أغلبيّة وطنيّة وبابنا ما زال مفتوحا أمام من ما زلنا نحسن الظنّ بهم)!

وهذه ربّما إشارة إلى بقيّة أطراف الإطار التنسيقيّ عدا المالكي!

ويمكن لحكومة الأغلبيّة الصدريّة أن تقدّم الصدر كزعيم سياسيّ ودينيّ على حدّ سواء، ويمكن أن تجعله مرجعا لغالبيّة القوى السياسيّة الفاعلة.

وبعيدا عن شكل الحكومة القادمة ترى القوى القريبة من إيران أنّ العناد الصدريّ، إن استمرّ، فإنّه سيتسبّب في ضرب أساسات البيت (الشيعيّ) والتي قام عليها منذ العمليّة السياسيّة الأولى في العام 2005.

في كلّ الأحوال فإنّ الكرة الآن بملعب الصدر، وهو القادر على تنفيذ ضربة الجزاء الحاسمة، وبالذات بعد فشل المالكي في ترتيب تحالف جديد من الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ وبقيّة الفرقاء من المكوّنات الأخرى!

وأعتقد أنّ شكل الحكومة يعتمد على قرار الصدر من جهة وتوافق الأطراف القريبة منه من جهة أخرى، وهم تحالف (تقدّم وعزم) بزعامة خميس الخنجر والحلبوسي والديمقراطيّ الكردستانيّ بزعامة مسعود برزاني، وبهذا يمكن للصدر، إن توافق معهم، أن يحصد ثلثي المقاعد البرلمانيّة تقريبا، وحينها يمكنه تشكيل الحكومة بأريحيّة كبيرة، ولكن هل سيتوافق هؤلاء مع الصدر دون الحصول على ضمانات سياسيّة ومكاسب حقيقيّة؟

وهذا ما ستكشف عنه الأيّام القادمة، وبالذات مع عدم ضمان بقاء الصدر على موقفه الداعي لحكومة أغلبيّة وطنيّة!

ومع كلّ ما تقدّم أتصوّر أنّ التخوّف الأبرز يتمثّل في نقطة جوهريّة واحدة وهي:

هل سيثبت الصدر على موقفه ويشكل حكومة وحدة وطنيّة، أم أنّه سيتراجع في اللحظات الحاسمة؟

أكّدت التجارب الماضية أنّ الصدر تراجع في الغالبيّة العظمى من مواقفه السابقة في اللحظات الأخيرة!

وأظنّ أنّ مرحلة التصويت على منصب وشخصيّة رئيس الوزراء القادم، والتي ربّما ستكون خلال شهر من الآن، هي الفيصل حول شكل الحكومة المقبلة: وهل هي حكومة أغلبيّة وطنيّة، أم حكومة صدريّة شيعيّة؟

كلّ الاحتمالات واردة، والأيّام القادمة هي الحكم.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار