شطحات صحفيّة

شطحات صحفيّة

الصورة
16 آب 2019

محمد جمال طحان

باحث استشاري في العلوم الإنسانية

لو كان يوجد عريس بهذه المواصفات كنت تزوجته أنا.

تحتفل الصحافة كل عام بأبنائها ويرتسم على وجهها نصف ابتسامة.. ويحتفل أبناؤها بها، كل على طريقته، أما طرائق الاحتفال فإن اختلافها يعزى إلى أساليب الأبناء، منهم من يصفق لها بفرح شديد حاملاً كل لافتات الوفاء والولاء، مزيناً ديباجته بشعارات براقة لا يختلف على جودتها اثنان، ومنهم من أدرك أن (اليد التي تصفق لا تعمل)، لذلك يكتفي بإظهار احترامه ومحبته من خلال عمل دؤوب يساهم في إعلاء شأن الأم والحفاظ على كرامتها. الصحفيون القديرون على مدى العصور يتمتعون بطرافة لافتة، ولهم في تلك التي يعشقون مذاهب، حول هموم السلطة الرابعة وشجونها وطرائفها، نذكر «سليم سركيس» صاحب جريدة المشير ومحرر في جريدة «لسان الحال» /1880/ وكاتب صحفي ساخر، أصدر في مصر جريدة المشير ثم أصدر مجلة (مرآة الحسناء) عام/1881/.

هذا الرجل مجموعة من الطرائف، لو أخذت مجلة مرآة الحسناء التي أصدرها باسم «مريم مزهر»، وهو اسم مستعار اخترعه، كانت الاشتراكات تأتي حوالات، وكي يقبضها ينبغي أن يذهب  إلى البريد /يسمونه البوستة/، كان مدير البريد صديقه، ذهب بعد ستة أشهر بعد أن تراكمت الاشتراكات خلالها، ذهب لكي يستلمها، قال مدير البوستة: أين هي مريم مزهر؟ قال له: إنها مشغولة في مكاتب المجلة لأن العدد الجديد سيصدر قريباً، فقال له: إذاً أحضر توكيلاً عنها فعاد إلى المكتب وعمل توكيلاً لنفسه ووضع عليه ختم المجلة وعاد إلى البريد وقبض المبلغ. وعن علاقة سركيس مع المكتوبجي: «كان يحرر عام 1882 في جريدة لسان الحال، فكان يعاني من (المكتوبجي) رقيب الصحافة، ويروي سليم سركيس في كتابه (غرائب المكتوبجي)، أنه أرسل إلى رقيب الصحف مجموعة الأخبار التي يود نشرها في العدد الذي سيصدر في اليوم التالي، أحد الأخبار تقول: إن مجرماً فرنسياً طعن رئيس الجمهورية الفرنسية (مسيو كارنو) وقتله فكتب الخبر تحت عنوان (اغتيال كارنو) عاد الخبر من عند المكتوبجي بعنوان وفاة /كارنو/ وفي متن الخبر أن كارنو مات بالسكتة القلبية!.

أما حكاية طربوش سليم سركيس التي شغلت الصحافة البريطانية، فهي عندما سافر سليم سركيس إلى لندن، أصدر جريدة بخط اليد، وتوجه ذات يوم إلى مجلس العموم البريطاني ليحضر إحدى الجلسات، وكان آنذاك يلبس الطربوش، منعه الشرطي من الدخول وهو يلبس الطربوش، أخيراً جيء بمدير المجلس ليقنع سليم سركيس بخلع الطربوش، فقال له: نحن ندخل الكنيسة ونحن نلبس الطربوش، فكيف تريدني أن أخلع الطربوش؟ هل المجلس العمومي أهم من الكنيسة، مدير المجلس أخذ قراراً استثنائياً وسمح لسليم سركيس باعتمار الطربوش داخل المجلس، وصدرت في اليوم التالي معظم الصحف البريطانية وهي تتصدر خبر اعتمار أحد الصحفيين السوريين الطربوش داخل المجلس خلافاً للقرار الذي يمنع وضع أي قبعة على الرأس.

أخيراً جيء بمدير المجلس ليقنع سليم سركيس بخلع الطربوش، فقال له: نحن ندخل الكنيسة ونحن نلبس الطربوش، فكيف تريدني أن أخلع الطربوش؟ هل المجلس العمومي أهم من الكنيسة، مدير المجلس أخذ قراراً استثنائياً وسمح لسليم سركيس باعتمار الطربوش داخل المجلس

