سينما سوريا في مصر: ارتباكات وتساؤلات

سينما سوريا في مصر: ارتباكات وتساؤلات

سينما سوريا في مصر: ارتباكات وتساؤلات

تاريخ النشر: 23.04.2019 | 00:04 دمشق

العلاقة بين مهرجانات سينمائية تُقام في مصر والسينما السورية غير واضحة المعالم تماماً في اختيار الأفلام وأعضاء لجان التحكيم المختلفة، رغم ميل بعضها إلى أفلام تُنجَز في سوريا. أنشطة سينمائية قليلة تهتمّ بأفلام تُصنع هنا وهناك، وتكشف شيئًا عميقًا من أحوال بلدٍ مُقيم في خرابٍ وتغييبٍ وتمزّق. مهرجانات مصرية تتردّد في خياراتها السينمائية السورية، وأخرى تبتعد عن أي صدام بينها وبين سلطة غير معادية كلّيًا لنظامٍ أسديّ يفتك بالبلد وناسه. نشاطات أخرى تريد السينما أولاً وأساسًا، من دون اكتراثٍ بمزاج سلطة مهيمنة على مصر وناسها.

العلاقة نفسها مثيرة لتساؤل يختصّ بالمغزى المعتمد في الخيارات، أو في عدمها. الخيارات تمتدّ أيضًا على لجان التحكيم. معنيون سوريون بالسينما يُختَارون لعضويتها، فيغلب على الاختيار هاجس التوفيق بين همّ سينمائيّ ما للمهرجان ومنظّميه، وبين ضرورة حضور سوريا، بين حين وآخر، في هذا المهرجان المصري أو ذاك. الغلبة لسوريين مقيمين في سوريا، مع ما يعنيه هذا من موقف، مُعلن أو ضمني، إزاء السلطة المتحكّمة بهم وببلدهم. أما المهاجرون أو المنفيون

"مهرجان القاهرة السينمائي الدولي" مثلاً يميل إلى أفلام مُنجزة في سوريا، بما يعنيه هذا من التزامٍ بسياسة السلطة الحاكمة في مصر، تجنّبًا لإثارة مشكلة أو صدام معها

طوعًا أو قسرًا، فيُبْعدون غالبًا عن مهرجانات حريصة على توافق دائم مع السلطة المصرية، المُشاركة في تمويلها، مع أن المشاركة في التمويل لن تكون سببًا وحيدًا لسطوة السلطة على المهرجانات، فالسطوة حاضرة على البلد وناسه، وهي غير مُحتاجة أصلاً إلى أسبابٍ.

"مهرجان القاهرة السينمائي الدولي" مثلاً يميل إلى أفلام مُنجزة في سوريا، بما يعنيه هذا من التزامٍ بسياسة السلطة الحاكمة في مصر، تجنّبًا لإثارة مشكلة أو صدام معها، كما يبدو. مهرجانات تُقام في مدن مصرية متفرّقة تحاول التوفيق بين رغبة في السينما ومناخ حاكم. "مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسّط" غير مُتردّد في تكريم الروائي السوري حنا مينه (1924 ـ 2018)، بعد أسابيع قليلة على وفاته (21 أغسطس/ آب)، في دورته الـ34 (3 ـ 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2018). الأغرب من التكريم كامنٌ في عنوانه العام: أثر الراحل في الثقافة السورية، ودوره في نقل الأدب المكتوب إلى شاشة السينما. الأسوأ من هذا كلّه، ينكشف في اختيار المتحدّثين عنه: مراد شاهين (مدير "المؤسّسة العامة للسينما" في دمشق) ودريد لحّام وسلمى المصري وباسل الخطيب، بالإضافة إلى نضال قوشحة، مخرج فيلم "الريّس"، الوثائقي المُنتج بمال المؤسّسة، تكريمًا لمينه قبل رحيله بوقتٍ قصير.

