شبهات حول «الإصلاح الإسلامي»

شبهات حول «الإصلاح الإسلامي»

الصورة
08 نيسان 2019

كان الشيخ أحمد حسون أكبر عمامة شاركت في مؤتمر عن العلمانية عقد في دمشق قبل الثورة بسنوات قليلة. كعادته، التقط النغمة المطلوبة وعزف عليها مقدّماً للموجودين ما يطربون لسماعه؛ إسلاماً مستنيراً ومنفتحاً قدر ما يريدون وأكثر. بدورهم، لم يهتم الحضور، وأكثرهم مثقفون نزيهون وسجناء يساريون سابقون وأصحاب قضايا عامة، لدرجة استقامة المتحدث على المنصة بصوت عال ولغة لعوب، فقد غلبت رغبتهم في هذا النمط من الخطاب على محاكماتهم المعرفية والأخلاقية.

للتنوير الإسلامي (السنّي) ثلاثة آباء متعاقبين ثم متضافرين، ليس بينهم الجمهور المسلم نفسه، ويا للغرابة! فكما هو معروف، ولد هذا التيار بشكل نخبوي في قصور السلاطين نتيجة حاجة الإمبراطورية العثمانية إلى التحديث في مختلف المجالات، يوم كان رعاياها بعيدين تماماً عن الشأن العام قبل نشوء الصحافة والأحزاب. وتكاد تنطبق الصورة نفسها على تجربة تنويرية مكثفة ومؤثرة قادها محمد علي باشا، حاكم مصر الشهير الذي وسّع ابنه إبراهيم باشا الإصلاحات إلى الشام.

من القاهرة أيضاً ستبدو ملامح أب ثان للتنوير الإسلامي، والعام؛ وهو الاستعمار. منذ اهتمام نابليون، في حملته القصيرة ولكن المفصلية، بتنظيم شؤون الأزهر، وحتى دعم اللورد كرومر، أول معتمد بريطاني في مصر، لإصلاحات الشيخ المفتي محمد عبده في هذه المؤسسة الدينية ذات التأثير الذي يتجاوز حدود جغرافيتها.

هكذا وجدت البيئة المشيخية الإسلامية السنّية، وحاضنتها العريضة، نفسها أمام استحقاق للتطوير لم ينبع من داخلها في الأصل، رغم أنه فرض نفسه عليها بالتدريج بنسبة أو بأخرى لاحقاً، بل جاءها بقوة الخارج؛ من الاستعمار ودوله وقيمها التغريبية، ومن حاملي هذا الاستحقاق في الداخل

أما الأب الثالث فسيكون محلياً ولكن من أبناء الخؤولة. وسيتمثل في الأقليات التي كانت الحامل البشري، الثقافي والاجتماعي والسياسي، لمشروع تنوير مجتمعات المشرق، منذ مسيحيي سوريا الكبرى، وضمنها لبنان، وحتى الأقليات الإسلامية التي رفدت الأحزاب الماركسية والقومية بجزء كبير من كوادرها، خاصة في البدايات.

هكذا وجدت البيئة المشيخية الإسلامية السنّية، وحاضنتها العريضة، نفسها أمام استحقاق للتطوير لم ينبع من داخلها في الأصل، رغم أنه فرض نفسه عليها بالتدريج بنسبة أو بأخرى لاحقاً، بل جاءها بقوة الخارج؛ من الاستعمار ودوله وقيمها التغريبية، ومن حاملي هذا الاستحقاق في الداخل؛ السلطات العلمانية ذات القمع، والمثقفين العلمانيين في الأحزاب التقدمية ذات المشروع.

أغرت هذه الصورة كثيرين بتبسيط الأمر إلى أن يصبح مجرد «مؤامرة خبيثة» تتشارك فيها هذه الأطراف، وتتبادل الأدوار، للسيطرة على «الأمة» وإفساد دينها. صدر هذا النوع من التحليل من أطراف سنّية متباينة جداً، بدءاً من مشايخ الأزهر، أبناء وآباء بنية التمذهب الفقهي والميل الصوفي، وحتى السلفية الجهادية.

الأمر أعقد من ذلك في الحقيقة، وهو ينبع من سياقات موضوعية أساساً، كما أنه حسن النية في أغلب الأحيان. يأخذ المثقفون العرب أفكارهم وتوجهاتهم من الغرب، وهذا معتاد عند أي اختلال في موازين الحضارة. وهم يتبنون هذه الآراء ويترجمونها ويؤلفون فيها ويقيمون الأحزاب عليها لأنهم يرون أنها سبيل النهوض بمجتمعاتهم/مجتمعاتنا. ونقصد بالغرب هنا شقّيه اليساري والليبرالي. وحين تنتشر هذه الأفكار والتيارات في أوساط طائفية أكثر من سواها فلأن هذه الجماعات تملك خوفها الخاص، المحقّ أو المبالغ فيه، من الأخ السنّي الكبير والفظ، منذ اعتبارهم ذميين وحتى «بالذبح جيناكم»!

