شبح الحرب حول شرق الفرات

شبح الحرب حول شرق الفرات

الصورة
التعزيزات العسكرية التركية على الحدود السورية شرق الفرات (الأناظول)
17 تموز 2019

شفان إبراهيم

كاتب صحفي وأكاديمي كُردي حاصل على الماجستير في

تسعى تركيا لتكون أكثر الدول تأثيراً في ملف شرق الفرات عبر إدارة المنطقة الآمنة، وتتلاصق معها بحدود قرابة550 كلم من عين ديوار إلى كوباني (عين العرب)، لكنها تجد نفسها حائرة ما بين الحلف الأمريكي أو الروسي، وهي –تركيا- الساعية لحماية أمنها القومي الذي تحصره بإيجاد مساحة جغرافية كبيرة تكون خالية من أيّ وجود للأجنحة الأمنية والعسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي.

 وتحتار تركيا ما بين منطقة آمنة برعاية أميركية، وهذه الأخيرة ساعية لإيجاد توافق ورضا طرفي الحدود /تركيا، والاتحاد الديمقراطي/. أو مدارة روسيا كونها شريكة في أستانا، وهو العائق الجديد أمام تركيا، إذ ترغب روسيا بعودة كاملة لسيطرة النظام على شرق الفرات وأن لم يتحقق ذلك فعن طريق الاتحاد الديمقراطي نفسه لعاملين متداخلين أولهما: حماية روسيا لقوات الحماية الشعبية في تل رفعت ومنغ

النظام سبق واشترط لمنع التدخل التركي، أن يعمد الاتحاد الديمقراطي إلى تسليمه المنطقة بالكامل

بريف حلب الشمالي وهو ما يعني ابتزاز روسيا لتركيا حول تلك المناطق التي تسعى تركيا للدخول إليها واستعادتها، وثانيهما: جوهر الطلبات التي تسعى لها روسيا مع الــ/P.Y.D/ هو تقديم الأخير تنازلات قوية وجذرية لنظام الأسد، خاصة وأن روسيا كانت الضامن المراقب للحوارين الأخيرين بين قسد والنظام.

وما يدفع تركيا للتفكير جدياً بالطرح الروسي، هو مخافة أن يقبل الاتحاد الديمقراطي بعودة النظام للمنطقة، خاصة أن النظام سبق واشترط لمنع التدخل التركي، أن يعمد الاتحاد الديمقراطي إلى تسليمه المنطقة بالكامل.

وكانت إحدى بنود التفاوض، جعل قوات سوريا الديمقراطية جزءا من قوات النظام. وهذه كفيلة بإنهاء أي صبغة حزبية أو حتى وجود كردي خاص ضمن هذه القوات؛ فنظام الأسد لن يقبل بوجود إدارتين أو مصدر قرار أو مظلة سياسية غيره تقود هذه القوات، عدا عن إمكانية انسحاب أطراف عسكرية عديدة من جسد قسد، فيما لو انضمت للنظام، ما يعني أن القوة العسكرية الخاضعة لسيطرة الاتحاد الديمقراطي تعيش تحت وطأة إمكانية التفكك لعاملين مركبين، أولهما "جزء من قوات النظام": تبادر التشكيلات العسكرية للانضمام لقوات النظام بمفردها. خاصة وأن قسد لا تزال حتى اليوم، مشكلة من مجموعة من الأجسام العسكرية التي لم تحّل نفسها، بل بقيت بأسمائها ورموزها ضمن هيكلية قسد، سواء خوفاً من النظام، أو طمعاً بالسلطة وفرض القوة، أو الاحتماء تحت المظلة الأميركية، والمشاركة مع قوات التحالف للقضاء على داعش وهذه وحدها كانت كفيلة برفع المنسوب السياسي والعسكري لتلك القوات. عدا عن إمكانية امتلاك النظام لأوراق ضغط عليهم.

 ثانيتهما "حملة تركية عسكرية": لو تصل إلى التخوم الشمالية للرقة أو عين عيسى، ومع الوجود الكثيف للعشائر العربية في تركيا والتي تتحين فرصة للعودة إلى ديارها، فإن العناصر العربية ضمن قسد من المحتمل أن تقف إلى جانب أقرانهم وأقاربهم.

ويبقى العائق أمام قوات قسد وتركيا لمنع التحالف أو الحوار مع روسيا أو النظام، هو الوجود الأميركي والتحالف الدولي ضد الإرهاب، لأنه سيعني قطيعة تامة بينهم، خاصة وأن أميركا تنظر لشرق الفرات على أنها عمق استراتيجي لمنع عودة نظام الأسد وفق راهنيته الحالية، وإخراج إيران وقطع أية بوادر للطريق البري، إضافة لعدّه ضمانة لعدم عودة داعش من جديد.

فالتحالف وأميركا يرفضان وجود نظام الأسد ما لم يعمد إلى تحريك ملف اللجنة الدستورية والعمل على تسهيل الأمور لكتابة الدستور، وتغيير شكل ومضمون النظام، وربما، الطلب من مجلس الأمن إخراج إيران من المنطقة، كون النظام هو الطرف الوحيد الذي يُمكنه عن طريق الأمم المتحدة ومجلس الأمن طلب إخراج أيَّ قوة عسكرية موجودة لديها.

ومن المرجح أن تكون الشروط التركية هي ضمان مراقبة تطبيق المنطقة الآمنة، وإخراج قوات الحماية الشعبية وسوريا الديمقراطية من الشريط الحدودي، والمطالبة بإعادة تفعيل اتفاقية أضنة مُجدداً، وضم مناطق بعيدة نسبياً عن الحدود التركية- مع شمال سوريا. وتحديداً الحدود بين الأخيرة وكوردستان العراق، كشنكال وغيرها، إضافة إلى ضم تل كوجر لوجود معبر بري يربطها مع العراق، وتل حميس لسيطرة قوات الحماية الشعبية عليها، وضمها للمنطقة الآمنة وشمولها باتفاقية أضنة.

اللوحة المعقدة هذه هي ما دفعت بالإدارة الأميركية لرعاية المفاوضات بين قوات قسد والدولة التركية، ودعم العنصر العربي على حساب العنصر الكردي في الرقة ودير الزور لخلق نوع من التوازن ضمن قوات قسد وترضية لتركيا.

ثمة ثلاثة سيناريوهات تطبيق أيًّ منها رُبما تُرضي تُركيا كثيراً:

الأول: تطبيق نموذج منبج على باقي مناطق شرق الفرات، وتسليم المناطق لمجالس مدنية. وهذه صعبة نوعاً ما، لعدم توافر القوة العسكرية وهياكل الحكم سوى لدى الإدارة الذاتية ونظام الأسد، مع مراعاة قدرة تركيا وحلفائها على ذلك، لكن تضارب مواقف ومصالح الجميع يجعل منه صعب التحقيق، إضافة إلى الرفض الشعبي المتوقع.

الثاني: حملة عسكرية تقطع كوباني عن الجزيرة، وتعرض الجغرافية الكردية لمزيد من التفكك، والنتائج والكفلة البشرية والمادية معروفة سلفاً. وإن كانت تركيا لا تستطع الدخول إلى شرق الفرات بالكامل لأسباب تتعلق بوجود المربعات الأمنية للنظام السوري في الحسكة والقامشلي، والكلفة الباهظة للحرب في مناطق مكشوفة وواسعة، والاكتفاء التركي

الرفض الأميركي للوجود الإيراني في شرق الفرات سواء مباشرة أو عن طريق النظام، سيدفعه إلى خلق بديل يتناسب ومصالح ومخاوف أميركا وتركيا معاً

بفرض حالة تحمي مصالحها وتضع باقي المناطق تحت شبح الخطر والقلق الوجودي لتوسيع العلميات التركية، عدا عن ارتفاع موجة الهجرة من معظم مناطق شرق الفرات لو تدخلت تركيا عسكرياً. العائق الوحيد أمام تركيا هو الرفض الأميركي ودول ضمن التحالف الدولي تحديداً فرنسا وبريطانيا، لكن رُبما لو شعرت تركيا بالخطر الوجودي عليها، قدّ تلجأ إلى تلك العلميات وإن بمناطق أكثر محدودية.

الثالث: الرفض الأميركي للوجود الإيراني في شرق الفرات سواء مباشرة أو عن طريق النظام، سيدفعه إلى خلق بديل يتناسب ومصالح ومخاوف أميركا وتركيا معاً، رُبما يتجسد عبر كيان كردي. وهو ما لجأت إليه فرنسا والإدارة الأميركية نحو ترطيب الأجواء بين القوة الكردية الفاعلة في شرق الفرات، ليليها لاحقاً ترتيبات مشاركة الأطراف الأخرى من عربية وآشورية في إدارة جديدة، وبدت ملامحها عبر دعوة الاتحاد الديمقراطي للمرة الثانية للأحزاب الكردية غير المرخصة لفتح مقارها ومكاتبها. حينها ستشهد المنطقة صعوداً لقوى سياسية وأجنحتها العسكرية تمتلك صفة القرب والموافقة من تركيا وأميركا، كالمجلس الوطني الكردي، والعشائر العربية وقوتيهما/البشمركة- النخبة/ وبعض الأطراف السريانية كالمنظمة الأثورية لكن بالمقابل فإن صعود هذه القوة عسكرياً وسياسياً لن يعني القضاء على الاتحاد الديمقراطي أو إنهاءَه أو الاستبعاد التام لهم سياسياً، خاصة أن المزاج العام للأخيرة يقوم على عدم الاكتراث بالنتائج المترتبة على رفضها لكل ما يعني زوالها. إنما تقويض السلطة المركزية المطلقة للحزب، ما يعني تغييراً في البنية والهيكلية التنظيمية والعسكرية والهرمية لقوات سوريا الديمقراطية عدا عن خروج مساحات جغرافية كبيرة من قبضتها الأمنية.

المصلحة الأميركية التي تدفع نحو هذا السيناريو يكمن في ترضية أكبر قدر ممكن من حلفائهاـ تركيا /الاتحاد الديمقراطي/ والمتوقع الدخول معهم في حلف مباشر كباقي القوة الكردية والعشائر العربية. بعد إبعاد قسد من حدودها لمسافة ما بعد المنطقة الآمنة، وإشراك الاتحاد الديمقراطي كحزب سوري مع باقي التشكيلات العسكرية والسياسية والعشائرية الكردية والعربية، واستغلال الوضع الجديد لشرق الفرات للضغط في أي تسوية مقبلة لسوريا.

شارك برأيك