شركاء في تعفيش فلسطين..

تاريخ النشر: 23.05.2018 | 14:05 دمشق

آخر تحديث: 27.05.2018 | 17:37 دمشق

المسألة ليست أن يقوم شبيحة نظام الأسد بسرقة (تعفيش) محتويات بيوت سكان مخيم اليرموك، من الفلسطينيين والسوريين على حدٍ سواء، فهذا الفعل بات صفة راسخة ملتصقة بجيش الأسد والميليشيات المتحالفة معه، ومن تابع مسيرة هذا الجيش في القضاء على السوريين والفلسطينيين، الذين خرجوا عن صمتهم لعقود ليقولوا: لا، ورأى مشاهد سرقة أملاك الناس، دون تمييز بين مؤيد ومعارض، في كل مكان وصلت له الدبابات ، لن يتوقع قيام أزلامه بفعل مختلف في مخيمي فلسطين واليرموك في جنوب دمشق.

لقد خضع المخيمان ومعهما منطقة الحجر الأسود لحكم عدة تنظيمات مسلحة، تصارعت فيما بينها تارة، وتصارعت متحدة ومتفرقة في فترات لاحقة مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

ولكن العودة لبداية قصة المخيم في يوميات الثورة السورية، توضح كيف جرى العمل على تفريغ المنطقة من سكانها الفلسطينيين بغالبيتهم، بعد أن تركها النظام فجأة عبر الإخلاء الأمني المباغت في منتصف شهر كانون الأول في العام 2012، وساعد التنظيمات المتطرفة لتقوم بطرد كل من انتمى لخط الثورة المدنية الديموقراطية من المدنيين، وطرد كل من عمل مع الجيش الحر من العسكريين، لتعيث في المنطقة، وتضطهد سكانها بهدف إفراغها منهم،

كل ما حصل ويحصل هنا، جرى تحت مرأى وسمع حلفاء النظام من الممانعجية الفلسطينيين

سوى بضعة مئات من العائلات رفضت المغادرة فباتت رهينة فاشية المتطرفين وقصف الأسد والموت جوعاً إثر الحصار، وقبل كل هذا تحولت إلى دريئة يُطلق الممانعون الفلسطينيون عليها نيران اتهاماتهم؛ بأنها "عائلات متطرفة"، أو "بيئة حاضنة" للإرهابيين تستحق ما يجري لها!

هذا السيناريو، تكرر وبالدقة ذاتها في العديد من المناطق السورية، التي خرجت عن سيطرة قوات النظام، وانتهى بمشاهد تعفيش مشابهة لهذه التي نراها اليوم في مخيمي اليرموك وفلسطين والحجر الأسود، ولكن الإضافة التي تستحق أن يشار لها هنا تتأتى من أن كل ما حصل ويحصل هنا، جرى تحت مرأى وسمع حلفاء النظام من الممانعجية الفلسطينيين، الذين تحولوا خلال تسويغهم لعلاقتهم معه، من مجرد حلفاء إلى أزلام! ينتمون إلى الطينة ذاتها التي يتشكل منها حثالة النظام الذين يجوبون المناطق الخالية من سكانها، ليسرقوها،

ألم تُزج التنظيمات الفلسطينية وجيش التحرير في معارك النظام في كل المناطق السورية؟ ألم تكن هذه التنظيمات حاضرة على تخوم المخيم في كل سنوات الحصار المرير؟

وبينما يفعل الأسدي السوري هذا ضمن وظيفته عند النظام، يفعل الأسدي الفلسطيني الفعل ذاته، في سياق الارتزاق والارتهان للجهة ذاتها، ولكنه في المحصلة قد لا ينتبه إلى أن ما يفعله هنا لا يخدم نظام الأسد فقط، بل يخدم إسرائيل أيضاً!

كيف يمكن تصديق أن عملية تدمير المخيم بقيمته المادية بوصفه عاصمة للشتات الفلسطيني وبقيمه الرمزية والمعنوية، التي طالما أقلقت العدو الإسرائيلي فتوعده شارون بيوم، والتي جرت خلال السنوات السابقة عبر القصف والحصار، كانت تتم فقط على يد قوات الأسد، ألم تُزج التنظيمات الفلسطينية وجيش التحرير في معارك النظام في كل المناطق السورية؟ ألم تكن هذه التنظيمات حاضرة على تخوم المخيم في كل سنوات الحصار المرير؟ ألم تكن شاهدة على قيام الدواعش بتحطيم شواهد قبور شهداء الثورة الفلسطينية، بعد أن طال المقبرة قصف متعمد (لا تخفى دوافعه ودلالاته) من قبل قوات الأسد!

كيف يمكن لنا التفريق بين سوري يعفش البيوت هنا وهناك، وبين فلسطيني يقاتل في صفوف فيلق القدس أو جيش التحرير أو إحدى التنظيمات الفلسطينية الحليفة للأسد، هل ثمة من يستطيع نفي تهمة تعفيش بيوت المخيم عن هؤلاء؟

ما يجري تعفيشه في المخيم الفلسطيني، في قائمة أولية: الشوارع، المحلات والمتاجر، قاعات المراكز المدنية الفلسطينية، مكاتب الجبهات الثورية، البيوت؛ الأغراض المعيشية، المكتبات، الذاكرة، المفاتيح، صور الشهداء التي سقطت من على الجدران بفعل القصف، صور المدن والقرى الفلسطينية.. و.. و.. وفلسطين.