سوريا نموذجاً للمنطقة القوية كما تريدها إيران

سوريا نموذجاً للمنطقة القوية كما تريدها إيران

سوريا نموذجاً للمنطقة القوية كما تريدها إيران
وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف

تاريخ النشر: 27.03.2018 | 12:03 دمشق

أطل جواد ظريف وزير خارجية إيران على القرّاء العرب عبر صحيفة العربي الجديد في مقال تضمن تمنيات نحو نموذج أمني جديد في المنطقة، بلغة هادئة مليئة بالحوار والسلام والمحبة، ولولا صورة ظريف إلى جانب المقال لظن كثيرٌ من القراء أن تشابهاً في الاسم قد حصل.

يعتبر المقال أشبه بإعلان ديبلوماسي عن واقع السيطرة الإيرانية على بلد عربي جديد، ودعوة الجميع لقبول هذا الاحتلال والتعاطي معه مقابل استعداد طهران لتقاسم الأرباح المكتسبة مع الأطراف الإقليمية والدولية، دون أن يستثنى أمريكا ولا إسرائيل عند حديثه عن القبول بمبدأ تأمين المصالح الجماعية وتعميم مبدأ الرابح لكل الأطراف في المنطقة، وعرض ظريف إمكانية التوصل لصيغة تفاهم مشابهة تحول دون الصدام العسكري، وإحالة سباق النفوذ والدماء في المنطقة بين اللاعبين إلى طاولة مستديرة لتقاسم الأرباح.
عزا ظريف أسباب الفوضى والتطرف في المنطقة العربية إلى تنظيم داعش والقاعدة، متجاهلا التشابه الكبير والتقاطعات الكثيرة بين القاعدة وداعش من جهة والظاهرة الخمينية من جهة أخرى، باعتبار إيران ظاهرة أيدولوجية عابرة للحدود تتناقض مع مفهوم الدولة واحترام سيادة الدول وقرار الشعوب، وهي بالضرورة ظاهرة إرهابية استنادا إلى أساليب ممارستها للسياسة داخل وخارج حدودها، ويذكرنا حضور وزير خارجية إيران جنازة عماد مغنية بالتزام إيران بدعم إرهاب أذرعها العابر للحدود.

وممَّا لا شك فيه أن الشعوب العربية عامة، والسوريين واللبنانيين والعراقيين واليمنيين خاصة، لديهم الكثير ليقولوه في حقيقة من جر أوطانهم وجيلهم إلى أكثر الحقب التاريخية خسراناً وخرابا، ومن ساهم ولا يزال بتعميم التوحش والتطرف والإرهاب في مجتمعاتهم، ومن سلّح وصدّر الميليشيات الطائفية في العراق ولبنان واليمن وسوريا لتنفلت على الأوطان والمجتمعات والتاريخ.

ولعلّ سوريا اليوم، بمدنها المدمرة وشعبها المهجر ومقابرها الجماعية التي لا تحصى وبحر الميليشيات المنتشر في حواضرها، تمثل النموذج الأبرز لطبيعة الدور الإيراني في المنطقة، ونموذج المنطقة القوية كما تريده وتطبقه وتدعو إليه طهران.

 

كيف تعاملت دولة ظريف مع الربيع العربي في سوريا؟

بعد أن بدأت موجات الربيع العربي بالتوسع كان السؤال الذي يراود كل من راقب من السوريين تلك الأيام العظيمة هو هل نستطيع فعل ذلك في سوريا؟

ثورة الشعب السوري قدمت منذ أيامها الأولى مشروعها السياسي ورؤيتها المستقبلية مؤكدة أنها ليست ثورة ذات دوافع اقتصادية أو طائفية وليست حربا أهلية بل ثورة حرية وكرامة

هل يمكننا أن نحطم منظومة أمنية متماسكة منذ أربعة عقود دمرت سوريا بتاريخها وعنفوان شعبها وحولته إلى ملكية خاصة لصالح عائلة وطائفة، كما حولت لبنان الى مزرعة خلفية لآل الأسد، وتلاعبت باستقرار العراق وابتزت دول الخليج وطعنت الأمن العربي وحضارته بالتحالف مع إيران، خاصة بعد تولي بشار الأسد للسلطة؟

انطلقت ثورة الشعب السوري من حوران وريف دمشق و جبلة و بانياس وحمص وصولاً إلى القامشلي بالإجابة على ذلك السؤال بصوت لم يسبق للعالم أجمع أن سمع له مثيلاً وهو يهتف في وجه المستحيل: الموت ولا المذلة!

ثورة الشعب السوري قدمت منذ أيامها الأولى مشروعها السياسي ورؤيتها المستقبلية مؤكدة أنها ليست ثورة ذات دوافع اقتصادية أو طائفية وليست حربا أهلية بل ثورة حرية وكرامة، رفع السوريون مبادئ ثورتهم عاليا و خطوا دستورها وأدواتها على يافطات مظاهراتهم: سلمية، حرية للأبد ، الشعب السوري ما بينذل ، لا للطائفية ، الشعب السوري واحد..

