icon
التغطية الحية

"شريان دمشق" عاد للحياة.. بردى ينتظر "قثطرة" قلبية سريعة

2026.04.10 | 06:05 دمشق

منبع نهر بردى في عين الفيجة (تلفزيون سوريا)
منبع نهر بردى في عين الفيجة (تلفزيون سوريا)
دمشق ـ زيد قطريب
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- شهد نهر بردى عودة تدفقه من منبعه في عين الفيجة، مما أثار احتفاءً شعبياً كبيراً، وتزامن ذلك مع أعياد الفصح والربيع ورأس السنة السورية، مما رمز إلى تجدد الحياة وقيامة السوريين من الظلام.

- يعاني نهر بردى من التلوث والتدهور البيئي كلما ابتعد عن منبعه، حيث يتغير لون مياهه إلى الرمادي بسبب النفايات ومياه الصرف الصحي، مما يستدعي وضع خطة حماية شاملة.

- يُعتبر نهر بردى جزءاً من التراث الثقافي والشعري السوري، حيث ألهم العديد من الشعراء العرب، لكن القصائد وحدها لا تكفي لحمايته من التدهور البيئي.

النهر الميتُ عادَ للحياة. وبكامل هيبته وغموضه وشلالاته البيضاء، شاءَ أن يكون انهماره متزامناً مع أعياد الفصح والربيع ورأس السنة السورية "الأكيتو"، دلالةً على التجدد وقيامة السوريين من الظلام، مثل أزهار "الليلك"، التي تحدثت عنها قصيدة "الأرض اليباب" الشهيرة.

 الزوار يحبون مشاهدة النهر لحظة خروجه من النبع (تلفزيون سوريا)
الزوار يحبون مشاهدة النهر لحظة خروجه من النبع (تلفزيون سوريا)

نهر بردى، أو "برد" كما دُعي بالآرامية، أو نهر "الذهب" مثلما وصفه الإغريق، بدأ منذ أيام، هبوطَ المنحدرات القاسية والوديان الصخرية، من منبعه في عين الفيجة، إلى حيث تنتظره "أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ"، بشجرها وغوطتها وأهلها العطشى، كأن هذا النهر القديم، يتابع مهمته التاريخية في جرف الأحزان.

لم يكن غريباً، إصرار كثير من الناس، على مشاهدة النهر عند تدفقه من النبع، في لحظة يشبهونها بالولادة بعد عقم، والارتواء إثر جفاف. يقول أحد الزائرين: "هذا المشهد يردّ الروح"، بينما يؤكد آخر، أنه جاء إلى حضرة النبع "حتى يشفى من الكآبة والمرض".

احتفاء شعبي ببردى من منبعه في عين الفيجة

استقبال شعبي، يلقاه نهر بردى لحظة تدفقه من عين الفيجة. حيث لا طقوس سياحية ولا مقاهٍ أو مطاعم، بل جلسات عائلية في الهواء الطلق، مع زوّادة بسيطة يحضرها الناس من المنزل، أو يقومون بشرائها من السوق، حسب إمكانياتهم المادية.

تقول إحدى الزائرات: "أحرص على حضور هذه اللحظة عند تجدد النهر دائماً. وآتي مبكراً كي أحجز أقرب مكان إلى النبع". لكن لماذا يتسابق الناس على الاقتراب من النبع؟ هل لأن مياهه البيضاء، تبدو بكراً، لم يَمْسَسْها تراب؟ تجيب الزائرة بثقة مشيرةً إلى شلال الماء العذب: "طبعاً.. ألا تلاحظ كم هو مدهش هذا النقاء".

نتابع الطريق، مشياً على الأقدام إلى "عين الخضرا"، وكلما زاد الانحدار، اشتدت غزارة النهر وسرعته، ليهدأ بعدها في الأرض المستوية، كأنه يلتقط الأنفاس.. ترى ماذا يقول أحد أقدم الأنهار بالعالم؟.

يظن البعض، أن صوت تدفق المياه، يشير للعتاب، بسبب اعتداءات البشر على المجرى والمنبع.. بينما يعتقد آخرون أنه سيمفونية تنسجم مع اللون الأخضر والأزهار المزينة للوادي.. لكن بعضاً آخر، يفضل عدم إعطاء المشهد أية تأويلات، والنظر إليه كمنظر خلاب في الربيع.

	نهر بردى في عين الخضرا (تلفزيون سوريا)
نهر بردى في عين الخضرا (تلفزيون سوريا)

ولأن نهر بردى، كلما أوغل في قعر الوادي، أصبح قصيدة احتمالية كثيرة المعاني، يحاول المرء اكتشاف النهر من وجوه الناس الساهمين بشرود نحو المياه، وأولئك المنهمكين بنفث الدخان من "الأراكيل"، أو المتنقلين بأنظارهم عبر جماليات اجتماع الجبال والوديان مع جريان النهر بمكان واحد.

يتابع النهر جريانه السريع نحو الهدف.. فالأفكار هنا، لا يمكنها السباحة بمياه النهر مرتين، كما تضيف إحدى الزائرات، وتقول: "ربما ينجح التأمل في الأماكن ذات المياه الهادئة البطيئة في الجريان، مثل الربوة".

