يتمسك كثير من الآباء برغبة العودة إلى وطنهم سوريا، بينما ينظر الأبناء الذين غادروا البلاد في سن مبكرة أو وُلدوا خارجها إلى سوريا كبلد غريب لا يشبههم، ما يشكّل فجوة بين الأهل وأبنائهم في بلدان اللجوء، وتُعد من أبرز العوائق أمام خيار العودة.
نشأ جيل كامل في بلدان اللجوء، وتكوّنت هويته في بيئات اجتماعية وثقافية مختلفة، ما جعله يرى سوريا أرضاً بعيدة لا تشبهه، ولا يجد فيها امتداداً لتجربته أو إحساسه بالانتماء، ليتحوّل التفكير بالعودة إلى شعور بالاغتراب.
هذه الهوة الجيلية تعكس واقعاً معقّداً لعائلات سورية توزعت بين أكثر من 130 دولة لجأت إليها خلال 14 عاماً، إثر القمع والانتهاكات وتصاعد العنف في سوريا، التي صارت واحدة من أكبر مصادر اللجوء في العالم.
وبلغ عدد اللاجئين وطالبي الحماية السوريين 6 ملايين و100 ألف شخص حتى نهاية عام 2024، يعيش غالبيتهم في دول الجوار، بينما تشير الأرقام الأممية إلى أن أكثر من 47% من اللاجئين السوريين دون سن الثامنة عشرة.
وتتوقع الأمم المتحدة عودة ما يصل إلى مليون و500 ألف لاجئ سوري من الدول المجاورة، ومليوني نازح إلى مناطقهم داخل سوريا خلال عام 2025.
كما بلغ عدد اللاجئين السوريين العائدين إلى بلادهم منذ سقوط نظام بشار الأسد المخلوع وحتى 1 من أيلول/سبتمبر الحالي 850 ألف لاجئ، وقد يصل الرقم إلى مليون في الأسابيع المقبلة.
لا ألفة تربط بالمدينة الأم
بعد نقاشات امتدت شهرين مع عائلته التي عادت إلى مدينة حمص وسط سوريا، اختار الشاب علي البقاء في تركيا، حيث لجأ إليها منذ تسع سنوات، لشعور داخلي يلازمه بأن سوريا لم تعد المكان الذي يشبهه أو يعرفه.
ويصف علي العيد (26 عاماً) مدينته الأم بأنها فارغة من ملامحها، بعدما غابت الوجوه التي شكّلت ذاكرته وطفولته، حيث تفرّق أصدقاؤه بين الموت واللجوء والتشتت داخل البلاد.
ولا يشعر علي بالقطيعة التامة مع حمص، لكن التفكير بالعودة إلى سوريا يسبب له شعوراً بالاختناق والغصّة، يرتبط بفقدان الانتماء والألفة التي كانت تربطه بالمكان، وفق ما قاله لموقع "تلفزيون سوريا".
في تركيا، حيث وصل مراهقاً، تمكن من بناء حياة مستقرة نسبياً، واعتاد لغتها وشوارعها، وكون صداقات من عمله في مطاعم وورشات ومعامل، ويقول: "أصبحت جزءاً من مجتمع أعرف تفاصيله، وتبدو فكرة العودة إلى حمص بمثابة مغامرة لا تحمل الألفة أو الأمان اللذين من المفترض أن يرتبطا بكلمة الوطن".
تواصله مع من تبقى من معارفه في حمص لم يعزز شعوره بالارتباط، بل زاد المسافة، إذ غالباً ما ينهي تلك الأحاديث بأنه لا يشعر إلا بحنين ضئيل لبعض الذكريات فقط، ويؤكد أن بقاءه في تركيا أفضل.
وتستضيف تركيا أكبر عدد من اللاجئين السوريين، والذي انخفض تدريجياً بعد سقوط نظام الأسد إلى مليونين و491 ألفاً و283 شخصاً خاضعين للحماية المؤقتة. ومنذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، عاد من تركيا 411 ألفاً و649 سورياً إلى بلادهم "بشكل طوعي وآمن"، وفقاً للأرقام الرسمية التركية.
