شهقةُ الكتابة

2021.07.02 | 07:34 دمشق

dmshq_alqdymt_-_bab_shrqy_2.jpg
+A
حجم الخط
-A

“كم طويل هو الطريقُ

 ليمهلني الموتُ قليلًا حتّى الوصول إلى قرطبة

 قرطبة البعيدة قرطبة الوحيدة”

بأغنية «الفارس»، لفيدريكو غارثيا لوركا، أبدأ.. وأقول: هل بات الطريق إلى دمشق أشبه بالوصول إلى قرطبة؟ من أين أبدأ، وقمرنا شاحب ومدمّى؟! وأسأل: لماذا نكتب؟ وهل نستطيع القول أنّ الحقيقة قبل 2011 غير ما بعدها؟ سؤال الكتابة، هو سؤال الوجود، سؤال الكينونة، سؤال الهويّة، سؤال الأنا، سواء كانت بلغة بصريّة، أو بلغة اللون، أو الصورة أو الكلمة. ولأنّنا نعيش لحظة الألم واليأس، فإنّنا نصرخ كما صرخ بطل رواية «باب الشمس»، من الأوّل… إنّها لحظة ألم.. تدعونا دائمًا لزمن ما بعد اليأس.. وإلّا ما جدوى أيّ شيء؟

 سنوات ونحن نرى ونسمع ونتابع، وندرك أنّ الثورة ليست فعلًا سياسيًّا فقط، إنّها تغيير في البنى الثقافيّة أوّلًا، بأن يتحوّل إلى حقيقة سياسيّة واجتماعيّة، إلّا إذا كان في العمق تغيير ثقافي. عشر سنوات، ونحن نرى تدمير حلم الربيع العربي، وتدمير فكرة الوطن والمواطن، حتّى صرنا نردّد: “تعالوا نناضل لكي نصبح مواطنين فقط”.

المرأة، الرجل:

ولأنّ المرأة والرجل يشتركان في ماهيّة الإنسان، فإنّ كلّ طرحٍ، يحصر المرأة في الفتنة وبأنّها عورة، يعني تغييب دورها، وتهميشها. ولأنّ الكتابة فعل حرّيّة، فإنّني أكتب، أكتب الحبّ في زمن الحرب، أكتب نصوص العزلة، متتابعات دمشق، فأيّ كتابة إعلان واعتراف وخطاب، وأعرف ضمنًا أنّني امرأة وُلدت في دمشق… وتشمّمت معنى عطرها… وعرفت أكثر أنّ المرأة إنسان حرّ وقوي ومتعدّد ومسؤول في واحد، لم أرَ في المحيط الذي نشأت فيه إلّا نساء لهنّ حضورهنّ، وجه جَدّتي الذي يمطر محبّةً وعطاءً وإحساسًا عاليًا بالذات، والتوق إلى البناء ومعرفة أنّ البيت وطن، ووجه أمي التي ربتنا وعملت من أجلنا لننجو من ليالي اليتم.. وجهي وأنا أركض من مدينة إلى أخرى للعمل في الصحافة وإعداد البرامج التلفزيونيّة، وكأنّني أقف على مسرح الحياة، أدرّب نفسي على النصّ، ففي مسرح الحياة نمضي إلى التدريبات، كي نضع ما اكتشفناه بالأمس موضع الاختبار، نقنع أنفسنا بأنّ المسرحيّة الحقيقيّة قد أفلتت منّا مرّة أخرى. وأسأل، وسط ركام من الغبار والخراب: هل يشكّل صوت المبدع صوت الجنون، وهل يُغنِّي وحده، يكتب لنفسه، ومتى كانت الكتابة ترفع جدارًا هدمَه المستبدّ ببراميله؟

ولأنّ أهمّيّة الكتابة، تبدأ من السؤال، فإنّ صوت الجنون ينزاح إلى ذروة الإدانة العدميّة، وحين يصبح المكان الواقعي أسوأ بكثير من المكان المتخيّل في عماء جوزيه ساراماجو، وفي عنبر أنطون تشيخوف، يصبح المكان أشبه ببيمارستان.. في هذا الفضاء يمارس علينا فعل التعذيب والإبادة، وكأنّنا بلا مخدر نكزُّ على الألم.. يرتفع صوت الجنون.. وكأنّه صوت الصبيّ الذي صرخ بوجه الملك أنت عارٍ.. عارٍ تمامًا، وكانت نتيجة هذه الصرخة ما نعيشه اليوم؛ مدن، قرى، مخيّمات، كلّ هذا تعرّض للإبادة، ماذا يعني هذا للمرأة؟ أن تُقتلع هي وأسرتها، أن لا يبقى أسرة أصلًا، وأن يكون الهواء الذي نتنفسه يسيل خرابًا وعفونة؟ ونحن نقف على هذه الأرض، نفتح باب السؤال: أليست الحياة التي نعيشها أشبه بنفق لا نعرف إلى أين يؤدّي بنا؟

هذه الحياة التي تفقد أيّ معيار حقيقي لوجودها، وكأنّما التدمير والخراب، والعاهات والمحرقة تلاحقنا أنّى وجدنا، والتي جعلتنا ذرات رمل في المنافي، وأمام انحدار سريع نحو الهباء وربّما الانقراض، فتختلط الأدوار لا الرجل رجل ولا المرأة امرأة، نعيش احتضارًا طويلًا، وما بين ذاكرتين وربّما خطابين: خطاب الضحيّة وخطاب المستبدّ، وكي لا نقع ضحيّة فكرة المؤامرة، لا بدّ من تأمّل الوضع الداخلي، وسياقات التاريخ التي جعلتنا في الحضيض نعاني دوار الهاوية. في هذا الواقع المتردّي، لا بدّ من أملٍ.. من بقعة ضوء، تشكّل فيها الكتابة سؤال الوجود والأنا والهويّة.. سؤال العبث، اللعب على الموت، التحايل على الغرق والجنون، فما نراه من تدمير وتهجير وفعل إبادة يفوق أيّ تصوّر.

