في ظلّ الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة التي تعصف بسوريا منذ سنوات، أصبح العمل عن بعد بالنسبة لكثير من الشباب السوري ليس مجرد خيار، بل ضرورة للبقاء على قيد الحياة الاقتصادية. ومع انغلاق أبواب الوظائف التقليدية وانتشار البطالة، وجد الشباب في عالم العمل الرقمي متنفسًا جديدًا يتيح لهم العمل عبر الحدود، مستفيدين من مهاراتهم في مجالات متعددة كالبرمجة، التصميم، الترجمة، والتسويق الإلكتروني.
ولكن، ما كان متوقعًا أن يكون طريقًا للخلاص، تحوّل في كثير من الحالات إلى فخ للاستغلال المهني، إذ يعاني كثير من هؤلاء الشباب من ظروف عمل قاهرة، وأجور متدنية لا تتناسب مع ساعات العمل الطويلة التي يقضونها. ولا تزال القوانين التي تحمي العاملين عن بعد غائبة تمامًا في سوريا، مما يزيد من هشاشة وضعهم ويعرّضهم لمخاطر متزايدة.
سوق العمل الرقمي السوري.. تحديات تقنية ومالية
العمل عن بعد، رغم كل ما يوفره من فرص، يواجه في سوريا تحديات جمة، تبدأ من ضعف البنية التحتية التقنية، مثل ضعف الإنترنت، الذي يتفاوت من منطقة إلى أخرى، مع انقطاع الكهرباء المتكرر، يجعل من أداء المهمات اليومية تحديًا بحد ذاته. هذا الواقع يضيف أعباءً على العاملين، حيث يضطرون لتعويض ساعات انقطاع الكهرباء وتأخير الإنترنت، مما يعني ساعات عمل إضافية مضنية.
وعلى الجانب الآخر، يواجه الشباب السوري تحديات كبيرة في استخدام منصات العمل الحر، إذ تظل عملية الدفع الإلكتروني من وإلى سوريا شبه مستحيلة بسبب العقوبات والقيود المصرفية المفروضة، مما يعيق تحويل المستحقات المالية ويزيد من صعوبة الاستفادة الحقيقية من هذه الفرص الرقمية. يفتح ذلك الباب واسعًا أمام استغلال أصحاب العمل الأجانب الذين غالبًا ما يستغلون حاجة السوريين إلى فرص العمل، فيضغطون على الأجور ويطالبون بإنجاز مهام إضافية من دون مقابل.
شهادات حية من قلب الأزمة: واقع العمل الرقمي في ظل غياب الحماية
فارس (طلب عدم ذكر اسمه كاملًا)، محرر فيديو وكاتب محتوى بخبرة خمس سنوات يقول لموقع تلفزيون سوريا: "كنت أعمل مع شركة خارجية بنظام دوام كامل، من الساعة 9 صباحًا حتى 5 مساءً، خمسة أيام بالأسبوع. لكن الراتب كان يعادل 100 دولار فقط بالشهر!".
في الوقت الذي يُفترض أن يشكل العمل عن بعد بديلاً مرنًا يتيح فرصًا عادلة للشباب السوري، تتحول التجربة في كثير من الحالات إلى استنزاف مقنّع، لا يختلف عن استغلال العمل التقليدي إلا في غياب أي أطر قانونية أو حماية.
غياب الحد الأدنى للأجور، ومرونة أصحاب العمل في فرض ما يشاؤون من شروط، يجعل من الشباب السوريين فريسة سهلة في السوق الرقمية، حيث يتحول العمل من فرصة إلى عبء، ويجد العامل نفسه ملزمًا بالقبول بأي عرض، مهما كان ظالمًا، تحت ضغط الحاجة وانعدام البدائل.
يضيف فارس: "عملت مع شركة لفترة لكن في نهاية التعاون لم أستلم آخر راتب لي. حاولت التواصل معهم مرارًا، من دون جدوى. والمؤلم أنه لا توجد وسيلة حقيقية للاعتراض أو المطالبة بحقي".
في دمشق.. العمل عن بعد من دون ضمانات
وفي العاصمة دمشق، تروي آية، وهي مصمّمة جرافيك مستقلة، تجربتها مع العمل عن بعد، مشيرة إلى حجم الضغط الذي تتعرض له بشكل يومي. تقول: "كنت أعمل أحيانًا عشر أو اثنتي عشرة ساعة في اليوم، لا سيّما حين تتزاحم المشاريع أو تتزامن المهل الزمنية. إلا أن المشكلة لم تقتصر على ضغط العمل، بل تعدّته إلى مسألة الأجر، الذي غالبًا ما يتأخّر لأشهر، هذا إن وصل".
