شهداء الخيام وشهاداتها

تاريخ النشر: 08.12.2021 | 05:28 دمشق

جاء في الأخبار العاجلة والمُهمّة في الأسبوع الأخير أن "وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" وفي مَهمَّة تاريخية وغير مسبوقة، أطلقت ليل الثلاثاء الأربعاء المركبة الفضائية "دارت" (السهم الصغير) للاصطدام بالكويكب ديمورفوس، الذي لا يشكل تهديداً حقيقياً للأرض، وحرف مساره بعيداً عن كوكبنا. واختارت ناسا هذا الكويكب بالتحديد لأن قربه النسبي من الأرض وتكوينه الثنائي يجعله مثالياً لمراقبة نتائج الاصطدام".

قد مرّ الخبر المنقول عن وكالة فرانس برس ووكالات إخبارية أخرى مرور الكرام ربما، لأنه أمر عادي ومتوقع من وكالة تابعة لدولة عظمى في العالم قادرة على تغيير مسارات كثيرة لا مسار كواكب فقط.

حتى اللحظة قد يبدو الخبر ظفراً علمياً ومدعاة للفخر، إلا أن فجاجته تأتي من كونه جاء بالتوازي مع أخبار كثيرة ومهمة على صعيد الملف السوري، ما جعل من الصعب عدم مقارنته بمجرى الأحداث التي تحدث على الصعيد السياسي والإنساني في البلاد التي لا يمكن وصفها بأقل من أنها منكوبة على الجبهات كلّها.

الأمر غير العادي أن هذه الأخبار وأخباراً كثيرة أخرى قد تتوارد متتابعة، توحي بأن العالم يعاني من فجوة كبيرة بين التصريح والعمل وبين المعتقد والتطبيق، وأنهم يطالبون الشعوب بمراعاة الشروط الدولية للعمل السياسي ويختصرون الحالة الثورية بحالتها الإنسانية ومنح المساعدات بتقديم أموال للدول التي تضم لاجئين، ومطالباتهم المستمرة بضرورة الانتظار والصبر والنفس الطويل من أجل تحقيق الانتقال السياسي وتحقيق العدالة المزعومة.

الشعب السوري قد تعرض لأشد أنواع التعذيب مادياً ومعنوياً بسبب استمرار سياسة تشويه الثورة السورية في المحافل الدولية وإبقاء الأسد رئيساً شرعيًا للبلاد

يحدث ذلك في خضم استمرار المساعي الحقوقية من أجل إدانة الأسد ونظامه بالجرائم التي ارتكبها، في وقت قدّم فيه سوريون ناجون من المقتلة شهاداتهم أمام مجلس الأمن من أجل التحرك لإيقاف المأساة المستمرة منذ ما يزيد على عقد، ومن أجل إقناع العالم بأحقيّة القضية السورية وبأن الشعب السوري قد تعرض لأشد أنواع التعذيب مادياً ومعنوياً بسبب استمرار سياسة تشويه الثورة السورية في المحافل الدولية وإبقاء الأسد رئيساً شرعياً للبلاد.

لكن ذلك لم يحرك ساكناً فالعالم الأول المتقدم ما زال مشغولاً باستيطان كواكب جديدة وتحويل مسارات كويكبات أخرى غير أنه لم يقتنع حتى اللحظة بتلك الشهادات ولم يحرك ساكناً منتظراً جمع الأدلة التي تثبت أن السوريين يعانون وأن الأسد مجرم حرب.

للحق، إنها تصلح أن تكون نكتة العام لأن ذلك العالم الذي ما زال يريد منا أن نثبت موتنا وهوية قاتلنا، ما زال يوهمنا بأنهم حماة النهج الإنساني العالمي والأمناء على شرعة وحقوق الإنسان، إلا أنهم على تقدمهم وبلوغهم ذروة المجد الاستخباري والفضائي لا يتمكنون من مساعدتنا لأنهم يتوخون الحذر في تحري الحقائق، لا لأنهم يغضون النظر عن استمرار التنكيل فينا، كونهم ما زالوا يرون في الأسد ذراعهم الضامنة للمصالح العالمية في سوريا والمنطقة حتى الآن.

لا يمكن الانتقاص من أهمية وجود واستمرار السعي القانوني في المحافل الدولية من أجل إنهاء المأساة وإحالة مجرمي الحرب للمحاكمة، أو أهمية عمل مراكز التوثيق التي جهدت كثيراً لإثبات تلك الجرائم للمستقبل والتاريخ طالما أنهم لا يعترفون لنا بها في الحاضر ولا ينصفون قرابينها ومشاريع الموتى المحتملين.

لكن ما يبدو للواقع أن ذلك وحده لن يكفي في عالم يكيل بمكيالين ويحاول إمساك العصا من المنتصف بهدف تحقيق أهداف لا تمت للشعب بصلة لكنهم يلبسونها ثوب الإرادة الشعبية. وعلى الرغم من وجود كل تلك الأدلة الحيّة والمسموعة والمرئية ما زالوا يتعاملون معنا بطريقة التخدير بشعارات وخطابات وتصريحات تصلح عناوينَ للأخبار الرئيسية، لكنها لا تغني ولا تسمن من جوع.

فإذا كانوا بالفعل يبحثون عن حقيقة كان عليهم على الأقل متابعة الأخبار القادمة من المخيمات السورية الواقعة على الحدود مع دول الجوار، ليروا مشهد الرجل الذي جلس محروماً من خيمته التي تطايرت في الهواء من جراء العاصفة الشديدة، وهو يحتضن حفيدته التي لم تتجاوز العامين على الأكثر، كي يخبئها من البرد بعد أن بقي في العراء وفقد منزله البديل الذي منحته إياه المنظمات الدولية ودول الجوار من دون أدنى شعور بالخجل.

يمتنعون عن استخدام إمكاناتهم العلمية والسياسية للتحكم في مسار خيام السوريين ومنازلهم وتغيير وجهتها، كي تحمي ما تبقى من أجسادنا وأحلامنا في العراء

ما زال المجتمع الدولي يعقد الجلسات لأنه يحتاج إلى سماع شهادات الناجين من معتقلات الأسد ومن وثقوا بالصورة الجرائم التي ارتكبها، لأنهم ـ وفق زعمهم ـ ما زالوا يفتقدون إلى الأدلة الدامغة للتحرك من أجل إنقاذ ما تبقى من السوريين، لكنهم في الوقت نفسه يتجاهلون كل هذه الشهادات ويتابعون التعامل مع النظام السوري في الأروقة السياسية وكأن شيئاً لم يكن.

ويمتنعون عن استخدام إمكاناتهم العلمية والسياسية للتحكم في مسار خيام السوريين ومنازلهم وتغيير ووجهتها، كي تحمي ما تبقى من أجسادنا وأحلامنا في العراء.

سوف ينتظر العالم اتخاذ الإجراءات بحذافيرها القانونية حتى يأخذ المسعى القانوني مساره الصحيح وحتى توضع الأمور في نصابها ـ فيما إذا حصل ذلك ـ قد تستمر مدة هذه الحكاية سنوات، وربما لن يشكل ذلك فرقاً حينذاك بالنسبة إلى معاناتنا التي تحتاج إلى تدخل عاجل، لكنه يبقى ذريعة وحجّة واهية لعالم يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان في حين يتجاهل الموت الجماعي والتنكيل الذي يتعرض له بعضُ بني الإنسان في مواقع مختلفة من الأرض.