سوريا وملاعب ما قبل الدولة: عن كرة القدم بوصفها "سياسة"

تاريخ النشر: 29.06.2021 | 06:07 دمشق

في المباراة الافتتاحية التي جمعت المنتخبين السوري والتركي، ضمن منافسات "دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط" عام 1987، قام حكم المباراة بطرد اللاعب السوري سامر درويش على خلفية خطأ ارتكبه بحق أحد اللاعبين الأتراك. فور مغادرة درويش الملعب، "استقبله" المدير الفني للمنتخب آنذاك، فاروق سريّة، بصفعة على وجهه، ما تزال محفورة في ذاكرة كل من شاهدها. "برّر" سريّة ذلك التصرف لاحقاً بالقول: "أنا أحب سامر درويش، وأتعامل معه كابن لي".

مدعاة تَذكّر تلك الحادثة، أن "العالم" يشهد ويتابع اليوم منافسات بطولة "كأس الأمم الأوروبية"، تلك التي ترتفع وتعلَّق بمناسبتها أعلام البلدان المشاركة فيها على الشرفات وفوق أسطح المنازل، في إيطاليا وألمانيا وفرنسا وبولندا وغيرها، مع حميّة "وطنية" يزداد منسوبها في مناسبات كروية مثل المناسبة المذكورة، أو كأس العالم، ويَخفُت صوتها في الأيام التي لا بطولات كبرى فيها.

الأب الذي يحب ابنه. المدرب الذي يحب اللاعب. "الأب القائد" الذي "يعطف" على "المجتمع" ما يضطره إلى ضربه على الأقل، أو سحله وتعذيب بعض أبنائه، ليردع أبناءً آخرين عن "الانحراف"

ذلك أن البلدان التي انتصبت واستوَت دولاً– أمماً حديثة على ما يشير اسم البطولة (الأمم الأوروبية)، لم تعد بحاجة إلى تسييس كل شيء، بما فيه كرة القدم، تسييساً صارماً قتالياً "نضالياً"، بخلاف البلدان التي ما تزال في مراحل ما قبل الدولة، تهرب منها إلى "الأمة العربية" حيناً، وإلى "المقاومة" و"الصمود" و"التصدي" أحياناً أخرى. لا تمكن قراءة صفعة سريّة لدرويش من دون ملاحظة هذه المسائل.

الأب الذي يحب ابنه. المدرب الذي يحب اللاعب. "الأب القائد" الذي "يعطف" على "المجتمع" ما يضطره إلى ضربه على الأقل، أو سحله وتعذيب بعض أبنائه، ليردع أبناءً آخرين عن "الانحراف" والتأثر بالمشاريع الخارجية، أو خوفاً على "الوطن" من أن يبدو بمظهر معاكس "لما هو عليه". "الوطن مقدس" و"منزّه" عن كل ما من شأنه أن "يدنّسه"، حتى لو كان خطأً كروياً وبطاقةً حمراء تستدعي صفعة أمام الكاميرات العالمية الناقلة للمباراة، صفعة تقول للعالم: نحن لا نرتكب الأخطاء وإذا ارتكبناها.. نصححها!

من جانب آخر، ثمة ذلك الهاجس بالنقاء، وبِجَعل "المجتمع" خالياً من "الأخطاء" والخطايا" "والانحرافات" من منظور النظام السوري والأنظمة الشبيهة به. وباجتماع "الأبوية" مع "النقاء"، نكون أمام حالة يلتقي فيها الاستبداد الشرقي، الأبوي، مع الشمولية في أسوأ أشكالها.

ذكريات السوريين مع كرة القدم في بلدهم هي أبعد ما تكون عن "المتعة" التي يعيشها غيرهم مع اللعبة، وأقرب ما تكون إلى "نشرات الأخبار" في التلفزيون الرسمي وبرنامج "بناة الأجيال". في كل مباراة دولية على أرض "الوطن"، تنتصب صورة كبيرة، على الأقل، لحافظ الأسد أو لابنه، في أعلى المدرجات، يرافقها صوت معلّق رياضي لا يكف عن الهتاف باسم الأسد واسم سوريا طوال فترة المباراة. وإذا حصلَ وسجّل المنتخب السوري هدفاً في مرمى الخصم يرتفع صوت المعلّق: "جول لسوريا الأسد". وغني عن القول إن درجة صراخ المعلق الرياضي تتناسب طرداً مع هوية الفريق الخصم. يرتفع الصراخ باسم "الأسد" كلما كان الفريق غربياً أو آسيوياً، وتنخفض حدة الصراخ في حال كان الفريق عربياً. الأخوة والانتماء ووحدة المصير العربي تقتضي الصراخ بتواضع، على الأقل، مع الحفاظ على حضور الأسد في كلتا الحالتين.