تصف آية علاقاتها بالعملاء بأنها محفوفة بالقلق والحذر، إذ لا ضمانات تُذكر، ولا التزام حقيقيًا من الطرف الآخر، وتقول: "تكرّر أن وُعدت بالحصول على أجري بعد التسليم، ثم واجهت مماطلة طويلة، أو اختفى العميل تمامًا من دون أن أتمكّن من استرجاع حقي. أشعر أحيانًا أنني أعمل مجانًا، ولكن لا خيار أمامي".
ورغم شغفها بمهنتها وسعيها المستمر لتطوير مهاراتها، لا تُخفي آية ما تعانيه من شعور بالهشاشة وعدم الأمان المهني. "كلّ تعامل مع عميل جديد هو مغامرة محفوفة بالمخاطر. إمّا يدفع، أو لا أحصل على شيء. وفي كلتا الحالتين، لا أملك وسيلة للشكوى أو المطالبة".
هذه القصص ليست استثناءً، بل نموذجًا لما يعانيه كثير من الشباب السوري الذين يسعون للحفاظ على لقمة عيشهم عبر شاشات الحواسيب.
خلف شاشة العمل.. شباب سوري قلق
سامر (طلب عدم ذكر اسمه كاملًا)، مبرمج حر من دمشق، لا يروي فقط عن ساعات العمل الطويلة أو تأخر الأجور، بل يحكي عن عبء نفسي ثقيل على صدره منذ أن بدأ العمل عن بعد. يقول لموقع تلفزيون سوريا "في كل لحظة أجلس أمام الحاسوب، تتسلل إليّ مخاوف لا تنتهي: هل سينفد شحن البطارية؟ هل سيتوقف الإنترنت عن العمل؟ هل سأتمكن من إنهاء مشروعي في الوقت المناسب؟" يشرح سامر كيف أن هذه المخاوف اليومية تحولت إلى حالة من التوتر المزمن الذي لا يفارقه.
يتابع "العمل من البيت لا يعني الحرية التي يتخيلها الآخرون، بل هو سجني الذي يحاصرني بلا فرصة للراحة أو الانفصال. أشعر كأنني عالق في دائرة لا تنتهي من الضغط، بين القلق على أدائي والخوف من فقدان عملي فجأة من دون أي ضمانات. هذا التوتر المستمر ينعكس على علاقاتي الاجتماعية، إذ أجد نفسي أبتعد تدريجيًا عن الأهل والأصدقاء، لأنني لا أملك طاقة للقاء أو تواصل".
خريطة طريق لإنصاف العاملين عن بعد في سوريا
يرى العاملون في قطاع العمل الحر، أن الخطوة الأولى لتجاوز معاناة الشباب السوري في هذا المجال تتمثل بضرورة تأسيس إطار قانوني واضح يحمي حقوق العاملين عن بعد. فغياب التشريعات والأنظمة التنظيمية يُعرّضهم لاستغلال غير مسبوق، ويجعلهم في موقع ضعف أمام جهات العمل المحلية أو الأجنبية. ويجب فرض قوانين تنظم العقود، وتحدد حقوق وواجبات الطرفين، وتوفر آليات لحماية الأجور، سيكون حجر الأساس لتحقيق استقرار مهني ونفسي لهم.
من جانب آخر، لا يمكن فصل هذه الجوانب القانونية عن تحسين البنية التحتية الرقمية التي تشكل البيئة التي يمارسون فيها أعمالهم. فضعف خدمات الإنترنت المتكرّر، وانقطاع التيار الكهربائي المتكرر، يعكسان صورة قاتمة عن واقع لا يتناسب مع متطلبات العمل الرقمي الحديث. ويؤكد المختصون أن تطوير هذه الخدمات هو استثمار حيوي في مستقبل سوق العمل الرقمي السوري، ويشكل عاملًا رئيسيًا في تخفيف الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون.
تلعب منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام دورًا محوريًا في هذه المعادلة. إذ يمكنها المساهمة بفعالية في رفع وعي الشباب بحقوقهم، وتعزيز ثقافة العمل الحر بشكل مسؤول ومتوازن، عبر حملات توعوية وبرامج تدريبية تستهدف مختلف شرائح المجتمع. كما يمكن لهذه الجهات أن تضغط باتجاه إقرار تشريعات تحمي العاملين، وتدعم جهود تحسين البنية التحتية.
إضافة إلى ذلك، تشجيع إنشاء مجموعات دعم متخصصة تجمع العاملين في العمل الحر، قد يخفف من الإحساس بالوحدة ويزيد من تبادل الخبرات والنصائح.
في النهاية، لا بد من التذكير أن الاستثمار في حقوق ورفاهية العاملين عن بعد هو استثمار في مستقبل الاقتصاد السوري الرقمي، وركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة.