شجرة – صخرة: القراءة المتوحشة

تاريخ النشر: 22.11.2021 | 05:17 دمشق

يكاد يُجمع الخطاب المدني للحضارة العالمية، اليوم، على مبادئ عالمية عامة، وتوجهات غايتها حماية الإنسان، والحفاظ على كرامته، ومن بين هذه التوجهات الإنسانية مناهضة العنف، الذي غالبا ما يتم تصنيفه كسلوك سلبي يُمارس من قبل جهة إنسانيّة ضد جهة إنسانية أخرى، فيما تتم مناهضة العنف ضمن عناوين سلوكيّة متوقّعة وعامّة، كمناهضة العنف الممارس ضد المرأة، أو ضد الطفل، أو ضد اللاجئين أو المساجين..

في الاتجاه ذاته تراعي السياسات التعليمية للدول الأعضاء الالتزام بمناهضة العنف، خلال المناهج التربوية الرسميّة للدول، وتُعنى به كأحد الأهداف العالميّة للسياسة التربوية.

بدورهم يعمل المنتجون في مجالات: الفكر، والفن، والأدب على معالجة ظاهرة العنف بالتشريح، والكشف عن مخبوء أسرارها، وملاحقة نماذجها، فلا نزال نقرأ رواية أو نشاهد عملا فنيّا، يتناول ظاهرة العنف من خلال طرح نموذج لها، أو أكثر للنقد، ونادراً ما تقع الأخطاء ضمن هذا التوجّه، التي إن حدث ووقعت فإن سيلا من النقد اللاذع سينصب على المتسبب بوقوعها باعتباره منحرفاً عن التوجه العام ومصدرا للخلل، وربما أوصل الخطأ مرتكبه إلى أبعد من النقد اللاذع، خاصة في الدول المستقرة التي يحكمها القانون.

ويمكن، في هذا المجال، رصد ظاهرة ماتزال مبشرة إلى حد ما، وإن اختلفنا في تحديد الجهة المسؤولة عن العنف إلا أننا متفقون، حتى الآن، بنسبة ما، في الخطاب الرسمي للدول المستقرّة، على نبذ العنف كظاهرة.

ألا يمكننا البحث عن ظاهرة العنف في مستوى محايد، وأكثر موضوعية، بحيث يمكن أن نعثر على مصدر للعنف لا علاقة له بميولنا الدينية أو الإثنية ولا حتى طبقتنا الاجتماعيّة؟!

على أن هذا الرفض لظاهرة العنف يظل يشوبه بعض القلق حيال التناقض الذي يمكن أن يصدر عن تعدد القراءات الثقافية للمشهد -بحسب توجهاتنا أو ميولنا السياسية، أو ربّما أهوائنا- فما يراه بعضنا عملا مشروعاً قد يراه آخرون تخريبا، وربّما وقفنا على كثير من الاختلاف في تقييم شخصيّة تاريخية أو واقعية، مثلا، بين وصفين متناقضين: بطل / قاتل، استنادا إلى تبرير أو عدم تبرير فعل عنيف!

لكن، في المقابل، ألا يمكننا البحث عن ظاهرة العنف في مستوى محايد، وأكثر موضوعية، بحيث يمكن أن نعثر على مصدر للعنف لا علاقة له بميولنا الدينية أو الإثنية ولا حتى طبقتنا الاجتماعيّة؟!

لبلوغ مثل ذلك المستوى من البحث لابد لنا من الابتعاد عن التشخيص، وتوخي الحيادية، لمحاولة اكتشاف أنساق ثقافية مضمرة قد تكون مصدرا من مصادر العنف يمكننا الوقوف عليه والتثبت منه..

وفي حين يعتمد علماء الطب التجريبي على بعض الكائنات الحيّة، كالحيوان أو النبات، لإجراء تجارب تكون الغاية من ورائها الإنسان، فإنّنا، مثلهم، سنحاول الاعتماد على الطبيعة كموضوع محايد، قابل للتحديد والمراقبة، والاعتماد على مؤشر البحث (غوغل) كأداة بحث محايدة، إلى حد ما، للوصول إلى تصورات الإنسان، متعدد الأعراق والأجناس والمعتقدات، عن الطبيعة، ولتلمس مفاهيمه الاجتماعية بعد ذلك.

