سوريا وعسكريوها – نموذج جنوب أفريقيا

سوريا وعسكريوها – نموذج جنوب أفريقيا

سوريا وعسكريوها – نموذج جنوب أفريقيا

تاريخ النشر: 21.02.2021 | 00:04 دمشق

بين عامي 1990 و1996، حدث في دولة جنوب أفريقيا، ما هو أشبه بالمعجزة، إذ انحلت عُقد أعتى نظام حكم عسكري في العالم، بعد الحرب العالمية الثانية، وبدأ مواطنو هذه الدولة، ذات الأغلبية الإفريقية السوداء، بالانتقال التدريجي، لكن السريع، إلى نظام حكم مدني ديمقراطي. تلك المعجزة ما كان لها أن تتحقق لولا أن عُتاة المعارضين الجنوب أفريقيين، وفي مقدمتهم، رمزهم الراحل، نلسون مانديلا، أدركوا بعد عقود من النضال الدامي والمُكلف، أن إخراج الأقلية الحاكمة المستبدة في بلدهم، من الحياة السياسية، دفعةً واحدةً، وبشروط إقصائية، أمر مستحيل. وأن حل مأساتهم التي استمرت لأكثر من 4 عقود، منذ تأسيس نظام الفصل العنصري الحاكم لديهم عام 1948، يتطلب تنازلات مؤلمة، خاصةً بالنسبة لملايين السود الأفارقة الذين قدّموا تضحيات جسيمة، بشرية ومادية ونفسية، طوال العقود الأربعة المشار إليها.

مناسبة الحديث عن هذه التجربة هو إعادة طرح فكرة المجلس العسكري الانتقالي في سوريا، في الآونة الأخيرة. ورغم أن الجدل حول هذه الفكرة بات يفتقد القيمة الآنية بعد أن نفت روسيا استعدادها الحالي لبحث ذلك، ومن ثم نفت "منصة القاهرة" أي دور مباشر في طرحها، مما يُنبئ بأن الفكرة ستُوضع على الرف مجدداً، كما حدث عدة مرات في السنوات العشر الفائتة، إلا أنه يبقى لمناقشة هذه الفكرة، بعدٌ أعمق، يسمح بتصور مخارج واقعية للأزمة السورية المستعصية، يمكن العمل عليها، في المدى المنظور، حتى لو تم التجديد لرأس النظام، بشار الأسد، لولاية جديدة، في العام الحالي، كما هو متوقع.

ذلك أن النقاش حول فكرة المجلس العسكري الانتقالي في سوريا يحيلنا إلى سؤالين قد يسمحان بفهم ما يمكن فعله في بلدنا، مقارنة بتجارب تاريخية مماثلة. السؤال الأول: هل الانتقال السياسي إلى الديمقراطية في نظم حكم عسكرية، يتطلب تفاهماً مع فئة من ضباط الجيش؟ أما السؤال الثاني فهو: لو تم اعتماد فكرة الانتقال بموجب مجلس عسكري انتقالي، هل يعرّضنا ذلك في سوريا للوقوع في مطب حكم عسكري جديد، بحيث أن ما سيحدث هو فقط، تغيير للوجوه، إذ يخرج آل الأسد، ليحل مجموعة من ضباط الجيش والأمن مكانهم فقط، لا أكثر؟

للجواب عن هذين السؤالين، من المفيد مراجعة تجارب الانتقال إلى الديمقراطية في عدد من البلدان، بعد الحرب العالمية الثانية. وبهذا الصدد، نجد دراسة موسّعة، وغنية بالمعلومات والتجارب، نشرتها مجلة "سياسات عربية" في كانون الثاني/يناير 2017، حملت عنوان "الجيوش والانتقال الديمقراطي – كيف تخرج الجيوش من السلطة؟"، أعدّها أستاذ العلوم السياسية، المصري الجنسية، عبد الفتاح ماضي، والذي يعمل كباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة.

الدراسة تستعرض تجارب الانتقال الديمقراطي في كل من: البرازيل، إسبانيا، جنوب أفريقيا، وكوريا الجنوبية. وتخلص الدراسة إلى وجود قواسم مشتركة بين حالات الانتقال الديمقراطي، الناجحة، تلك. وفي نفس الوقت، هناك خصوصية لكل حالة على حدة. أبرز القواسم المشتركة، هي وجود كتلة معارضة غير متصارعة، ومتفقة على هدف استراتيجي محدد.

يجب إفقاد النظام الحاكم المستند للقوة العسكرية، الدعم الخارجي، أو تحييد هذا الدعم، عبر طمأنة القوى الخارجية المؤثرة على مصالحها الحيوية

إلى جانب ذلك، وفي كل الحالات، التي حاول فيها المعارضون المدنيون إخراج العسكريين من السلطة والسياسة معاً، بشكل سريع وحاسم، انتهى الأمر إلى عمليات قمع واستئصال للمعارضين. ذلك أنه في البلدان التي تُحكم من جيوش قوية، يجب إخراج العسكريين من الحكم بالتدريج. ويجب تقديم تنازلات متبادلة بين الطرفين، العسكريين من جهة، والقوى الساعية للديمقراطية من جهة أخرى.

