icon
التغطية الحية

سيباستياو سالغادو بين أخلاقيّة الصورة وروح ملح الأرض

2025.07.04 | 15:48 دمشق

آخر تحديث: 2025.07.04 | 15:51 دمشق

سيباستياو سالغادو
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- في 23 مايو 2025، فقد العالم المصور سيباستياو سالغادو، الذي وثّق معاناة البشر وجمال الطبيعة، مبرزاً هشاشة الإنسان وعظمة الطبيعة.
- فيلم "ملح الأرض" (2014) من إخراج فيم فيندرز وجوليانو سالغادو، يستعرض مسيرة سالغادو المهنية، وتحوله من توثيق المعاناة إلى مداواة جراح الأرض، مسلطاً الضوء على مشاريعه الكبرى.
- يعكس الفيلم تحول سالغادو نحو المشاركة البيئية، حيث أسس مع زوجته "معهد الأرض"، ويطرح تساؤلات حول البعد الأخلاقي للصورة الفوتوغرافية، داعياً لفعل ملموس.

حين يغادر عالمَنا أحدُ الشهود على مآسي هذا العصر، نشعر أنّ العالمَ فَقدَ جزءًا من ضميره البصريّ، فبعد رحلةٍ استثنائية رسمت ملامحَ ألم وإرادةِ البشر، أُسدِل الستار في الثالث والعشرين من مايو 2025 على حياة المصوّر الفوتوغرافيّ العالميّ سيباستياو سالغادو (Sebastião Salgado)، سيّد الضوء والظل، وراصد الوجع الإنساني الذي صاغ عبر عدسته أطلسَ حيًّا للمعاناة والجمال، حيثُ أبدع في توثيق الخراب، وأشعل من رحم المأساة أملًا يتوهّج في شرايين الكوكب، مبرزًا في صوره هشاشةَ الإنسان وعظمةَ الطبيعة في آنٍ معًا.

في حضرة هذا الرحيل، تعود بنا الذاكرة إلى فيلم ملح الأرض (The Salt of the Earth، 2014)، سيرة سينمائية توثّق رحلةَ سالغادو، المصوّر الذي يلتقط بشغفٍ شاقٍّ ندوبَ البشرية، قبل أن ينقلب مسارُه إلى مداواة جراحِ الأرض واستعادةِ شيءٍ من براءتها المهدَّدة. الفيلم من إخراج الألماني فيم فيندرز (Wim Wenders)، بالتعاون مع البرازيلي جوليانو ريبيرو سالغادو، حيث يشكّل هذا العمل تحالفًا بين عدسةِ الابن ونظرةِ المخرج وأثرِ الأب، في سردٍ بصريٍّ يرتقي بالتجربة من حدود التصوير إلى آفاق الالتزام الأخلاقي.

يستعرضُ الفيلمُ مسيرةَ سالغادو الشخصيةَ والمهنيةَ التي امتدّت لأكثر من أربعين عامًا، جابَ فيها أصقاعَ العالمِ حاملًا كاميرتهُ ليوثّق معاناةَ البشر، قضايا اللجوءِ والهجرةِ، الحروبَ، المجاعاتِ، الكوارثَ البشريةَ. حينَ أثقلته وحشيةُ العالمِ، اختار أن يُعيد توجيهَ عدستهِ نحو الطبيعة، في محاولةٍ لاكتشاف ما تبقّى من جمالٍ بريٍّ لم تُفسده يدُ الإنسانِ.

من توثيقِ الألمِ إلى المشاركةِ الفعلية في مداواةِ الجراحِ البيئية، يرصدُ الفيلمُ هذا التحوّلَ العميقَ في فلسفةِ سالغادو، مسلطًا الضّوءَ على مشاريعه الفوتوغرافية الكبرى مثل: العمال (Trabalhadores)، النزوح (Êxodos)، متناولًا الصدماتِ النفسيةَ التي تعرّض لها سالغادو بسبب مشاهدته المتكرّرة للمآسي الإنسانية، وكيف أثّر ذلك على نظرته للعالمِ وعلى حياته الشخصيةِ.

يعتمدُ الفيلمُ على بنيةٍ سرديّةٍ مزدوجةٍ تجمع بين نظرتين، الأولى خارجية تمثلها رؤيةُ المخرج فيم فيندرز، الذي يتعامل مع سالغادو كأيقونةٍ إنسانيّةٍ وفنّيةٍ، والثانية داخلية يقدمها الابنُ جوليانو، محاولًا من خلال الفيلم استعادةَ فهمه لشخصية والده الذي غاب طويلاً عنه في طفولته بسبب التزاماته المهنيّة.