لذلك سندخل إلى مؤشر البحث: (غوغل)، ثم نكتب التالي: (شجرة وصخرة)، ثم نطلب من غوغل البحث بحسب خاصية الصور، ثم لنحاول قراءة التعليقات التي ترافق مشهد الصور المتكررة للخيار الذي قدمه (غوغل) ذاته بديلا عن طلبنا الأول (شجرة صخرة) بـ: (شجرة تنبت في صخرة).

يتميز الخطاب العلماني عن الخطاب الإيماني بأن الثاني، في سبيل صياغة تعليق على الصورة، فإنه يستعين بمفردات دالة على توجهه في التعليق على المشهد، من مثل: (الذي أخرج هذه الشجرة من الصخرة قادر على أن يزيل همّك وكربك).. إذ ينسب صاحب التعليق، غالبا، فعل (الإخراج) إلى الله عز وجل، فيما يتمثل هو كإنسان مكروب ومحزون و.. دور الشجرة، التي وقعت في الضيق، فأخرجها الله تعالى منه.

التعبيرات المؤمنة غالبا تستخدم حقلا دلاليّا للتعبير عن الضيق كمرادف للحزن أو الفقر أو السجن ونحو ذلك، يقابله فرج ما، وتنسب فعل الفرج لله عز وجل.

لكن السؤال الأوّلي الذي لابدّ منه: هل الشجرة، في الصورة، تشعر بالضيق بالفعل؟! وهل الصخرة كانت بالنسبة للشجرة مصدر ضيق؟! إلى أي حد يمكننا اعتبار هذه القراءة للطبيعة قراءة موضوعيّة؟

على نحو مقابل فإن لغة علمانية ستصف المشهد بتعليق من مثل: (مهما تكن العقباتُ فمع الإصرار تتجاوزها وتحقق النجاح)، حيث تمثّلُ الصخرة عقبة، عائقا، ضداً نجحت الشجرة في اجتيازه، كسره، تحطيمه..  فيما تمثّلَ كاتب التعليق، وقارئه المعجب به، غالبا، دور الشجرة!

نعيد طرح السؤال: هل كانت الصخرة بالفعل عائقا أمام الشجرة، وهل الشجرة قاتلت الصخرة حتّى تغلّبت عليها؟ وهل العلاقة بين مكوّنات الطبيعة هي علاقة صراع!

إلى أي مدى كانت اللغة موضوعية، وقبل ذلك، إلى أي مدى كان التصور مقارباً للحقيقة.!

هل كانت القراءتان السابقتان قراءتين مختلفتين.. أم أنهما متفقتان من حيث التصوّر الأولي للعلاقة بين المكونات الطبيعيّة (شجرة، صخرة)!

في كتابه: (وعي الحداثة) يقول الدكتور سعد الدين كليب من صفحة 29: (تلك هي الخلفية الفلسفية للوعي الجمالي الحداثي. حيث راح هذا الوعي يتسم بآلية ذهنية تجادلية، ترى العالم في وحدته القائمة على التناقض والصراع..). فإن كان الوعي الحداثي كذلك، فكيف اتفق خطابان يُفترض أنهما مختلفتان سياسيّاً، وعقائديّاً، أعني، الخطاب الإيماني والخطاب العلماني الحداثي، على صبغة الصراع في قراءة المشهد؟!

 وهذا إن كان رصداً قريبا من الموضوعيّة فهو يجعلنا نقول إن الإيمانيّين قد قبلوا الحداثة، بل ومارسوها، بلغة موازية.

وقد يرد اعتراض بالقول: لماذا لا يكون الصراع بين الشجرة وبين الصخرة حقيقة موضوعيّة، وقد تناولها الطرفان كل بلغته! هذا وارد بالفعل. إلا أنّنا لم ننكر أن الضدّية هي إحدى مزايا الطبيعة، لكن ثمة فرق بين كونها إحدى مزايا الطبيعة، وبين أن نقرأ الطبيعة كلّها تبعاً لهذي المزيّة (الضدّية).