ومن أبرز القواسم المشتركة في التجارب المشار إليها، أنه يجب إفقاد النظام الحاكم المستند للقوة العسكرية، الدعم الخارجي، أو تحييد هذا الدعم، عبر طمأنة القوى الخارجية المؤثرة على مصالحها الحيوية. وهذا يتطلب، استتباعاً، وبالضرورة، أن تتمكن المعارضة من تقديم بديل مطمئن للقوى الخارجية.

ومن بين الأمثلة الأربعة التي تستعرضها الدراسة، قد يكون مفاجئا للبعض الإشارة إلى وجود تشابه كبير في الخصائص النوعية التي قام عليها نظام الفصل العنصري الذي حكم جنوب أفريقيا بين عامي 1948 و1994، وبين نظام الأسد الذي يحكم سوريا منذ العام 1970. إذ استند نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا إلى حكم أقلية بيضاء من المستوطنين الأوروبيين، التي كانت تمسك بموارد الثروة والاقتصاد في البلاد، وتملك جيشاً قوياً، يمثّلها بصورة رئيسية، وينحاز لمصالحها، إلى جانب انحياز الكنيسة إلى جانبها، والتي كانت تبرر إجراءات التمييز العنصري التي كان يقوم بها النظام ضد الأغلبية الأفريقية السوداء، وباقي الأقليات العرقية الأخرى في البلاد.

وبطبيعة الحال، قد يستهجن البعض تشبيه نظام قام على الفصل العنصري بين البيض والسود، مع نظام الحكم "الأسدي". لكن البعد الأقلوي بوصفه ركيزة للأخير في الجيش والأجهزة الأمنية وداخل مؤسسات الدولة السورية، أمر يصعب تجاهله. وانحياز المؤسستين العسكرية والأمنية لصالح "آل الأسد" بعد ثورة العام 2011، يثبت البعد "الأقلوي" في تركيبة هاتين المؤسستين.

وما يفيدنا هنا، في مناقشة تجربة الانتقال الديمقراطي بجنوب أفريقيا، هي كيف تمكنت الأغلبية الأفريقية السوداء من تغيير موازين القوى لصالحها، في نهاية المطاف؟ بدأ نضال الأفارقة لاسترداد حقوقهم في ذلك البلد، منذ بداية القرن العشرين. وتطور مع ترسيخ نظام الحكم العنصري عام 1948، مع انسحاب المستعمر البريطاني. وشمل نضال الأفارقة هناك، كل أشكال العمل المعارض، من الاحتجاجات إلى حالات العصيان المدني مروراً بالطبع، بالأعمال المسلحة. وكانت هذه النشاطات تُواجه بأعمال قمع وتنكيل قاسية، من جانب النظام الحاكم، تسببت وحشيتها بدخول هذا النظام في حالة عزلة دولية، تفاقمت تدريجياً، مع تطور الحراك المعارض، ونضوجه. وكانت لحظة النضوج الأبرز، في سبعينيات القرن الماضي، حينما توحدت مختلف أطياف المعارضة حول هدف استراتيجي محدد، وهو تغيير جوهر النظام الحاكم في بلدهم، من خلال الحصول على المواطنة الكاملة لكل المواطنين، وإنهاء كل أشكال التمييز.

نضوج الحركة المعارضة في جنوب أفريقيا، وعدم يأس الحاضنة الشعبية منها، واستمرار النشاطات الاحتجاجية السلمية والمسلحة على حدٍ سواء، زاد بشكل كبير من كلفة استمرار النظام الحاكم على وضعه الراهن. خاصةً، بعد أن أصبح التواصل مع هذا النظام عبئاً ثقيلاً أمام الرأي العام الدولي على أي حكومة في العالم. فقاطعته معظم الدول، وفي مقدمتها، الدول الغربية، التي فرضت عقوبات اقتصادية، ازدادت وطأة على النظام، مع مرور السنوات. فمطلب المعارضة البسيط، وهو حق التصويت للسود الأفارقة، الذين يشكلون الأغلبية، وإنهاء التمييز حيالهم، لم يكن من السهل تجاهله في كل المحافل الدولية. فازدادت عزلة النظام الحاكم، وترافق ذلك مع عجزه عن إدارة الأزمات الداخلية، بصورة جعلت الحاضنة الشعبية الخاصة به، من الأقلية البيضاء، وتحديداً منهم، المثقفون ورجال الأعمال، يقتنعون بأنهم سيكونون أقدر على الدفاع عن مصالحهم في ظل نظام ديمقراطي جديد. وتُوّج ذلك التطور، حينما أطلقت السلطات سراح نلسون مانديلا عام 1990، لتبدأ مسيرة تفاوضية بين النظام الأقلوي، وبين المعارضة بقيادة مانديلا، استمرت 4 سنوات، وكانت أسس التفاوض مؤلمة للطرفين، إذ قبلت المعارضة بحماية دستورية للحالة القائمة لتوزيع الثروة، والتي تميل لصالح الأقلية البيضاء، وقبولها أيضاً بحماية هذه الأقلية ونخبها الاقتصادية. مقابل ذلك، قَبِل النظام بالاندماج السياسي لغير البيض وحصولهم على حق التصويت. وعلى أساس ذلك حصلت أول انتخابات ديمقراطية حقيقية في تاريخ البلاد عام 1994، والتي فاز بها، كما كان متوقعاً، نلسون مانديلا، ليكون أول رئيس أسود للبلاد. ومن ثم تم التصويت على دستور جديد عام 1996. ولاحقاً، عمل مانديلا على التخلص التدريجي من إرث النظام العنصري داخل مؤسسات البلاد، بصورة رسخت الانتقال للديمقراطية.

