خلال الأشهر الأخيرة، بات ملف السكن واحداً من أكثر العوامل المؤثرة في قرار السوريين المغتربين حول العودة أو البقاء في بلدان اللجوء.
بالنسبة لكثير من السوريين المقيمين في مصر، تتقاطع مسألة غلاء الإيجارات في مناطق عديدة من سوريا مع ندرة فرص تملك مساكن آمنة وصالحة للسكن، وفقدان عدد كبير منهم لمنازلهم بسبب الحرب، فتتحول العودة إلى خيار محفوف بالمخاطر الاقتصادية والاجتماعية، وليس مجرد حنين أو رغبة عاطفية بالرجوع إلى الوطن.
تزايدت أعداد السوريين العائدين من مصر في الآونة الأخيرة بشكل ملحوظ، وسط غياب الإحصائيات الرسمية حولهم.
غلاء الإيجارات يلتهم مدخرات العودة
ارتفاع الإيجارات في مدن سورية رئيسية، سواء في المدن أو أطرافها، يجعل من الاستئجار على عاتق رب الأسرة عبئاً مزدوجاً، وما يتبعها من مصاريف صيانة وتأمين وبنية تحتية متدهورة، بالإضافة إلى طلب المؤجر مقدماً قد يصل إلى ستة أشهر.
بالنسبة لعائلة تريد العودة بعد سنوات من العمل في مصر، أصبح السؤال الأول: هل تكفي مدخرات العودة لسداد إيجار سنة أو سنتين ريثما يستقر الحال؟ كثيرون يجيبون بـ"لا".
في دمشق، وبحسب مصادر سورية، وصلت إيجارات المنازل لشقة مفروشة في الأحياء المتوسطة والراقية من 6 إلى 10 مليون ليرة سورية (من 600 إلى 1000 دولار أميركي) ، بينما في الأحياء الشعبية وأطراف المدن، يتراوح الإيجار بين 1 إلى 3 ملايين ليرة شهرياً (100 إلى 300 دولار أميركي).
يقول أحمد الشيخ ( 45 عاماً) وهو سوري مقيم في مصر: "لدي عمل ثابت في مصر، وإيجار منزلي وصل إلى (90 دولاراً أميركياً)، لكن عندما سألت عائلتي عن الإيجارات في ريف دمشق، كان الرد بأنها تصل إلى (200 دولار) ويمكن أكثر، عدا أني لا أملك عملاً يوازي هذه المصروفات.
وتزداد المشكلة إذا كانت الرواتب في سوريا ليست كافية لمستوى الإيجار الحالي، أو إذا كانت فرص العمل الرسمية محدودة. هنا يتحول السكن من حق أساسي إلى عنصر يحدد ما إذا كانت العودة مجدية أم ستؤدي إلى عودة سريعة ثانية تلتهم ما تبقى من مدخرات.
تأثير الحرب والدمار على بيوت العائدين
وجد كثير من العائدين من مصر إلى سوريا منازلهم مدمرة بشكل جزئي أو كلي، بدون أسقف أو أبواب ونوافذ، ومن دون كهرباء وأسلاك حتى، كما هناك عدد من المنازل التي ضاعت أوراق ملكيتها أو سجلت تحت أسماء جديدة بتواطؤ من النظام المخلوع، وهو ما أثار قلق عدد كبير من الراغبين في العودة والاستقرار في البلاد.
يقول معاذ خير (53 عاماً) وهو سوري مقيم في القاهرة: "منزل عائلتي في الغوطة الشرقية مدمر بالكامل، ونحتاج لآلاف الدولارات من أجل ترميمه ليصبح قابلاً للعيش، سرقت منه جميع الأبواب والنوافذ وحتى أسلاك الكهرباء".
يضيف معاذ: "نعمل أنا وأخي بمحلات سورية في مصر، وبالكاد نوفر حياة كريمة لعائلاتنا ووالدينا، من الصعب أن نفكر حالياً بترميم المنزل أو حتى نعود ونستأجر منزلاً، الأسعار غالية جداً وقدراتنا محدودة".
نقص التمليك أيضاً وغلاء المنازل يعتبر أزمة للراغبين في الشراء والاستقرار، حتى بعد أن شهدت بعض العقارات انخفاضاً نسبياً في السعر، إلا أن عدداً كبيراً من الناس لا يملكون المبالغ المطلوبة، مثلاً، منازل في الريف معروضة بـ 200 مليون إلا أنها لا تناسب الإمكانات.
الحسابات بين المعيشة في مصر والعودة
يعيش كثير من السوريين في مصر حياة بالكاد توفر الكفاف، بينما مدخولاتهم الشهرية تُصرف على الإيجارات والعيش، وإذا ما تم العودة فسيكون عليهم أن يدفعوا إيجارات داخل سوريا هي الأعلى مقارنة بالدخل المحلي.
واكتسبت شريحة واسعة من السوريين في مصر، شبكات اجتماعية وعملية، بينما أطفالهم يدرسون في مدارس مصر، وبعضهم أسس لمهن جزئية أو يعمل في القطاع غير الرسمي، مما يجعل فكرة العودة مرتبطة بتحول مادي واضح، ليس فقط الانتقال الجغرافي، بل إعادة بناء حياة كاملة.
تقول ميادة علي، سورية مقيمة في القاهرة وأم لثلاثة أولاد: "أحلم بالعودة، لكن لا يمكنني أن أبدأ من الصفر حالياً، أعمل أنا وزوجي من أجل تأمين متطلبات الحياة، لكن لا يوجد لدينا في سوريا لا منزل ولا عمل، و حتى تكاليف السفر تحتاج منا مخططاً وميزانية".
وتضيف ميادة: "جميع الذين عادوا إما لديهم منزل لهم، أو منزل ملك عائلة، أو حتى عندهم رفاهية استئجار منزل، لو كنت بهذا الوضع لاخترت العودة فوراً".
الحنين إلى الوطن هو دافع قوي، لكن الاستقرار الحقيقي يتطلب أكثر من مشاعر، يحتاج إلى أمان سكني، دخل مستدام، وثقة بأن المستقبل قابل للبناء، بحسب ما يعبّر سوريون في مصر.
وارتفاع الإيجارات وغياب بيوت التمليك يضعان السوريين في مصر أمام معادلة صعبة: البقاء في بلاد الاغتراب مع كل ما فيه من تحديات، أو العودة إلى الوطن والمخاطرة بعدم وجود منزل؟