"جماعة" السلطة تحضر بقوّة في مهرجان مرتبك وغير ذي فائدة. العنوان الأول للندوة غريبةٌ عن مهرجان سينمائي متوسطي. العنوان الثاني غريبٌ عن الأديب، إذْ أنّ المخرجين أنفسهم هم من يؤدّون دورًا بارزًا (أو لا يؤدّون، حسب نتيجة أفعالهم السينمائية المقتبسة عن الأدب) في نقل المكتوب إلى الشاشة الكبيرة. لكن الأخطر من هذا كلّه يظهر في اختيار المُشاركين في الندوة. أسماء معروفة بتبعيّتها لنظامٍ يستمر في التنكيل بشعبه، فيتعامى كثيرون عن ذلك إما صمتًا وإما تصريحًا، فيقولون إنّ النظام والجيش الأسديّين يواجهان الفوضى والإرهاب، ويتناسون أنّ النظام صانعهما بإطلاقه سراح إرهابيين من سجونه، بعد وقتٍ قليل على بداية الحراك الشعبي المدني العفوي السلمي، لتحطيم مواطنين يريدون "كرامة" في بلد الانتهاكات العنيفة للحقوق الطبيعية للناس. بينما الحرب ـ التي يشنّها النظام وجيشه ضد شعب وبلد، بحجّة مكافحة الإرهاب ـ فانعكاسٌ كبيرٌ لمعنى الإرهاب الفعلي.

موقف دريد لحّام من النظام االأسديّ، أبًا وابنًا، معروفٌ. للممثلة سلاف فواخرجي مثلاً ـ المُشاركة في لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الوثائقية، في الدورة الـ21 (10 ـ 16 أبريل/ نيسان 2019) لـ"مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة" ـ مَواقف مشابهة للحّام. تصريحاتها مُثيرة لشفقةٍ على من يدّعي فنًا، ويظنّ أنّ "النجومية"، إنْ تستحقها أصلاً، تمنحها حقّ التصريح بما يحلو لها، وإنْ على حساب شعبٍ وبلدٍ، حفاظًا على موقع ما لها في المشهد الفني السوري، المحمي من النظام الأسديّ أصلاً. لن تتردّد فواخرجي لحظة عن تأييدها بشّار الأسد ونظامه. تقول إنها مع النظام ضد الفوضى، وإن السوريين "يعيشون بأمان (قبل اندلاع الثورة اليتيمة طبعًا، بحسب رأيها)، وهذا ما نفتقده الآن"، فالمسؤولية (كما تقول ضمنيًا) تقع على من يُطالب بحقّ مهدور، وكرامة مغيَّبة.

سلاف فواخرجي، أحد أبواق النظام الأسديّ، تُشارك في لجنة تحكيم أفلامٍ وثائقية، في مسابقة رسمية لمهرجان دولي يُقام في مصر. للمهرجان نفسه مصداقية سينمائية كبيرة، تمتد على مدى 21 دورة. هو حيّز لصناعة سينمائية مزدهرة في العالم العربي والغرب، ومكانٌ لتواصل حقيقي بين سينمائيين يُنجزون الوثائقي والقصير، والتحريك أيضًا. لكن "المركز القومي للسينما" يُشرف عليه، والمركز مؤسّسة رسمية خاضعة لنظام حاكم. مع هذا، تختار إدارة المهرجان "نحنا مَنّا أميرات" لعتاب عزام وبريدجيت أوجي لافتتاح دورته الأخيرة تلك. ورغم أنه أقرب إلى الريبورتاج التلفزيوني، محاولاً في الوقت نفسه تحييد أسلوبه عنه بإدخال لقطات فنية ما، فإنّ موضوعه يطرح تساؤلات مختلفة: يغوص في أحوال نساء سوريات لاجئات في بيروت، بمرافقتهنّ في تدريباتهنّ اليومية على مسرحية "أنتيغون" لسوفوكل، بما فيها من تقاطع مع أحوالهنّ وأقدارهنّ ومواجعهنّ.

مهرجانات مدن الأطراف، المُقامة دوراتها الجديدة خلال الثلث الأول من عام 2019، تكشف شيئًا من تفاصيل تلك العلاقة. أوّلها "مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة". دورته الثالثة (20 ـ 26 فبراير/ شباط 2019) تخلو كلّيًا من أي وجود سينمائي سوري، أفلامًا ومشاركة في لجان تحكيم. هذا عائدٌ إلى أسبابٍ ربما لن تكون السياسة أحدها. المهرجان متخصّص بموضوع محدّد، ربما لن يعثر منظّموه على أفلام سورية تعكس نواة اختصاصه، ويتلاءم مع نظامه الداخلي. أو ربما هناك أفلام سورية كتلك، لكنها غير متوافقة وشروط العمل السينمائي الذي ترغب فيه إدارة المهرجان. لن تُحيَّد السياسة كلّيًا، لكن مهرجانًا كهذا يُمكنه أن "يفشل" أحيانًا في العثور على المُراد، فتغيب أفلامٌ من دولٍ كثيرة، في هذه الدورة أو في غيرها. أما مسألة لجان التحكيم، فهذا عائدٌ لتفاصيل تختصّ بالأسماء المختارة، إن يكن هناك اختيارٌ لأسماء سورية أصلاً، وبمدى تمكّن أصحاب الأسماء المختارة من تلبية الدعوة في الوقت المحدّد.