وتشير الدراسة المشار إليها أعلاه، إلى جملة أسباب أجهضت تجارب ومحاولات الانتقال للديمقراطية في بلدان أخرى، مثل باكستان وبنغلاديش وبعض بلدان الشرق الأوسط (المنطقة العربية)، من أبرزها، صراع وتناقض المعارضة، وعجزها عن توفير بديل مدني للحكم، وكذلك تماسك الفئة العسكرية الحاكمة وعدم ظهور إصلاحيين مستعدين للتفاوض داخل الجيش.

مقابل سمات الفشل لدينا، توجد سمات أخرى، قد تجعل إمكانية الانتقال الديمقراطي أقرب من أي وقت مضى، أبرزها، مؤشرات التململ المرصودة بشكل واضح في أوساط الحاضنة الشعبية لنظام الأسد

السمات الأخيرة، تنطبق على الحالة السورية بشكل واضح. لكنها في نفس الوقت، ليست سمات "قَدَرية" لا يمكن التغيير منها. فكما أشرنا، تطلب الأمر في جنوب أفريقيا، حوالي العقدين، حتى بدأت تظهر مؤشرات نضوج الوعي السياسي للمعارضة، وفهمها للطريقة الأمثل لإنهاء مأساة شعبها. لا يعني ذلك أننا يجب أن ننتظر عقداً آخر في الحالة السورية. فمقابل سمات الفشل لدينا، توجد سمات أخرى، قد تجعل إمكانية الانتقال الديمقراطي أقرب من أي وقت مضى، أبرزها، مؤشرات التململ المرصودة بشكل واضح في أوساط الحاضنة الشعبية لنظام الأسد، وفشل الأخير في إدارة أزمات البلاد الداخلية، تحت وطأة العقوبات الغربية المتصاعدة، وحالة العزلة التي لم يستطع حتى الآن كسرها بالصورة التي يأمل. وعجز حلفائه حتى اللحظة عن تحويل استثمارهم العسكري المقدم لصالحه، إلى مكاسب سياسية واقتصادية، الأمر الذي سيحثهم على البحث عن بديل، في وقت قريب، إن استمر الأمر على حالته هذه. وهو ما ينطبق بصورة أساسية على الروس.

وإن لم تكن الظروف قد نضجت بعد لالتقاط الفرصة، فإن كل الشروط التي أهّلت نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، للحظة التفاوض على تفكيكه وإعادة تأهيله بصورة مختلفة كليةً، تخدم مناوئيه.. تلك الشروط، جميعها تقريباً، متوافرة في الحالة السورية، باستثناء شرط واحد، يتطلب العمل عليه بكفاءة أكبر، وهو توحد المعارضة على هدف مشترك، وعدم تناقضها. ولا يعني ذلك بالضرورة أن تكون موحدة في جبهة واحدة، بل يعني ألا تكون متناقضة في مطالبها ونشاطاتها، وأن تكون تلك المطالب ذات سقف واقعي، يراعي مصالح الدول المؤثرة في الملف السوري. أما بالنسبة لفكرة المجلس العسكري الانتقالي، فهي دون شك، مدخل نوعي للبحث في إمكانية الوصول إلى تفاهم مع ضباط داخل المؤسستين العسكرية والأمنية، ومع داعميهم الروس تحديداً، وصولاً إلى اللحظة التي تنضج فيها الفرصة، ليتم اقتناصها، ويصبح لدى "آل الأسد" خيار وحيد، لا خيار آخر غيره، وهو التفاوض من أجل خروجهم من السلطة، لصالح إعادة هيكلة النظام الحاكم، كخطوة انتقالية نحو الديمقراطية بسوريا.

مقالات مقترحة
بسبب كورونا.. ملك الأردن يقبل استقالة وزيري الداخلية والعدل
من جرعة واحدة.. أميركا تصرح باستخدام لقاح "جونسون آند جونسون"
فتاة ملثمة استغلت إجراءات كورونا وطعنت طالبة في جامعة تشرين