ينقسمُ السردُ إلى ثلاثِ مراحلَ رئيسيةٍ، تبدأُ بالتوثيق الإنسانيِّ، حيثُ يتنقّلُ سالغادو بين مواقع الكوارث والمآسي، ثمّ مرحلة الأزمة النفسية وفقدان الإيمان بالإنسانية، وأخيرًا مرحلة العودة إلى الطبيعة من خلال مشروعهِ البيئيِّ، الذي يشكّلُ ذروةَ التحولِ في رؤيتِهِ للعالم.

تكشفُ هذهِ البنيةُ السرديةُ أنّ التجربةَ الإنسانيةَ تُبنى تدريجيًّا من خلال الاحتكاك بالواقع القاسيّ، لكنّها تبحثُ في النهاية عن معنى أسمى يتخطّى الألمَ إلى الإحياء والإصلاح.

يُظهرُ فيلمُ "ملح الأرضِ" فهمًا عميقًا للصورةِ الفوتوغرافية، إنّها وسيطٌ جماليٌّ محمّلٌ بأثقالِ الحقيقةِ وعبءِ الشهادة. تتسمُ صورُ سالغادو، كما يعرضُها الفيلم، بلغةٍ بصريةٍ تنبضُ بتباينٍ حادٍّ بين الأبيض والأسود، اختيار يضاعف من كثافة الدلالة، ويمنحُ الصورةَ عمقًا رمزيًّا شديدَ التأثير.

تعتمدُ الصورُ على ثلاثةِ عناصرَ بصريّةٍ محوريّة، أولُها التكوينُ الصارمُ، حيث تُبنى المَشاهدُ بدقّةٍ هندسيةٍ توظّفُ الخطوطَ والفراغاتِ لتوجيهِ النظرِ نحو الموضوعِ الأساسيِّ. ثمّ تشكّلُ إدارةُ الضوءِ والظلِّ جوهرَ التعبيرِ البصريِّ، فالضوءُ يكشفُ عن ملامحَ الكرامةِ الإنسانيةِ وسط عتمةٍ رمزيةٍ تكتظّ بثقلِ المأساةِ.

ثالثها، التفصيل المتناهي حيثُ تقدّمُ الصورُ تفاصيلَ مفرطة، تكشف ملامحَ الألمِ والانكسار والقوّة في وجوه الأشخاص، وفي قوام أجسادهم، وفي تضاريس الأرض.

الفيلم بدوره يوظّف هذه الصورَ كعناصرَ سرديّة قائمة بذاتها، تُعرض ببطء، مما يمنح المشاهد فرصة للتأمل العميق في كلّ إطارٍ.

يتنقل سالغادو بعدسته في مشاريع مثل "العمال" و"النزوح" و"ساحل العظام في رواندا"، ليقدّمَ شهاداتٍ عن أبشع ما أنتجه التاريخ المعاصر من مآسٍ، المجاعات، الحروب، الإبادة الجماعية، النزوح القسري.

لكن ما يُميز أعماله قدرته على إبراز كرامة البشر حتّى في أقصى حالات انكسارهم. الصورة عنده تفضح المعاناة وتعترف بقوة هؤلاء الأشخاص على البقاء، رغم قسوة الظروف.

يتمثّلُ المعنى المزدوج للصورة بإدانة وكشف منظومة القمع والاستغلال، ومن جهةٍ أخرى يَحتفي بصلابة الإنسان وقدرته على انتزاع كرامته من قلب المأساة.

يكشف الفيلم، بصدقٍ غير مألوف، عن الثّمن النفسي الذي دفعه سالغادو نتيجة انغماسه العميق في توثيق المآسي. مع توالي سنوات العمل الميداني، خاصة بعد توثيقه لحرب الإبادة في رواندا (1994) يدخل سالغادو في أزمة روحية وفقدان شبه كامل للإيمان بالإنسانية.

أحدثت هذه الأزمة تحوّلًا في حياة سالغادو حيث أدرك أنَّ التوثيقَ وحده، مهما كان نبيلاً، لا يكفي لتغيير العالم، وأنَّه بحاجة إلى فعلٍ إيجابي موازٍ لإعادة التوازن في داخله وفي محيطه.