أما "مهرجان شرم الشيخ للسينما الآسيوية"، فيختار ما يراه مناسبًا لدورته الثالثة (أيضًا)، المُقامة بين 2 و8 مارس/ آذار 2019: "مسافرو الحرب" لجود سعيد. يُشارك الفيلم

إدارة المهرجان نفسه تختار الصحافي والناقد السينمائي السوري علي وجيه للمشاركة في لجنة تحكيم مسابقة الأفلام القصيرة، لكنه  لم يتمكن من الحضور، لعدم منحه تأشيرة دخول مصرية

في المسابقة الرسمية، ويفوز بجائزة أفضل فيلم عربي، علمًا أن المنافسة "العربية" في المسابقة محصورة بثلاثة أفلام فقط، هي بالإضافة إلى فيلم سعيد: "بيت ست" للمصري أحمد عادل عقل و"ولادة" للإماراتي عبدالله حسن. إدارة المهرجان نفسه تختار الصحافي والناقد السينمائي السوري علي وجيه للمشاركة في لجنة تحكيم مسابقة الأفلام القصيرة، لكنه غير متمكّن من الحضور، لعدم منحه تأشيرة دخول مصرية، وهذا بدوره يطرح سؤالاً عن الآلية المُعتمدة في منح التأشيرات، أو في السماح بالدخول إلى مصر من قبل السلطة، التي تمنع أفرادًا من تحقيق هذا، رغم أنهم مدعوين إلى مهرجاناتٍ مختلفة، من دون توضيح أي سببٍ. والمنع يطال سوريين وفلسطينيين أساسًا.

في المقابل، تتفرّد "زاوية" (صالة سينمائية تهتمّ بعروضٍ مختلفة عن السائد، وتُقيم احتفالات سينمائية متنوّعة) بممارسة فعل مغاير للمناخ العام، المسيطر على مهرجانات سينمائية كثيرة. دورتها الثالثة (10 ـ 16 أبريل/ نيسان 2019) مفتوحة أمام 3 أفلام سورية لـ4 مخرجين مُقيمين خارج سوريا. 3 افلام مُثيرة لنقاشات غير منتهية، بعضها صدامي وتخويني كالحاصل مع الوثائقي الطويل "عن الآباء والأبناء" لطلال ديركي. الفيلمان الآخران هما: الوثائقي الطويل أيضًا "لسّه عم تسجل" لغياث أيوب وسعيد البطل، والروائي الطويل "يوم أضعت ظلّي" لسؤدد كعدان، الفائز بجائزة "أسد المستقبل" لأفضل أول فيلم، في الدورة الـ75 (29 أغسطس/ آب ـ 8 سبتمبر/ أيلول 2018) لـ"مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي".

بعيدًا عن تصنيفات (غير سينمائية) مُسيئة للسينما والسينمائيين في آنٍ واحد، فإن الأفلام الثلاثة تلك تعاين أحوال سوريا ومساراتها ومَوَاجع ناسها، من دون اكتراثٍ كبير بموقف سياسي رخيص إزاء نظام مستبدّ. فالأهمّ يكمن في قدرة الأفلام على التقاط نبض شارع وأفراد، وعلى مرافقة أناسٍ في منعطفات حياة وأقدار، وفي تحدّيهم مصائب وانقلابات. الأهمّ يتّضح أيضًا في تمكّن الأفلام من "توثيق" سينمائيّ بصريّ جماليّ لمفردات العيش في ظلّ حربٍ تُدمِّر وتُغيِّب وتُخفي وتقتل. ربما لهذا تتجنّب مهرجانات السينما في مصر اختيار أفلامٍ لن تصمت عن جرحٍ نازف يفتك ببلدٍ وشعب وتاريخ وذاكرة، من وجهة نظر سينمائية تبتعد عن تبرير فعل جُرمي لناظم قاتل، وإنْ تنفضّ (الأفلام هذه) عن اتّخاذ موقف سياسي مباشر وضحل وتافه، فالفنّ أهمّ وأكبر وأعمق من مواقف مباشرة ورخيصة.

كلمات مفتاحية
مقالات مقترحة
حصيلة الوفيات والإصابات بفيروس كورونا في سوريا
10 حالات وفاة و139 إصابة جديدة بكورونا في سوريا
حصيلة الوفيات والإصابات بفيروس كورونا في سوريا