سوريون عائدون من لبنان.. خوف وعطالة وعزلة

تاريخ النشر: 05.03.2021 | 08:59 دمشق

دمشق ـ خاص

"كانت أصعب عشرة أيّام أمضيتها في حياتي؛ لا مال، لا كهرباء، لا إنترنت، وأخيراً لا عمل.. ومرّات من غير طعام.". يقول خالد عزّ الدين (31 عاماً) لتلفزيون سوريا، وهو مقيم سابق في لبنان وعاطل عن العمل حالياً في مسقط رأسه دمشق، واصفاً الأيّام العشرة الأولى له في بيروت عقبَ حادثة انفجار المرفأ.

خلّفَ انفجار مرفأ بيروت 4 من آب 2020، وهو آخر حلقات مسلسل انهيار الاقتصاد اللبناني، الآلاف من الشبّان السوريين العاطلين عن العمل والمحرومين من أبسط متطلّبات الحياة من مَسكَنٍ واتصالات وكهرباء وحتّى الطعام في بعض الأحيان؛ ما دفع عدداً كبيراً منهم لاتخاذ قرار مصيري بالعودة إلى سوريا، الأمر الذي يهدّد معظمهم بالاعتقال التعسّفي أو التجنيد الإجباري أو الملاحقة الأمنية لاسيّما وأنّهم كانوا مقيمين في لبنان بشكل غير قانوني. فكيفَ عاد هؤلاء الشباب إلى سوريا؟ وكيف يتعايشون مع الوضع في الداخل بعد مرور نحو سبعة أشهر على الانفجار في بيروت؟ وما أهمّ المعوّقات التي تواجههم في مناطق سيطرة النظام؟ وكيفَ انعكست هذه الهجرة العكسية والاضطرارية على صحّتهم النفسية؟

 

العودة تهريباً إلى الوطن   

على بُعد دقائق من مرفأ بيروت، وتحديداً في منطقة برج حمود، كان خالد عزّ الدين في ورشتهِ (لصياغة الذهب) يعملُ كالعادة على جديلة جديدة من أساور الذهب عندما قَذفه الانفجار لأمتارٍ بعيداً عن طاولتهِ ليرتطمَ جسدهُ بالحائط ويغمى عليه.

على سرير في مستشفى ميداني بالقرب من مستشفى "الجعيتاوي" الغاصّة بالجرحى أُجْرِيَتْ لخالد بعض الإسعافات الأوّلية، ثمّ طُلبَ منه العودة إلى المنزل. عاد خالد إلى منزله الكائن بالقرب من ورشتهِ في برج حمود وكان المشهد " محزناً ومخيفاً."، ويضيف: "عندما دخلتُ إلى المنزل كانَت شظايا البلور تملأ المكان، وكان هناك تشقّق في الجدار أعلى فراشي، وكانت الشاشة مهشّمة على الأرض. شعرت لوهلة أنّ البناء مهدّد بالانهيار بين اللحظة والأخرى، حزمت بعض أغراضي المهمّة وذهبت إلى منزل صديقي الذي بتُّ عنده في تلك الليلة."

وجدَ خالد نفسه بين ليلة وضحاها فاقداً لكلّ شيء كان يملكهُ في بيروت: فرش المنزل، عمله في ورشة الذهب، واستقراره المادّي والنفسي. يقول: "فقدتُ عملي مباشرةً بعدَ الانفجار كانت الورشة التي أعمل بها على بُعد بضعة كيلو مترات فقط من المرفأ ما أدّى إلى تداعي بعض جدرانها وتحطّم طاولات العمل والأدوات التي عليها."

بعدَ عشرة أيّام قضاها خالد زائراً عندَ أحد أصدقائه (من المنكوبين) نضجَ القرار في ذهنهِ أخيراً: " كان عليّ أن اتخذ قراراً بالعودة إلى سوريا، فلم يعد هناك أدنى مقوّمات الحياة في بيروت خاصّةً بعد خسارتي لعملي ومنزلي."

تواصل خالد مع أحد المهرّبين الذي طلب منه مبلغ 600 دولار مقابل تهريبه عبر الحدود وإلى غاية دمشق، وافق خالد واستدان المبلغ من قريب لهُ في ألمانيا، وعن رحلتهِ الخطرة تلك في طريق العودة إلى الوطن يقول خالد: "لقد سلكتُ برفقة مهرّبيْن مسلَّحيْن طريقاً وعراً صخرياً عبرَ الجرود في طريق فرعي لا أعرفهُ قُربَ معبر المَصنع اللبناني، كانت الساعة الثالثة فجراً وكان الجو مشحوناً بينَ المهرّبين الذين يتصايحون عبر اللاسلكي. شعرت بالرعب عندما توقّفتْ السيّارة بعدَ ساعتين فجأة ونزلَ الرجلان منها، نطقتُ بالشهادتين وسلّمت أمري لله. وما هي إلا دقائق حتّى عاد أحدهما وأمرني بالركوب في سيّارة أخرى كانت وصلت للتو."

رسم بياني تقريبي على خرائط غوغل يوضح الطريق الذي سلكه خالد من بيروت إلى دمشق

عندئذٍ فقط تنفّس خالد الصعداء، وعلمَ أنّه بات على الأراضي السورية، يقول: "عند وصولنا إلى بلدة "البطرونة" (الأراضي السورية) تسلّمني رجلان يرتديان الزيّ العسكري وعبروا بي أربعة حواجز من الخطوط العسكرية دون أن أُفَتَّش أو أفيَّش حتّى وصلت إلى منزلي في قدسيا."