أطفال غير منسجمين
واجه طفلا السيدة مريم النعسان، محمد (12 سنة) وبتول (8 سنوات)، حالة من عدم الانسجام والارتباك مع أقرانهما خلال زيارة مؤقتة إلى سهل الغاب بريف حماة الشمالي، بعد عشر سنوات من اللجوء في لبنان.
وتقول مريم (33 سنة) إن طفليها بدا عليهما التوتر والابتعاد عن التفاعل، وفضلا مرافقتها على الانخراط في أي نشاط اجتماعي خلال الزيارة، رغم حفاظهما على تواصل أسبوعي افتراضي مع أطفال من أقربائهم حين كانوا في لبنان.
وتضيف مريم لموقع "تلفزيون سوريا" أن الطفلين شاركا أحياناً في اللعب، لكن سرعان ما يفقدان الاهتمام ويعودان للالتصاق بها، متذمرين من البقاء، وملحين بالسؤال عن موعد العودة.
وبات ضعف ارتباط الطفلين بالمكان وصعوبة تواصلهما مع البيئة الاجتماعية في سوريا مصدر قلق لمريم وزوجها، خاصة مع اقتراب موعد العودة النهائية إلى سوريا الذي حدّداه مطلع عام 2026. وتشير مريم إلى أن المشكلة لم تعد في ظروف البلد من خدمات ومقومات فحسب، بل في شعور طفليها بأنهما غريبان فيه.
ويستضيف لبنان أكبر تجمع للاجئين في العالم مقارنة بعدد السكان، إذ يعيش فيه نحو مليون و500 ألف سوري بين أربعة ملايين لبناني. وفي آب/أغسطس الماضي، أعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، حنين السيد، إغلاق 162 ألف ملف لنازحين سوريين غادروا لبنان، وأشارت إلى وجود 71 ألف طلب إضافي.
ارتباط هش بذاكرة الماضي
لا ترى سارة عبد الرحمن (19 عاماً) أن ولادتها وطفولتها في سوريا سبب كافٍ لرغبتها في العودة، فرغم قضائها تسع سنوات من حياتها في جبل الزاوية جنوبي إدلب، ثم عامين في تركيا وثماني سنوات في ألمانيا، تقول إن ارتباطها بسوريا بقي سطحياً وتراجع مع مرور الوقت.
تتذكر سارة من بلدها شكل المنزل، محل "البقالية" القريب، وثلاثاً من رفيقاتها في المرحلة الابتدائية، لكن هذه الذكريات لا تكفي لتكوين رغبة حقيقية بالرجوع، خصوصاً في ظل الصورة القاتمة التي تشكلت لاحقاً من خلال الأخبار عن سوريا من قتل وقصف وتهجير.
وتقول الشابة لموقع "تلفزيون سوريا" إن عائلتها تتفهم موقفها، لكنها تواصل إقناعها بفكرة الزيارة إلى سوريا في المستقبل كخطوة لاختبار الارتباط الفعلي بالمكان، ثم اتخاذ قرار البقاء والاستقرار لاحقاً.
وتمثل سارة شريحة واسعة من جيلها، خاصة من اللاجئين السوريين في دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما تعكسه الأرقام الرسمية لفئة الأطفال والشباب. فعلى سبيل المثال، في عام 2024، بلغ عدد طالبي اللجوء لأول مرة في دول الاتحاد الأوروبي ممن تقل أعمارهم عن 18 عاماً 234 ألفاً و670 طفلاً وشاباً، أي ما يعادل نحو 25.7% من إجمالي طلبات اللجوء. وكان السوريون في صدارة هذه الفئة، حيث شكلوا 22.9% من إجمالي القُصر طالبي اللجوء، ليكونوا بذلك الأكثر طلباً للحماية في أوروبا بين أقرانهم من الجنسيات الأخرى.
ضعف وغياب الانتماء.. خطوات لردم الفجوة
رغم إدراك العائلات السورية لحجم التحديات المرتبطة بالعودة إلى سوريا، من ضعف البنية الخدمية وعدم استقرار الوضع الأمني والاقتصادي والتعليمي، إلا أن العقبة الأبرز بالنسبة للكثيرين تبقى في مدى اتفاق أفراد الأسرة على قرار العودة.