يقول الدوقلة المنبجي في وصف ملاحة وجه محبوبته:

الوجهُ مثلُ الصبحِ مبيضٌّ   والشعرُ مثلُ الليلِ مسودُّ

ضِدّان لمّا استُجمِها حسنا والضدُّ يظهرُ حُسنَه الضدُّ

يمكن للضدية أن تنتج جمالا، كما يمكنها أن تنتج قبحاً، لكنها قد لا تكون كافية وحدها، لتكون المصدر الوحيد لوعي الجمال، أو لوعي القبح، إن ذلك لا يعفينا من ضرورة مراجعة المشهد، والسؤال عن الحقيقة، فقد لا تكون آلية (الصراع) مفسرة للمشهد فحسب، بل ربّما كان لها دور في إنتاجه أيضا، إنّ ثنائية: (شجرة، صخرة) يمكن أن تكون: (إنسان، طبيعة) فتؤدّي إلى عتبة لا أخلاقيّة ولا واعية لتبرير عنف الإنسان ضد الطبيعة ذاتها المتمثلة بصورة الشجرة والصخرة معاً، كما يمكن أن نترك هذا التصور الأولي أثرا على قراءة الثنائيات التالية: (إنسان، إنسان) ،  (الذكورة ،الأنوثة) أو بين الأجيال المتعاقبة، كـ (الأم وطفلها) مثلا.. ومثل ذلك في علاقة ثنائية قد تكون على تماس مباشر وواسع مع ظاهرة العنف، كالعلاقة تجاه الآخر طائفيّا، أو دينيّاً، أو عرقيّا.

إنّنا في ظل هذا التصوّر الأولي عن طبيعة الحياة قد لا نكون مجرد واصفين لمشهد العنف، بل منتجين محكومين بتصورات حتميّة قبلية، لها بالغ الأثر في إعادة إنتاج العنف، واللطيف أن موروثنا الفقهي يحمل إشارة مشابهة تقول إن: (الحكم على الشيء فرع عن تصوره)!

بالكشف عن نسق محرّض على الصراع والعنف بطبيعة الحال، لا ننفي أن الصراع يمكن أن ينتج عن عوامل أخرى كثيرة واقعية، وملموسة كالفقر، والبطالة، والشعور بالخطر أو الذل والمهانة

في سياق تعليقه على كتاب صراع الحضارات لـ (هنتنغتون)، يقول المفكر (أمارتيا سن) صاحب كتاب: الهوية والعنف، في الصفحة 178 منه: (عندما قُـدِّمت نظرية صراع الحضارات كان الهدف هو تعريف ما هو مدرك باعتباره حقيقة واقعة...) لكن ما الخطير في ذلك يا (أمارتيا)، إذا كان الأمر يقتصر على مجرّد إدراك خاطئ... يضيف أمارتيا: (ويرى المنظّرون أنهم يكتشفون صراعا، وليس يخلقون صراعا أو يضيفون إلى صراع!).

وبكل تأكيد إنّنا بالكشف عن نسق محرّض على الصراع والعنف بطبيعة الحال، لا ننفي أن الصراع يمكن أن ينتج عن عوامل أخرى كثيرة واقعية، وملموسة كالفقر، والبطالة، والشعور بالخطر أو الذل والمهانة، بل ربّما يصدر عنف نتيجة خلل دماغي أو سوء خُلق، لكن ذلك كله يمكن رصده ونسبته إلى مسببات مباشرة دون أن يمثّل خللا سيميائيّا مربكاً في قراءة المشهد الطبيعي والاجتماعي والسياسي.

قد لا تكون قراءة مشهد: (الشجرة والصخرة)، بمفردها كافية لإعادة قراءة المفاهيم، والحذر من توحش قراءة عنيفة، لكنها محاولة للبحث في موضوع العنف في مستوى يسبق الاشتباك الديني، أو العرقي، أو غيرها من ميادين الاختلاف والتنوّع، وربّما نعيد قراءة التعدد بطريقة أقل عدائية، ونقدّر الاختلاف بأسلوب منتج لكلا المختلفين إن أمكن ذلك، لمَ لا!

كلمات مفتاحية