ولأنّ الغناء يمنحُنا شهوة الحلم، والذهاب بعيدًا في حنيننا، بل لأنّ ذاكرة الألم تشكّل جزءًا من آليّة البقاء والدفاع عن النفس، والمقاومة؛ نمشي وسط الخرائب نراها لنروي حكاياتنا، نمضي من جهة الحرب إلى جهة الحب

ولأنّ الغناء يمنحُنا شهوة الحلم، والذهاب بعيدًا في حنيننا، بل لأنّ ذاكرة الألم تشكّل جزءًا من آليّة البقاء والدفاع عن النفس، والمقاومة؛ نمشي وسط الخرائب نراها لنروي حكاياتنا، نمضي من جهة الحرب إلى جهة الحب، وكما قال الروائي إلياس خوري: “الحكايات التي تروى تجعل الحجارة تنهض وتصير حيطانًا للبيوت”، لهذا يخاف المستبدّ القاتل من الكلمة، من خطاب الحرّيّة، من الصوت حين يصدح «يا حيف»، لهذا أقول، كم “غرنيكا” يلزمنا كي نختصر كلّ هذا الليل!؟ واستحضر هنا صوت الروائي البرتغالي أفونسو كروش: «هيّا نشترِ شاعرًا». إنها الرواية التي شكّلت صرخة لعواقب ضياع الشعر أو أثره على ضياع اللغة وروح الإنسان.

حين نكتب، فإنّنا نكتب سيرةً ناقصةً، وكأنّ الكتابة مقترح للحياة، للعالم والوجود، ضوء الأمل وسط سيرةٍ مبعثرةٍ بالحرائقِ والحروبِ والغرقِ والشتات والحبّ المستحيل، والكراهية، وانتشار الطائفيّة والتعصب، مرّة الحرب على الإيزيديّات، مرّة البراميل على أسرٍ في بيوتها، ونحن أمام هذا الطوفان، تأتي الكتابة لتشكّل سفينة نجاة. ولأنّ الصورة وجه الإدانة، نحدّق بها مليًّا.. صورة امرأة تحمل أطفالها، امرأة تصرخ، امرأة تغتصب في المعتقلات، امرأة تقتل، امرأة تبيع نفسها من أجل حليب أطفالها، امرأة تركض في مدن الرمل والغبار، ولا يبقى أمامنا سوى شهقة الكتابة.

الكتابة سؤال الوجود، الكتابة حياة في مواجهة الموت.. إنّها حوار مع كينونتنا الإنسانيّة التي تتعرّض اليوم لأقصى أنواع النفي والعنف. “ضيقة هي المركب”، الشعرُ يقلب المراكب، تمرُّ عبره الحكايات على شكل ومض، وغموض، وصور يتداخل فيها أزمان وأمكنة ووجوه…

مريضة بالشام أنا، مريضة بالحارات والمقاهي والدوالي، و”في قهوة ع المفرق في موقدة وفي نار”… تشبهني هذه الأغنية، تشبه حزني، يا صديقي.

ولأنّ الزمن بلا رجولة، أحمل الصخرة درجة درجة، ليس من باب المازوشيّة، بل من باب الصبر، الذي هو الباب الثامن لدمشق ونسائها، فالشام امرأة، لهذا قال ابن عربي: “العالم الذي لا يُؤنث لا يُعوّل عليه”، والحياة تعرجُ حين يتكئ العالم على المرأة. أنا المرأة الهاربة من ظلّها يحاصرني غبار المسؤوليّة، يسألني أحد الأصدقاء: متى تكتبين، فاتن، وأنت محاصرة بكلّ هذه الأعباء؟ فأردّ: أكتب في وقتي الذي أسرقه لأنتشل روحي من عالم الزحام والغبار. ماذا نقول وقد سُدّت أمامنا السبل، وأُغلقت كلّ أبواب الشام قسرًا أمام عشّاقها؟ العالم يلهث، كأنّنا تجاوزنا عنبر تشيخوف، فغرقنا في الرمل، وغرق غيرنا في البحر والمعتقلات، نحن -المحكومين بالشتات- نبحث عن القصيدة كخلاص جمالي مؤقّت، أدفع فواتير الفرح والحزن، كي يناموا مطمئنين، بأنّني سأدبّر الزمن، وأرتق الاهتراء، وأفتح نوافذ التهوية، وأزرع الورد، وأردّد مع درويش: “لا شيء يُعجبني/ الغجر وحدهم يعرفون الطريق/ يرصُّون عرباتهم كلّما تعبوا من المسير/ يضربون الأرض.. يحلقون.. كأفراس عشق عتيقة/ أضعت الطريق/ أعترف ألف مرّة بأنني أضعته.