بدورها، كانت دول الاستعمار التقليدي ترى في نشر قيمها جزءاً من مهمتها «التمدينية»، ووسيلة لتجفيف محاضن الثورات القائمة على الهوية. ومع تراجع الاحتلال المباشر صار همها درء حصول 11 أيلول جديد على أراضيها أو تفجيرات في محطات المترو. ومن هنا بات ما يحصل في ساحة الفكر الإسلامي وتياراته جزءاً من اهتماماتها «الداخلية».

أما الحاكم «المسلم» فقد وعى، في غالب الأحيان، أنه لا يمكن أن يقود دولته خارج سياق العالم، وأن إدخالها في التاريخ من جديد يتطلب تبيئة كثير من المفاهيم والبنى الخارجية. وطالما كانت الكتلة التقليدية الإسلامية شوكة، أو غصة على الأقل، في حلقه. ولذلك هو يحاول تفكيكها وتقليمها والتحكم فيها بوسائل مختلفة، من الإعدامات والسجون وحتى تقريب مشايخ البلاط، مروراً بدعم الحركات الدينية «المستنيرة».

يحصل تعاون بين هذه الأطراف الثلاثة، ولا شك، وقد تحدث صفقات قذرة. قد يضع المثقف العلماني نفسه في خدمة الحاكم الذي يريد استيراد كل شيء من الغرب عدا الديمقراطية وما تأتي به. وقد تدعم دولٌ غربيةٌ انتخاباتٍ مزورة أو انقلاباً عسكرياً وقمعاً ضد إسلاميين

يحصل تعاون بين هذه الأطراف الثلاثة، ولا شك، وقد تحدث صفقات قذرة. قد يضع المثقف العلماني نفسه في خدمة الحاكم الذي يريد استيراد كل شيء من الغرب عدا الديمقراطية وما تأتي به. وقد تدعم دولٌ غربيةٌ انتخاباتٍ مزورة أو انقلاباً عسكرياً وقمعاً ضد إسلاميين. كما أن هذه الدول لا تخفي دعمها لمنظمات مجتمع مدني محلية تعمل على نشر أفكار أو قيم متوافقة مع الغرب. يحدث هذا، لكنه ليس مؤامرة بسيطة مكتملة الأركان كما يريد بعضنا أن يرى، بل يأتي في سياقات معقدة ومتداخلة يمكن تحليلها والتأثير عليها. لكن هذا موضوع آخر، ولنعد إلى المصلح الإسلامي وظروف تكونه.

يولد المسلم «المستنير» من رحم المؤسسة الدينية ونظامها المشيخي عادة. وفي طريق نموه وتطوره قد يتراجع إيمانه بما تقدمه، وقد يكتشف آفاقاً أوسع من الأفكار. ومن جهة أخرى قد يضيق بالجبة والعمامة ويطمح في مساحات أوسع في «الدنيا»، لا سيما وأن دخوله هذا السلك من التعليم ونمط الحياة غالباً ما يكون نتيجة اختيار الأهل في عمر مبكر، ومع اشتداد عوده يزداد لديه الميل إلى التحرر من الأب. ولأن عدّته الثقافية والشكلية هي البضاعة الشرعية نفسها لم تتغير ولن تتغير، فإنه يجد الطريق الوحيد لتسويقها سالكاً إلى أحد آباء التنوير الثلاثة، قبل أن يتعلم التقلّب والتنويع بينهم.

تختلط هنا مياه المصلحين المسلمين بشكل يغيم معه المشهد. إذ يحتاج المجدد الصادق إلى منابر يطرح أفكاره عليها، وهي بيد المثقفين العلمانيين والسلطات المحلية، وإلى طباعة كتبه ونشر أفكاره، وهو ما يمكن أن تقدمه الحكومة أو منظمات مدعومة غربياً، وإن صادم جمهوره إلى درجة حادة قد يحتاج إلى الحماية التي توفرها السلطة أو إلى اللجوء الذي يمنحه الخارج. غير أن «المصلح» المحتال يتقن هذا الدور أكثر، وبذريعة الأسباب السابقة كلها قد تراه يتنقل خلال يوم واحد من زيارة مكتب ضابط أمن إلى إلقاء محاضرة في أمسية ثقافية إلى حضور حفل استقبال في سفارة!!

مشروع التنوير الإسلامي «مشبوه» موضوعياً إذاً، بحكم الظروف التي صاحبت ولادته. على المصلح الحقيقي أن يعي هذا دون أن يتذمر، فهذا جزء آخر قاس من قدره، وعليه اتخاذ إجراءات وقائية لضمان استقامته و«درء شبهات» تعاونه وتحالفاته التي ينبغي أن تكون شفافة. وعلى المثقفين العلمانيين ألا يتدخلوا لتنصيب معممين «نصّابين» لقيادة الجمهور السنّي ودرء خطره المفترض. ببساطة لأن هؤلاء لن يقودوا هذه الحاضنة التي لا تثق بهم أوتوماتيكياً وستتركهم لمستقبلهم المحتوم؛ مفتين حسب الطلب في بلاط حاكم «علماني» مستبد، أو كُتاب مقالات لن يقرأها سوى ماركسيين وقوميين متقاعدين في المهاجر البعيدة.

شارك برأيك