لكنّ "التسييس" البالغ والمفرط لكرة القدم في سوريا لا يعني أن اللعبة ستكون منزَّهة عن التسييس في أماكن وبلدان أخرى، إلا أن طبيعة هذا التسييس فيها تستدعي التفكير به أكثر مما تستدعي إدانته. فمن النقاشات والسجالات والمقالات التي تتناول أدوار اللاعبين الأفارقة والمهاجرين في المنتخبات الأوروبية، إلى استحضار المواضيع الاستعمارية وغير الاستعمارية بين بلدين يلتقيان ضمن مباراة حاسمة، وليس انتهاءً باستحضار ثنائيات رديئة من قبيل "الشرق" و"الغرب" و"الشمال" و"الجنوب" عندما يواجه فريق غربي فريقاً من دول العالم الثالث. هكذا يمكن أن تكون كرة القدم استثماراً لليمين واليسار في البلدان الأوروبية، كما هي استثمارٌ، بطبيعة الحال، لشركات المراهنات والمضاربات وصناعة الأحذية والقمصان والرايات واللافتات.

ثمة أمثلة كثيرة على ذلك، ليس الوحيد من بينها موقف وزير الداخلية الفرنسي أيام مونديال 1998، شارل باسكوا، الذي تحول من داعية يميني قومي يطالب بإغلاق الحدود في وجه المهاجرين، إلى الدعوة لتجنيس 80 ألفاً منهم بعد فوز المنتخب الفرنسي بكأس العالم. استحضار اللاعبين المهاجرين في صفوف المنتخب الفائز كان حجة ومناسبة لانعطافات سياسية هي، وإن تكن غير معنية بكرة القدم ولا بالمهاجرين، إلا أنها تشير إلى اتساع الدور الذي تلعبه المستديرة في الشؤون الداخلية لبلدان تحضر السياسة وتتخذ فيها "معنى".

فإذا أضفنا إلى ذلك.. الأثر الذي تركه فوز الفرنسيين بالكأس عامي 1998 و2018، وكان للّاعبين المهاجرين وخصوصاً المنحدرين من أصول إفريقية ومغاربية دور فيه، على مزاجٍ فرنسيٍّ كاره لهم في بعض الأوساط، بتنا أمام دلالات سياسية واجتماعية إضافية لكرة القدم، دلالات تنفي عنها التهمة بكونها مجرد كرة مطاطية يتقاذفها 22 لاعباً.

كل هذا يحصل في بلدان يمكن الحديث فيها عن السياسة، وعن اليمين واليسار. عن الانتخابات والتنوع والرأي العام والعنصرية والحركات المناهضة للعنصرية، على عكس الحال في سوريا وما شابهها من بلدان، حيث تغيب السياسة ومعها متعة كرة القدم، لنقف أمام بلد يزجه النظام الحاكم فيه في مواجهة مع العالم، بعدّة "نظرية" مثيرة للسخرية، وألعاب ورياضاتٍ مُبعثَنة، وحالة حربية دائمة تهجس بالمؤامرات وبمتآمرين داخليين وخارجيين مفترَضين. نظام يستعيض عن الهزائم السياسية والعسكرية الفعلية بالانتصارات الكروية الوهمية، مع جرعات عالية من الذكورية تجاه الخصم، وعبارات مثل "المعركة" و"الموقعة" وغير ذلك، عوضاً عن "المباراة" أو "اللقاء". أسماء الأندية السورية تقول الكثير عن ذلك: الجيش، الشرطة، حطين، تشرين، الجهاد، الجلاء.. وهي أسماء يمكن أن تناسب أي شيء إلا كرة القدم، بمتعة هذا الأخير وبالفرح الذي يدخله في قلوب مدمنيه وعشّاقه.

معارضون كثيرون منحازون للثورة فرحوا بعدم تأهله إلى نهائيات كأس العالم 2018 باعتباره "منتخب بشار الأسد"

في زمن ما بعد الثورة السورية، بات الموقف من المنتخب السوري موقفاً سياسياً بامتياز، وهذا مفهوم بطبيعة الحال. معارضون كثيرون منحازون للثورة فرحوا بعدم تأهله إلى نهائيات كأس العالم 2018 باعتباره "منتخب بشار الأسد"، ومنهم كاتب هذه السطور، في حين بدأ مؤيدو النظام باستحضار فرضيات "المؤامرة لإخراج سوريا من المنافسة". فكأنّ من أخرج سوريا من العالم ووضعها خارج التاريخ، هي تلك المؤامرة التي لم تتوقف منذ عقود، من دون أن يعني ذلك أن معارضين للنظام لن يشاركوا بدورهم في نظريات المؤامرة في مواضع أخرى، غير كروية، ولهذا حديث مستقل آخر..