هذا بالنسبة لسليم سركيس، ماذا عن الصحفيين ومسألة (القبض) أي محاولة تمويل صحفهم من خلال الترغيب والترهيب، نعلم أن بعض الصحفيين القدامى، من أجل تمويل صحفهم يواجهون الأثرياء الجشعين بالحيلة، فيعمدون إلى نشر خبر قصير عن أحد المتنفذين أو التجار ملمحين إلى أنهم سينشرون في العدد التالي تفاصيل الفضيحة، فيسارع صاحب العلاقة كي يشتري سكوتهم فيحصلون على مبالغ طائلة..عن مسائل القبض تلك، وعن طرائف الصحفيين هناك طرائف كثيرة للعديد من الصحفيين العرب، سواء كانوا يصدرون صحفهم داخل السلطة العثمانية أو في القاهرة أو ديار الغربة، مثلاً عندما أراد سعيد فريحة (وهو وُلًدَ صحفيا في حلب، فهو حلبي الولادة الصحفية) عندما أصدر مجلته الشهيرة (الصياد) طلب من صاحب جريدة (الصحفي التائه)، إسكندر الرياشي، الذي أصبح فيما بعد نقيباً للصحفيين، طلب منه أن يكتب له مقالة لينشرها في العدد الأول، جرياً على عادة الصحفيين، ورجاه أن يكتب عن الصحفيين والقبض، فكتب إسكندر الرياشي، وكان ساخراً مثل سعيد فريحة، كتب مقالاً عدّد فيه بعض حفلات القبض التي مارسها خلال إصداره جريدة /الصحفي التائه/ ومن جملة ما قال إن محمد التابعي، الصحفي المصري الشهير، كتب في/أخبار اليوم/ جريدة علي أمين مصطفى أمين/يتهمني فيها أني قبضت/ 10/آلاف ليرة إنكليزية من جهة معينة، في الحقيقة أني /زعلت/ عندما قرأت الخبر ليس لأنني لم أقبض الـ (10)آلاف، لقد قبضت الـ (10) آلاف وأكثر منها من جهات أخرى،  لكن (زعلت) كيف عرف محمد التابعي أنني قبضت المبلغ.

طرفة ثالثة، وهي أن الفرنسيين في المفوضية الفرنسية في بيروت كلفوه، وهو فرانكوفوني، وكان يعمل ضابطاً في الأمن العام الفرنسي قبل أن يمارس العمل الصحفي، سأله المفوض السامي الفرنسي: توجد عدة شخصيات في منطقة البقاع و(بعلبك والهرمل تحديداً)، معارضة للانتداب، على اعتبارك يا إسكندر من زحلة (البقاع) فنحن نسألك ما هو علاج هؤلاء؟.. أجابه: العلاج معروف ندفع المال، سأله المفوض السامي كم يكلف هؤلاء؟ قال له: /30/ ألف ليرة إنكليزية، كانوا ستة، أخذ المبلغ على أن يدفع لكل واحد منهم /5/آلاف، في  طريقه إلى البقاع، وصل إلى ظهر البيدر فوقف وقال: نسينا إسكندر الرياشي فوقف وقسم المبلغ على سبعة

أرسلت واحدة رسالة إلى إسكندر رياشي  إلى باب القرّاء كتبت فيها: إنني فتاة عمري (25) سنة ذات جمال متوسط من عائلة فقيرة، حصلت (بالكاد) على شهادة (سرتفيكا)، أطلب عريساً متعلماً أشقر بعينين زرقاوين ، غنياً ولا يتجاوز عمره الـ (25) سنة، نشر إسكندر رياشي هذه الرسالة وكتب تحتها «لو كان يوجد عريس بهذا الشكل كنت تزوجته أنا».

وقال: (الآن برطلنا إسكندر الرياشي)، واستأنف المسير ووصل إلى بعلبك إلى واحد من آل حيدر وبعد أن شرب القهوة سأله: ما رأيك بالسياسة الفرنسية: فقال له: نحن ظلمنا الفرنسيين لأنهم نشطون يبنون المدارس ويشقون الطرقات وصار عندنا حرية بخلاف أيام العثمانيين، وبعد أن أنهى شرب القهوة ودّعه، وقال في نفسه: ما دام وافق، نحذف الـ (4000) حصته، فوضع المبلغ في جيبه وتابع طريقه، الباقون أدلوا برأيهم إيجابياً تجاه الفرنسيين، بقي القبضاي المشهور (ملحم قاسم) الذي كان (مطارد فراري) ذهب إليه وبعد العشاء الذي حضره رؤساء العشائر وذبحت خلاله الذبائح سأله كيف حالك يا أبا علي؟  قال: صار لي كذا سنة بهذه الجبال، وتعبت، وهؤلاء أصحابك الفرنساوية هل يمكن أن تكلمهم من أجل ترتيب وضعي وإعفائي من المطاردة؟ فقال له: يا أبا علي..أصحابي ..أصحابي..ولكنك تعرف، لا شيء يمكن حله إلا بالمال فقال له كم تكلف العملية..؟ فقال له : تكلف /5/آلاف ليرة، وختم المقالة بهذه العبارة: تلميذنا سعيد فريحة..أكيد تعلمون لماذا طلب إلي أن أكتب له خصيصاً عن القبض... (لا تأكلوا همه)، سيكون (أشطر) من أستاذه في القبض، وإسكندر رياشي كان عنده باب لطلاب التعارف والزواج، وكان دارجاً كثيراً هذا الباب يقول: «في ذلك الوقت في العشرينيات من القرن الماضي، كانت الفتاة التي تبلغ /16/ سنة ولم تتزوج، معناه -راحت عليها- صارت عانساً، أرسلت واحدة رسالة إلى إسكندر رياشي  إلى باب القرّاء كتبت فيها: إنني فتاة عمري (25) سنة ذات جمال متوسط من عائلة فقيرة، حصلت (بالكاد) على شهادة (سرتفيكا)، أطلب عريساً متعلماً أشقر بعينين زرقاوين ، غنياً ولا يتجاوز عمره الـ (25) سنة، نشر إسكندر رياشي هذه الرسالة وكتب تحتها «لو كان يوجد عريس بهذا الشكل كنت تزوجته أنا».

شارك برأيك