تأتي ذروةُ "ملح الأرض" في التحوّل الذي يقوم به سالغادو من توثيق الكوارث إلى المساهمة في إصلاح البيئة. يعود مع زوجته ليليا إلى أرض والديه في البرازيل، والتي كانت قد تصحّرت بفعل الإهمال والجفاف، ليؤسسا معًا مشروع "معهد الأرض (Instituto Terra)، الذي نجح في إعادة تشجير آلاف الهكتارات من الغابات، واستعادة النُظم البيئيّة في المنطقة. وبذلك يَستكملُ مسارَه الأخلاقيّ الملتزم من عدسة ترصد الندوب، إلى يدٍ ترممُّ الحياة.

يتميّزُ الإخراج بأسلوبٍ يدمجُ بانسيابية بين المقابلات المباشرة، والسّرد الصوتي، والعرض البصريّ للصور. يستخدم فيندرز تقنية الإسقاط الضوئي على صور سالغادو، بحيث يُظهر وجهَ المصوّرِ مع خلفية الصور، ما يخلقُ حالةَ من التداخل البصري بين الشَّاهِد (سالغادو) والشّهادة (الصورة).

الزمنُ في الفيلم ينتقل بسلاسةٍ بين الحاضر والماضي، بين سردِ الأب وتأمّل الابن، فالتجربة الإنسانية تُبنى من تشظيات الذاكرة والانفعال والتأمّل، في صورة فسيفساء معقّدة، لا في تسلسل زمني خطّي.

يُقارب فيلم ملح الأرض البعد الأخلاقي للصورة الفوتوغرافية التوثيقية، طارحًا تساؤلات عدة، هل الاكتفاء بتوثيق الألم يُجدي؟ ما حدود مسؤولية المصوِّر إزاءَ ما يصوّرُه؟ هل الصّورة يمكن أن تغيّرَ الواقع، أم أنّها فقط تمنحه معنى؟

رغم اتهامِ الناقدة الأمريكيّة سوزان سونتاغ لسالغادو بأنّه يستغلُّ ألمَ الآخرين من خلال صور تُرضي ذائقة الغرب، فإنّني أجد أعمالَه تتقاطعُ مع ما تطرحه سونتاغ نفسها في كتابها حول ألم الآخرين. فهي تؤكّدُ أنَّ الصورة الوثائقية لا تقتصر على إنتاج معرفة بصرية بالمعاناة، بل تُحمّل المتلقي مسؤولية أخلاقية تجاه ما يراه. ومن هنا، يدفع الفيلم إلى مساءلة جوهرية، هل يظلّ فعل التوثيق وحده استجابة كافية إزاء العنف والمأساة؟ أم أنّ الصورة، في جوهرها، مطالبة بتخطي حدود الوعي لتدفع نحو فعل ملموس؟

يستدعي مسارُ سالغادو كما يقدّمه الفيلم تصوّرًا قريبًا مما تصوغه مُنظّرةُ التصوير الفوتوغرافي "آرييل أزولاي" في مفهومها عن "العقد المدني للصورة"، إذ تؤكد أنَّ فعل التصوير لا ينفصل عن شبكة علاقاتٍ أخلاقيّةٍ وسياسية تربطُ بين المصوِّر، والموضوع المصوَّر، والجمهور. في هذا الإطار تُقدّم الصورة كأثر مكتفٍ بذاته، وأيضًا كبداية لمسؤولية ممتدة.

يقدّم " ملح الأرض" قراءةً ضمنيّةً ترى أنَّ الصورة منتجٌ معرفيٌّ لا تستنفد دورَها عند حدود إنتاج الوعي، بل تظلُّ قاصرة ما لم تُستكمل بفعل موازٍ، كما تجسّد في انتقال سالغادو من ممارسة التوثيق إلى مشروعه البيئي الذي يمثّل محاولة لاستعادة التوازن بين الإنسان والطبيعة، كامتداد لفعل أخلاقي لا ينفصل عن الممارسة البصرية.

"ملح الأرض" سرديّةٌ سينمائيّةٌ تدعوك للتأمّل في وظيفة الفن، وعلاقته بالإنسان وبالكوكب. وتقدّم نموذجًا نادرًا عن فنان يسعى ليكون جزءًا من تغيير العالم بدل أن يكون شاهِدًا عليه.

إنّه فيلمٌ يُعيدُ الاعتبارَ لقيمةِ الصّورة كوثيقةٍ أخلاقيّة، ومساحة للتأمّل وللتحفيز على الفعل، في زمنٍ تتسارعُ فيه الصّور دون عمق، يُذكرنا هذا العمل أنّ الصورة التي تلامس الضمير قادرةً على أن تُخلّد الألمَ، وتمنح الأمل، وتدعو إلى إعادة النظر في علاقتنا بأنفسنا وبالعالم.