سوري يسأل بحرقة: لم لا يساعدنا أحد؟

سوري يسأل بحرقة: لم لا يساعدنا أحد؟

سوري يسأل بحرقة: لم لا يساعدنا أحد؟
صواريخ كروز الأمريكية خلال الضربة العسكرية الثلاثية على نظام الأسد

تاريخ النشر: 15.04.2018 | 12:31 دمشق

نعم، إنه سؤال وجيه، خاصة بعد جلبة الضربة الثلاثية الأخيرة والحشد العسكري والتي توقفت عند حد " إياك واستخدام الكيماوي مرة أخرى " فلم لا يتحرك العالم بجدية ويساعد السوريين وينهي هذه الحرب الدامية؟ ما الذي ينقصهم (غير نصف مليون شهيد ومدن وحقول ومصانع هدمت)؟

المنطق يقول إن مصلحة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن يستمر في الحرب على بشار حتى يسقط، لعله بذلك يشغل الأميركيين بعيدا عن فضائحه، يثبت لهم  أنه لا يخشى بوتين وأن تلك المزاعم الفضائحية أنه " ماسك " عليه شيء غير صحيحة، وهي  أيضا فرصة له للضغط على إيران و جرها لمواجهة بعيدا عن أرضها ،  فهي لا تتمتع بدعم دولي في سوريا  وتفتقر إلى سبب أخلاقي لأفعالها هناك،  باستطاعته أن يبطش بهم ولن يبكي عليهم أحد، فسوف يرضي أيضا قاعدته الانتخابية فما أكثر ما توعد وحذر من إيران ، وهم دوما بحاجة إلى عدو يفرغون فيه شحناتهم الغاضبة.

يستطيع أيضا أن يتصل بالسعوديين ويقول لهم، انظروا، هأنذا أطرد إيران من سوريا من أجلكم، معروف بالطبع ما الذي سيطلب منا مقابل ذلك، والمفترض أننا سنتحمس لذلك،

إن معظم السوريين قتلوا بغير الأسلحة الكيماوية فلنبحث عن استراتيجية أوسع تنهي هذه الحرب

فولي العهد السعودي ما فتئ يحذر العالم من تجاهل التوسع الإيراني والذي شبهه بالنازي بل حتى قال إنه أخطر من هتلر، لذلك يفترض أن يقفز السعوديون لشراكة كاملة مع الأمريكيين وحلفائهم ويضغطوا عليهم للاستمرار في الحملة وتوسيعها لتشمل أهدافا إيرانية صريحة.

ولكنه حتى الآن لم يفعل ترمب ذلك، أعلن أن المهمة حققت أهدافها، لعل إدارته ناقشت استراتيجية أوسع، ففي كلمته عقب الضربة ، جاء على لسان وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس " لقد حان الوقت للأمم المتحضرة أن تتحدث وتضع حدا للحرب الأهلية في سوريا " هذه العبارة المنمقة لم تأت عرضا في كلمته المكتوبة، لعلها كانت مصاغة بشكل مختلف ثم خففت إلى هذه الصيغة المفتوحة والتي لا تنبئ أن " إنهاء الحرب السورية " هو الاستراتيجية الأمريكية القادمة، لابد أن أحدا ما كان يبحث مع ماتيس ورئيسه ترمب عن هدف أوسع واستراتيجي لا يقتصر على مسألة السلاح الكيماوي ، لابد أن أحدا ما قال في اجتماعات البنتاغون والخارجية الأمريكية ، أو في اتصال مع حلفاء واشنطن الإنجليز والفرنسيين إن معظم السوريين قتلوا بغير الأسلحة الكيماوية فلنبحث عن استراتيجية أوسع تنهي هذه الحرب .

في النهاية وبعد جدل وكما تبين لنا جميعا، انتصر الرأي القائل بتدخل محدود قاصر على " إياك أن تستخدم الكيماوي مرة أخرة!" فلماذا؟ ما الذي يخشاه العالم من انتصار الثورة السورية؟ وهي ثورة لو تنتصر (والانتصار بات مسألة نسبية) فسوف تكون مثخنة بالجراح، لعل بعض العرب يخشى من فكرة سخيفة تدعى" تصدير الثورة " أو " تصدير الديموقراطية “، حماقة هذه، فأي حكومة سورية قادمة ستكون مشغولة من أخمص قدميها بقضايا مصيرية من تعزيز مفهوم الوحدة الوطنية إلى استيعاب ملايين المهاجرين العائدين إلى مدن مدمرة،

كل حروب الدنيا، من البوسنة إلى رواندا، وجدت من يسعى لإنهائها، إلا الحرب السورية

ناهيك عن ثارات وفقر واقتصاد منهار ، ربما لا تخرج سوريا من أزمتها إلا بعد عقد كامل ، حينها اقلقوا ما شئتم من تصدير الديموقراطية .

أعتقد أن من المفيد أن يناقش السوريون السؤال " لماذا لا يساعدنا أحد؟ " وما يتفرع عنه من أسئلة، كل حروب الدنيا، من البوسنة إلى رواندا، وجدت من يسعى لإنهائها، إلا الحرب السورية، حتى إنهم لم يعودوا يسعون حتى إلى " حل سيئ " غير عادل، أي شيء وأوقفوا الحرب، بالرغم من أن مصلحة السعودي في إخراج إيران، ومصلحة الأمريكي في إحراج الروس، ومصلحة الفرنسي (لنفترض ذلك) في إحلال السلام والعدالة والحرية والمساواة.

لقد كشفت ضربة ترمب الأخيرة عن هذا الجانب القبيح في التعامل مع القضية السورية والتي تستحق أن تكون أم القضايا الإنسانية والأخلاقية في العالم، والكابوس الذي يكدر الضمير العالمي، فأكثر شعوب الأرض هجرة هم السوريون، وأكثرهم قتلى، ومنذ الحرب العالمية الثانية لم تشهد مدن تدميرا واسعا كالمدن السورية، وبالرغم من كل هذا يهرب الجميع من البحث عمّا دعا ماتيس الأمم المتحضرة إليه " إنهاء الحرب السورية " إلى " إياك أن تستخدم الكيماوي مرة أخرى فقط “.

لم تعد التحليلات الجيوستراتيجية مهمة، معظمها يقول بضرورة التدخل وإنهاء الحرب، والمترددة منها تدعو إلى استراتيجية شاملة لحل الأزمة وليس " الكيماوي منها " فقط، لم يعد كل ذلك مهماً، حان الوقت لأن يبحث السوري في ذاته،  ويبحث " لماذا لا أحد يساعدنا؟ " لعل باب الخروج يكون في الإجابة عن هذا السؤال.