شرف الديكتاتور

شرف الديكتاتور

الصورة
لقاء بين "الأسد" و"البشير" في دمشق (أرشيف - إنترنت)
30 كانون الثاني 2019

كم هو قاسٍ هذا النظام الإقليمي، وكم هي مُفجعة هذه الدراما الطاغية في أجواء الشرق! يتصبّب رئيس مصر الكنانة عرقاً أمام صحفيّ مخضرم، لم يعرف كيف يجب على أسئلة عرّته، وعكس ما حاول أن يبدو، ظهرَ عاجزاً وقزماً، وبالضدّ مما أراد، أزكمت أنوفَ العالمينَ رائحةُ دماء ضحاياه التي حاول غسل يديه منها فلم ينجح، ولن ينجح.

يزور رئيس أميركا جنوده في قاعدة عسكريّة، تقبع في أرض نبوخذ نصّر، دون أن يُعلم أحداً من زعماء الصدفة، فيلتزمون الصمت المطبق، ولا ينبس أحدٌ ببنت شفة. كذلك يأتيهم بطلُ ماراثون المفاوضات النوويّة ليعلن من فوق ذات الأرضِ ما على العراق العظيم أن يفعله وألّا يفعله، وما نوع الإتاوات المفروضة التي يدفعها للمحتلّ الإيراني.

يقف القاتلُ في آخر صفّ بين زعماء العالم، يتحاشون النظر في عينيه، ويتحاشون مصافحته علانيّة، فدماءُ الأبرياء لا يغسلها المالُ وإن تدفّق إلى جيوب شركات دولهم بالسر.

يزور مُقسّم بلده ومجوعُ شعبه، من دمّر بلداً بأكملها وهجّر نصف شعبها ويقبض على أرواح النصف المتبقّي منهم

يزور مُقسّم بلده ومجوّع شعبه، من دمّر بلداً بأكملها وهجّر نصف شعبها ويقبض على أرواح النصف المتبقّي منهم، فلا الأوّلُ يملكُ ما يقدّمه للثاني سوى استجداء مساعدات من حليفهما المُفلس أصلاً، ولا الثاني يملك ما يعطيه للأوّل سوى نصائح كيماويّة وأخرى براميّلية.

يستجدي جنرالٌ مهزوم بلباس النوم زملاءه الملعونين من شعوبهم، كي يحضروا قمّة لا رِفعَة فيها ولا مكسب، فمن سيزور بلداً يحكمها صبيّ المرشد من جحره، مانعاً تشكيل حكومة فوق حكمه!؟

يحكم شخصٌ كالمومياء من خلف الكفن شعبَ المليون شهيد، فلا هو بميّت ليُريح الناس فيبحثون عن الخلاص من بعده، ولا هو بحيّ ليعرفَ الناسُ أيّ طريق يسلكون ليخرجوا من هذا النفق!

خارطةٌ مرسومة بالدماء وبالعفن، ولمَ لا، إن كان المُرادُ منها أن تُظهر عنصريّة أبناءَ العمّ إسحق وكأنّها مزاحٌ لا أكثر؟ لمَ لا تدوم عرائسُ الدُمى هذه إن كان المطلوبُ منها تأبيد أبشع احتلال استيطاني عرفته البشريّة؟

في سبيل التعميّة عن جرائم سلب الجزء، لا بدّ أن يكون هناك ما هو أكثرُ هولاً وأشدّ وطأة، يجب تدمير الباقي من الكلّ. كيف سيستقيم بقاء الحال على ما هو عليه إن كان لدى البشر متّسعٌ من الوقت للتفكير؟ ألن تصيب العدوى الجميع عندئذٍ، ما الذي سيمنعهم وقتها من البحث عن طريق الخلاص من أسباب العبوديّة والبؤس القابع كالبازلت على صدورهم؟ وجود الديكتاتور كان المدخل لكلّ هذا الدمار، واستمرار وجوده، شرط لبقاء الحال على ما هو عليه.

لا شرعيّة للمستبدّ، لأنّ الشرعيّة نتيجة لإرادة الناسّ الحرّة، لتفاعلهم، لاختيارهم، لتكليفهم، لقبولهم، وعند عجزه عن تحقيق ذلك، يلجأ إلى العنف والقمع لإسكاتهم. ولأنّه لا يُنسبُ إلى ساكتٍ قولْ، فإنّ الديكتاتور لا يقبل بالصمت، بل يجبر الناس على قول عكس ما يريدون ويرغبون، ويجبرهم على القيام بما يتنافى مع معتقداتهم ومصالحهم وقيمهم.

بانتفاء الشرعية الداخلية التي هي المنبع والمصدر، يسعى المستبدّ إلى اكتساب قبولٍ وشرعيّةٍ من الخارج

بانتفاء الشرعية الداخلية التي هي المنبع والمصدر، يسعى المستبدّ إلى اكتساب قبولٍ وشرعيّةٍ من الخارج، وهناك حيث لا يمكنه ممارسة العنف، لأنّه ببساطة لا سلطة له ولا قدرة على مواجهة الأعنف منه، فإّنه يصبح ذليلاً مطواعاً كعبدٍ رضعَ الخنوعَ وشبّ عليه. هنا تجده يتوسّل كي يبقى، ويبيع ما يمكنه بيعه، ويتنازل عمّا يملك وعمّا لا يملك.

تنازل السادات عن الحقّ، كي يستردّ الأرض ويحظى ببعض الشرعيّة، بينما تنازل السيسي عن الحقّ والأرض والكرامة، وداس على الشرعيّة كي يستلم الحكم على أنقاضِ مصر وعلى حُطامِ شعبها. تنازل حافظ الأسد عن الجولان ليستلم الحكم، ثمّ تنازل عن لواء إسكندرون ليستمرّ به، بينما دمّر وريثه سورية بأكملها وتنازل عمّا بقي منها، ليستمرّ في قصره صاغراً ذليلاً، يستجدي عطف المرشد والقيصر وغيرهما من جلاوزة العصر والزمان.

المستبدّ غبيّ بطبيعته، أبداً لا يمكن أن يكون الديكتاتور ذكيّاً، لا يمكن أن يكون عبقريّاً ولا عالماً ولا أديباً ولا فيلسوفاً ولا مفكّراً ولا حكيماً، الديكتاتور لا شيء على الإطلاق، إنّه مجرّد أداة أو وسيلة لتحقيق غاية، مثله مثلّ دابّة الركوب أو الجر. من يهدم صروح القوّة في بلده لا يمكن أن يكون قائداً أو سياسيّاً، أو حتى إنساناً سويّاً.

لأنّ الديكتاتور لا يأمن على نفسه في الداخل، فهو يعملُ على نقل ما ينهبه إلى الخارج، وبهذا يصبح أداة لتفريغ البلد من الثروات والقدرات. ولأنّه كذلك، فإنّه يحظى بدعم وحماية ورعاية أصحاب المصالح.

لمَ سيفكّر أصحابُ البنوك والشركات الكبرى، ومن خلفهم حكومات البلدان التي تمثّلهم وتحمي مصالحهم، بتغيير الحكّام المستبدّين في العالم؟ أو على الأقلّ لمَ سيقفون على الحياد عندما تحاول شعوبُهم الإطاحة بهم؟ إن فعلوا ذلك سينقطع موردٌ هامٌّ من موارد تعزيز نفوذهم وثرواتهم.

عمدت أميركا ومخابراتها إلى دفع حسني الزعيم للقيام بانقلابه

رفض البرلمان السوري عام 1947 بنود اتفاقيّة التابلين (TAPLINE) (Trans-Arabian Pipeline) والتي تعني بالعربية "خط الأنابيب عبر البلاد العربية" من الأراضي السورية، فعمدت أميركا ومخابراتها إلى دفع حسني الزعيم للقيام بانقلابه، وكان من أوائل المراسيم التي وقّعها، هو ذاك المتعلّق بهذه الاتفاقيّة.

كتب شمس الدين العجلاني في صحيفة الوطن، عدد يوم الإثنين 18-07-2016- تحت عنوان، التجارب الأولى للمخابرات المركزية الأمريكيّة في سوريا:

(تمكّنت أرامكو بمساعدة وزارة الخارجية الأميركية من تأمين حقوق المرور اللازمة من كل من لبنان والأردن والسعودية، بيد أن المفاوضات مع سوريا وصلت إلى طريق مسدود في كانون الأول من عام 1946 م، ونتيجة التهديدات المبطنة لشركة أرامكو، خضع رئيس الوزراء السوري آنذاك (حسب رواية دوغلاس ليتل 1990 م) للتوقيع بالحروف الأولى في شهر أيلول من عام 1947م على مسودة امتياز لأرامكو، ولكن البرلمان السوري كان بالمرصاد لهذه الاتفاقية المجحفة بحق سوريا، وقضى على أي فرصة لإقرار الامتياز للشركة الأميركية.. موقف البرلمان السوري من قضية خطوط النفط (التابلاين) كان السبب الرئيس للمخابرات المركزية الأميركية لقيامها بدعم حسني الزعيم للقيام بأول انقلاب عسكري في سورية وتوقيعه بعد ذلك منفرداً اتفاقية (التابلاين) حسب ما روى دوغلاس ليتل الأستاذ في جامعة كلارك الأميركية، في مقالته التي نشرها عام 1990 م في مجلة (ميدل ايست جورنال) فيقول: عندما كشف مايلز كوبلاند، أحد المختصين بالشرق الأوسط في وكالة المخابرات المركزية الأميركية سابقاً، عن أنه هو والملحق العسكري الأميركي بدمشق الميجور ستيفن ميد، دبّرا انقلاب آذار 1949 الذي أطاح خلاله رئيس الأركان حسني الزعيم بالقوتلي والعظم، اعتبر معظم المراقبين ادعاءاته على أنها كلام «بهورة» بيد أن السجلات التي رفع الحظر عنها مؤخراً تؤكد أن ميد اجتمع سراً اعتباراً من 30 تشرين الثاني 1948 مع الزعيم حسني الزعيم ست مرات على الأقل لبحث «إمكانية قيام دكتاتورية يدعمها الجيش» والظاهر أن المسؤولين الأميركيين أدركوا من البداية أن حسني الزعيم كان من طراز دكتاتوري «جمهوريات الموز» وأنه «لا يملك كفاءة عريف فرنسي» ولكنهم كانوا يعرفون أيضاً «موقفه الشديد العداء للسوفييت» واستعداده لبحث السلام مع إسرائيل، ورغبته في الحصول على مساعدة عسكرية أميركية). 

أيهما أسهل إذن، أن تتعامل مع حاكم شرعيّ وشعبٍ حرٍّ ونوّاب أحرار مُقتدرين، أم مع فردٍ مهزوز فاقد لكلّ قيمة ولكلّ شرعيّة وكيان؟ لهذا نجدُ حكومات الدول الفاعلة والمؤثّرة كلها، قد وقفت مع الحكّامِ ضدّ شعوبهم، من أميركا اللاتينيّة والجنوبيّة إلى أفريقيا إلى آسيا. يجب أن تبقى شعوب هذه المناطق محكومة بالاستبداد والفساد، كي تبقى خزائن الشركات العابرة للقارّات عامرة بالذهب، وأرصدتهم ملأى بالأرقام. لا يترك المستبدّ في البلد تحت سيطرته أي مجال لاستمرار الحياة الطبيّعية الكريمة الشريفة، لأنّه لا يترك مجالاً للإنسانيّة ولا للإنسان.

ولأنّ الشرفَ قيمة يصنعها المرءُ، باجتهاده، بعلمه، بأدبه، بعمله، بإخلاصه، بإنسانيّته، بقبوله من الآخرين، بما يقدّمه ويعطيه ويضيفه، لا بما يأخذه، أي بالشرعيّة الممنوحة له من أهلها، فلا شرف للديكتاتور.

شارك برأيك