ترى الباحثة الاجتماعية عائشة عبد الملك أن الفجوة بين جيل الآباء والأبناء في المهجر حول مسألة العودة إلى سوريا تعود إلى اختلاف بيئات النشأة والانتماء، حيث نشأ كثير من الأطفال خارج سوريا أو غادروها في سن مبكرة، ما جعل ارتباطهم بالمكان الجديد أقوى، في حين ظل الأهل متمسكين بانتمائهم السوري رغم استقرارهم في بلدان اللجوء أو الاغتراب.
وتوضح الباحثة لموقع "تلفزيون سوريا" أن غياب الحوار بين الأهل والأبناء حول مفاهيم الهوية والانتماء ساهم في اتساع هذه الفجوة، إذ لم تُبنَ جسور تواصل تُعرّف الأطفال بمدنهم أو بلداتهم الأصلية أو تعزز ارتباطهم بها، وهو ما تتحمل العائلات مسؤوليته.
وتُميز عبد الملك بين الهوية باعتبارها سمة تعريفية للفرد أو الجماعة، وبين الانتماء بوصفه شعوراً وجدانياً بالارتباط بمكان أو جماعة. ومن هذا المنطلق، فإن كثيراً من الأطفال في دول الاغتراب لا يشعرون بأنهم جزء من سوريا، على عكس ذويهم الذين ما زال هذا الشعور حاضراً في وعيهم وتكوينهم.
وترى أن النشأة الاجتماعية هي العنصر الأساسي الذي يُبنى عليه الانتماء، حيث يرتبط الطفل بالبيئة التي نشأ فيها ووجد فيها استقراره الأول. وأعطت مثالاً بأن أي تغيير في هذه البيئة، كاستبدال المدرسة أو المنزل، يتطلب تهيئة نفسية مسبقة، وهو ما يجعل الانتقال إلى بلد جديد تجربة أكثر تعقيداً.
ولفتت الباحثة إلى ظاهرة اضطراب الهوية لدى المراهقين السوريين في تركيا، نتيجة تشكلهم في بيئة تركية لغوياً وثقافياً، مقابل عدم الاعتراف الكامل بهم من قبل المجتمع المضيف، وفي الوقت ذاته شعورهم بالاختلاف عن أقرانهم السوريين، ما يضعهم في حالة انتماء منقوص للطرفين.
وترى أن العودة إلى سوريا قد توفر للفرد نوعاً من الاستقرار، لكنها في المقابل قد تفتح أمام الأطفال والمراهقين تحديات نفسية واجتماعية ناتجة عن الفروقات المتراكمة مع مجتمع الداخل السوري.
وتوضح أن ذكريات الطفولة من البيت والشارع والزملاء والتفاصيل اليومية تُشكل جزءاً من انتماء الطفل، وعند نقله إلى بيئة جديدة قد لا تناسبه، ومع وجود فارق في الخدمات والمعيشة بين المهجر وسوريا، يتأثر استقراره النفسي والاجتماعي، وقد يصاب بعزلة اجتماعية، خاصة لدى العائدين من دول غربية.
وتقترح عبد الملك معالجة هذه الفجوة من داخل الأسرة عبر التوعية وتعزيز شعور الانتماء لدى الطفل، بدعم من المدرسة والأنشطة الاجتماعية، وربط الطفل تدريجياً بين بيئته التي نشأ فيها وتلك التي سينتقل إليها، ليتمكن من التكيف ويظل سوياً نفسياً واجتماعياً.
من جانبها، تشير منظمات المجتمع المدني إلى أن الحرب في سوريا مزقت النسيج الاجتماعي، ما يجعل إعادة اندماج العائدين في مجتمعات تغيّرت بفعل الصراع أمراً شاقاً. وتؤكد على ضرورة إطلاق مشاريع للتماسك الاجتماعي تعزز التفاعل بين مختلف فئات المجتمع، لافتة إلى أن البنى التحتية مثل الحدائق والمدارس والأسواق والمساحات الثقافية تلعب دوراً محورياً في ترسيخ الشعور بالانتماء والهوية المشتركة، وتشكل وسيلة فعالة لإعادة بناء الروابط المجتمعية.