سيرة ذاتية ناقصة لبستان كبير

تاريخ النشر: 04.04.2018 | 10:04 دمشق

آخر تحديث: 26.04.2018 | 17:21 دمشق

يقول عنها المؤرخون والإخباريون والرحالة بأنها أرض شجر واخضرار وبساتين وجمال، تحيط بدمشق ويشكَّل نهر بردى شريانها الأساسي. يمكن قبول ما قيل عنها، رغم مبالغات الإخباريين، ومجاملات الرحالة، وتحيز المؤرخين، فقد ورد في كتب الأدب والبلدان أن أبا بكر الخوارزمي قد قال "إن جنان الدنيا أربعة: شعبُ بوان، وصغد سمرقند، وجزيرة الأبلة، وغوطة دمشق". وعقَّب القزويني في "أخبار البلاد والعباد" بأنه زارها كلها، وقد وجد أن الغوطة أحسنها إذ "تحيط بها جبال عالية من جميع جهاتها، ومياهها خارجة من تلك الجبال، والغوطة كلها أنهار وأشجار متصلة قلما يوجد بها مزارع".

فات القزويني أن يذكر أن الغوطة ترتبط من ناحية الشرق ببادية الشام، حيث لا جبال ولا هضاب، بل أرض منبسطة، ومنها استطاع جيش النظام التقدم بمساعدات جوية روسية وتقاعس دولي مريب. تستطيع التربة والهواء امتصاص غاز السارين والكلور وكل المواد الكيميائية التي ألقى بها النظام على أهالي الغوطة لدفعهم للاستسلام، وحدث هذا الجنون والتخريب البيئي فوق البساتين الخضراء التي أعجب بها القزويني، لكنْ يمكن للغوطة بالطبع أن تبقى غوطة، فلا تستطيع الدبابات أن تقف في وجه النسغ الذي يخترق جذوع الأشجار وصولاً الى أبعد نقطة في أعلى الأوراق.

كانت الغوطة غوطة بكل أبهتها الخضراء قبل الإسلام وقبل جيش الإسلام وفيلق الرحمن وبقية الفيالق الدينية الأخرى، فقد قال البلاذري في "فتوح البلدان" إن جيوش المسلمين احتلت كنائسها، فالمكان متدين يجد راحة في بث الأماكن المقدسة في أركانه اليانعة، وتتناقل كتب الأدب قصة تثير الشك لشدة جمالها، نأخذها عن الأصفهاني الذي ذكر في كتابه "الأغاني" أن أحد رسل معاوية إلى القيصر الروماني رأى عنده "جبلة بن الأيهم" جالساً بشموخ على سرير من ذهب، طالبَ جبلة هذا الرسول بعشرين قرية من الغوطة تبدأ من الثنايا وتنتهي عند داريا، كان جبلة يعرف بأنه يطلب من ضمن هذه القرى دمشق ذاتها، ومن مفارقات القصة أن معاوية وافق على هذا الطلب ولكن جبلة مات قبل أن يسمع الرد على مطلبه. حاول جبلة قبل وفاته أن يسترجع ماضياً كان فيه ملكاً على كل الجغرافية التي ذكرها من الثنايا وحتى داريا، كتلة واحدة خضراء على الدوام لا تقبل أن تنقسم، تلك الكتلة هي الغوطة في عصر كان يسمى الجاهلي..

يشعر المتابع للتاريخ وكأن للغوطة بعداً رابعاً، فيضعها المؤرخون وحتى الجغرافيون في مكان متسع عريض يشمل ما بين منبع نهر بردى ومصبه مع فروعه، وكأن دمشق مكان أعلى من الأرض قليلاً تتسلل بساتين الغوطة تحته. هذا بالفعل ما كتبه المؤرخون، فماذا سنكتب اليوم ونحن صحفيون صغار أمام مأساة الغوطة العظيمة؟ ما تردده نشرات الأخبار، وما تقوله مئات الصور المأخوذة بطريقة عاطفية، يزيد من وطأة التأثير ويجعل للكارثة بعداً ملوناً. يمكن أن نكتب عنها بطريقة مختلفة، وأن نجد طريقة تشبه تلك التي اعتمدها الكاتب كارلوس فوينتيس في رواية "كرسي الرئاسة" بشكل مؤثر وقوي، فقد كتب عن مجموعة من الرسائل الورقية المتبادلة بين الناس بعد أن حرموا من نعيم الاتصالات الحديثة، وتعطلت الأقمار الصناعية. يتخيل الكاتب حدثاً يدور عام 2020 تكون خلاله كونداليزا رايس رئيسة للولايات المتحدة، وكأنه يدرك بأن عصر متطرفي "حزب الشاي" آت في يوم ما. تبادل في الرواية الجميع الرسائل المكتوبة بالحبر على الأوراق. وأجمل ما في هذه الرواية أن القارئ وحده يعرف ما تتضمنه هذه الرسائل، وهو الذي يعرف كل ما يدور حول "كرسي الرئاسة"، ونحن هنا حين نكتب عن الغوطة لا أعتقد أن أحداً يعرف ماذا يدور، بل نعرف فقط بأن هناك كرسياً للرئاسة يشعر بعض من كان يعتبر نفسه داعماً للثورة بأن هذا الكرسي ما زال صالحاً للاستعمال.