لعلّ خالد واحد من مئات أو آلاف الشبّان الذين اضطرّوا إلى عبور الحدود بهذه الطريقة الخطرة والمرعبة بسبب كونهم مطلوبين من قِبل سلطات النظام التي لن تتوانى عن الاحتفاظ بهم أو اعتقالهم أو تجنيدهم إجبارياً فور عبورهم المعابر الرسمية.

بين العزلة والألم  

"فقدتُ السيطرة وانهرت تماماً عندما رأيتُ سيّارة دفن الموتى تتقدّمُ خارجةً من المستشفى وبداخلها والدتي التي كانت قد فارقت الحياة منذ ساعات فحسب. لم يؤلمني موتها بالقدر الذي آلمني بهِ عدم قدرتي على رؤيتها وهي تُدفن وأن أحضر عزاءها في الضيعة. فموتها قضاء وقدر من الربّ ولكنْ عدم قدرتي على حضور عزائها فهذا بسبب أشخاصٍ ومؤسّسات لا تعرف معنى الرحمة ولا يُهِيْبُها الموت أو يشفع لأحدٍ عندها." هذا ما قاله إلياس (27 عاماً)، العائد من لبنان والمتخلّف عن الجيش، لموقع تلفزيون سوريا عن معاناتهِ لعدم مقدرته على حضور جنّازة والدتهِ خوفاً من إلقاء القبض عليهِ وتجنيده إجبارياً على طريق السفر إلى حمص حيثُ ستقام مراسم العزاء في قرية هناك.

تأثّر إلياس بوفاة والدته، وتأثّر بشكل أكبر بـ"الظلم" الذي تعرّض لهُ منذ عودتهِ من لبنان، فلا يستطيع الشاب اليوم أن يعمل أو أن يسافر مجدّداً أو أن يأتي بأيّة حركة خارج نطاق حيّهِ الكائن في منطقة باب توما_ دمشق خوفاً من الوشاية أو من الوقوع في فخّ "حاجز طيّار"، يقول:
"بعدَ مجيئي من بيروت انصدمت بالواقع الذي نعيشه هنا في سوريا، لم أطِقْ الإفلاس أو مدّ يدي باستمرار لوالدي المُسنّ ليعطيني المصروف أو عدم قدرتي على الخروج لأبعد من خمسمئة مترٍ أبعد من عتبة منزلنا. حاولت السفر إلى أربيل ولكنّني فشلت، ثمّ حاولت السفر إلى الأردن وفشلت أيضاً."

ضاقت السبل أمام إلياس وأخذ يتململ بعد محاولاتهِ _ عبثاً_ كسر الخناق المفروض عليه. وبعد شهورٍ من الانتظار والمحاولات الفاشلة للسفر تدهورت حالته النفسية وأخذت تدهمهُ نوبات من الاكتئاب الحاد اقتضتْ في مرّة استدعاء طبيبٍ عند منتصف الليل ليعطيه حقنة مهدّئة. يحكي إلياس: "أشعر عندَ حلول المساء بوحدة عظيمة، ثمّ أشعر بضيق في التنفّس وأريد أن أبكي ولكنّي لا أستطيع. لا رغبة لي في الطعام أو الخروج من المنزل، فأشعر أنّ كلّ شيء انتهى بالنسبة لي."  

يعيش اليوم إلياس حياته وحيداً في غرفتهِ ولا ينفذ إلى العالم إلّا من خلال فضاءاتهِ الافتراضية متنقِّلاً بين يوتيوب وفيس بوك وغيرها من المواقع التي تؤنسه في عزلته القسرية هذه محمّلاً نفسه ذنب وفاة والدتهِ التي يعتقد أنّها توفَّتْ نتيجة حزنها على حاله.

من معيل للأسرة إلى عالة

على الرغم من أنّ إلياس لا يزال يعتمد على والدهِ في مصروفه اليومي، إلا أنّ خالد، والذي هو أب لطفلين، تبدو مشكلته مع عدم عثوره على فرصة عمل أكبر بكثير؛ فهو على النقيض من إلياس، لديه عائلتان (كبيرة وصغيرة) ليعيلها.

دأب خالد، عندما كان لا يزال في بيروت، على إرسال النقود شهرياً إلى أسرتهِ المؤلّفة من خمسة أفراد: الأم، الأب، الشقيق، الزوجة، وطفلين. أمّا اليوم فهو بلا عملٍ منذ وصوله إلى سوريا، يقول: " لم أتمكّن من الحصول على عمل فالصاغة في دمشق إلى تراجع مستمرّ و"المعلّمون" الذين كنت أعمل معهم جميعهم قد هاجروا، ناهيك عن عدم قدرتي على التنقّل بشكل آمن بينَ المُدن في دمشق."

يتابع خالد: "لقد بلغت مديونيتي 3500 دولاراً لأصدقاء وأقارب ساندوني في هذه المحنة، ولكن إن لم أتمكّن من السفر مجدّداً فمن المؤكَّد أنّنا سنواجه مشكلات حقيقية خاصّة وأنّ منزلنا في الإيجار وأنّنا لم نكن نملك ولا نملك الآن أيّ مصدر للدخل سوى عملي .. الذي فقدته."

لا يوجد إحصائيات دقيقة حول أعداد العائدين من لبنان إلى سوريا منذ لحظة انفجار المرفأ وحتّى اليوم، ولكن المؤكد أنّ جميع من عادوا ولا سيّما من الشباب يعيشون اليوم معاناةً حقيقة سواء في إيجاد فرص العمل أو في التنقّل بين المدن أو حتّى بين الأحياء مما انعكسَ سلباً على صحّتهم النفسية وعلى مستقبلهم .