يحافظ بردى، على شخصيته وسحره، في عين الخضرا وجديدة الوادي والشيباني، وبقية الأماكن القريبة من المنبع، لكنه لا يلبث أن يبدأ بالتلوّن تدريجياً، كأنه أصيب بالإنهاك، من كثرة جرفه للنفايات والأحزان والأعشاب القديمة، طوال الطريق.. فيميل للون الرمادي تدريجياً، ليصبح في أول الربوة، نهراً آخر غير الذي شاهدناه في قرى المنبع.

"النهر يزعل"، كما يقول زائر عابر، بينما يصف آخر سلوك الناس بـ"العقوق"، لأنهم لا يحافظون على نظافة المجرى، ويتحدث ثالث عما تلحقه مياه الصرف الصحي من تلوث يدمر النهر رويداً..

	رغم آثار الحرب.. لكن النهر مازال يجري (تلفزيون سوريا)
رغم آثار الحرب.. لكن النهر مازال يجري (تلفزيون سوريا)

تلوث نهر بردى وتعكر المياه بشكل تدريجي

يشحب لون بردى، كلما ابتعد عن المنبع، فيخفف الجريان ويهدأ، غير مصدقٍ ما أصابه.. لكنه كلما تقدم خلال مسيره الممتد نحو 71 كيلومتراً، يصاب بانخفاض الضغط، ويتباطأ قلبه بالخفقان، ليصل إلى بحيرة "العتيبة" حيث يصب، كأنه بحاجة لنقل سريع إلى غرفة الانعاش!.

"يمكن اكتشاف حال الأنهار من مياهها"، تضيف الزائرة الجالسة على الرصيف في بداية الربوة، مؤكدةً أن بردى في هذه المنطقة، يبدو أفضل من حاله في المناطق اللاحقة، حيث تتراكم وتزدحم الأوساخ والاعتداءات على النهر، فيبدو وكأنه يستغيث!.

	نهر بردى في الربوة (تلفزيون سوريا)
نهر بردى في الربوة (تلفزيون سوريا)

لكن السياحة الشعبية العفوية والبسيطة، تختلف في قرى المنبع، عنها في منطقة الربوة، التي تأخذ الطابع الرسمي ضمن المقاهي والمطاعم، فتكثر فيها ألعاب الأطفال والأغنيات الصاخبة، مع ازدحام السيارات على الشارع العام.. لكن بردى يبدو غير مكترث بكل ذلك، خاصة بعد أن أيقن مصيره، وبدت مياهه أكثر حزناً وبطءاً، كأنه ينتظر من ينتشله من مجراه ومعاناته التي تتكرر سنوياً.

أين "نهر الذهب"؟ الواقع يقول إنه قد ذهب، ولا مجال لاستعادته إلا بوضع خطة حمايةٍ كاملةٍ للنهر، تبدأ من النبع، وتسير معه في جميع الأماكن التي يعبرها.. تتساءل زائرة: "ترى كيف يستطيع زائر، جاء للتمتع بمنظر النهر، إلقاء نفاياته في مجراه؟".

نهر بردى يتحول لقصائد في الشعر العربي

يتذكر الزائر، قول محمود درويش: "وفي بردى، ينكسر الضوء من هيبة الماء"، فيشعر بالأسى لحال النهر، ثم يستدعي قصائد لشعراء مشهورين، خلدها صوت فيروز الذي كان يزين معرض دمشق الدولي في بداياته الأولى.. "أنا صوتي منك يا بردى" تغني فيروز من أشعار سعيد عقل، لكن مشهد مياه النهر لا يؤكد ذلك!.

وعند نزار قباني، كان لبردى مكانة مميزة، حيث يقول: "بردى يبيت في قلبي ويشرب من دمي"، أما الأخطل الصغير، فكتب قصيدته الشهيرة: "بردى هل الخلد الذي وعدوا به" التي غنتها فيروز أيضاً.. أما خليل مردم، فقال في قصيدته: "سقى بردى وحيّا ضفتيه.. سحاب راح يضحك من بكاه".

أما أمير الشعراء أحمد شوقي، فاشتهر بقصيدته المؤثرة التي كتبها عام 1925، تضامن مع الشام إثر قصف الاحتلال الفرنسي، ويقول فيها: "سلامٌ من صبا بردى أرقُّ.. ودمعٌ لا يكفكف يا دمشق".

لكن القصائد، لا تبدو قادرة، على حماية بردى، خاصة في مواسم قلة الأمطار والقحط، حيث يضعف المجرى وتختفي عزيمة النهر، عدا عن النفايات التي تغزوه من كل الأنحاء..

إذا صحّت التسمية الشعبية لبردى بأنه "شريان دمشق"، فلا شك أن النهر محتاجٌ لعملية "قثطرة" قلبية سريعة، تضمن عودة تدفق الدم بشكل حرّ وكافٍ، إلى الأعضاء، وتكفل أن نردد مع سعيد عقل:

"أنا على بردى والذكرياتُ معي.. حشدٌ، وكيف يغيب الحشد والأثر".