استطاعت إيران من خلال نفوذها داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية التابعة للنظام إنجاز مستوى عال من الفوضى تناغم مع مختلف مراحل الثورة السورية، ابتداء من التصدي للمظاهرات بالحل القمعي الذي تبناه النظام، إلى مجازر الذبح بالسكاكين ضد القرى السنية من خلال ميليشيات علوية محلية وصولاً إلى عمليات اغتصاب النساء المختطفات خلال حملات الاعتقال الجماعية، ونزول الدبابات إلى شوارع درعا وبانياس وجبلة.

دخل التحالف بين النظامين السوري والإيراني مرحلة غير مسبوقة، وتحول إلى تدخل إيراني متصاعد لإنقاذ نظام الأسد الذي بات مهدداً في وجوده من قبل فصائل الثورة السورية التي بدا أنها قادرة على حسم الصراع في عام 2013، عندما سيطرت هذه الفصائل على قرابة 70% من الأراضي السورية.

حينها بدأت إيران إمداد النظام بميليشيات شيعية متعددة الجنسيات بدءا من حزب الله اللبناني الذي بدأ تدخله من مدينة القصير في ريف حمص و منها إلى القلمون ويبرود، حيث بدأت حملة اقتلاع مجتمعات سنية من جذورها لصالح عائلات المقاتلين الشيعة و عائلات عمال مصانع المخدرات و الصواريخ الخاصة بحزب الله والتي تم نقلها من العمق اللبناني إلى القصير والقرى السورية على الشريط الحدودي مع لبنان الذي أصبح محتلاً من قبل حزب الله والميليشيات الشيعية المتطرفة.

جدير بالذكر أن تعزيز إيران وجودها الأمني في دمشق ودخول حزب الله إلى الأراضي السورية سبق إعلان تأسيس تنظيم داعش بأشهر، كانت إيران راعية الفوضى والتطرف والإرهاب والجرائم ضد الإنسانية والتي استهدفت المجتمع السوري على امتداده، وكان كلا التنظيمين الإرهابيين –إيران وداعش- في تحالف موضوعي ضد قوى الثورة السورية والشعب السوري الحر،  سهّلت إيران مرور داعش وسيطرته على المناطق والسلاح في سوريا والعراق، وتكامل أداء داعش مع أهداف ايران وميليشياتها،

كان التغيير الديمغرافي مشروعاً إيرانياً مدروساً يهدف إلى إحداث تغيير حاد في تركيبة السكان والمجتمعات المحلية في سوريا

حيث ساهمت داعش من خلال انتشارها في القلمون الشرقي والبادية بتحقيق قطع كلي لطرق إمداد الثوار من شمال سوريا باتجاه دمشق، وفي إطباق حصار الغوطة الشرقية من تل دكوة، وفي احتلال المنطقة الشرقية وآبار النفط وخروج الجيش الحر منها منذ يوليو 2014 دون أن تشنّ روسيا وإيران حملتهما على تلك المنطقة إلا بعد ثلاث سنوات قضوها في الحرب على الجيش الحر وإبادة حواضن الثورة السورية.

 

كيف يؤسس التغيير الديمغرافي للاستقرار الإيراني

 كمواطن سوري وإنسان عربي تحتل مدينته داريا الآن من قبل الميليشيات العراقية التابعة لإيران، وجدت أكثر إنشائيات ظريف وقاحة في مقاله حين دعا الى "الحوار" لحل المشاكل التي تعصف بالمنطقة، وفي مقدمتها التغيير الديمغرافي والهجرة، هكذا يتكلم وزير خارجية إيران التي أسست وقادت كل جرائم التهجير القسري والتغيير الديمغرافي في سوريا ابتداءً بحمص القديمة مروراً بالزبداني ومضايا ووادي بردى وداريا وحلب الشرقية وصولاً إلى الغوطة الشرقية.

كان التغيير الديمغرافي مشروعاً إيرانياً مدروساً يهدف إلى إحداث تغيير حاد في تركيبة السكان والمجتمعات المحلية في سوريا، عبر تهجير أهالي وسكان المناطق المنتفضة ضد الأسد لتصبح هذه المنطقة تحت سيطرة الإيرانيين مثلما حصل تحديداً في حمص وحلب وغوطة دمشق الغربية ومحيط دمشق.

اعتمد الإيرانيون، باستعمال نظام الأسد ولاحقاً بغطاء جوي روسي، على أكثر الأساليب دموية ووحشية لتحقيق هذا التغيير، عبر قصف المناطق الثائرة بطرق جنونية بعد حصارها وتجويعها وتدمير كل مرافق الحياة، ومن ثم فتح طريق للسكان للخروج من المنطقة المحاصرة وإخلائها كلياً أو بنسبة تضمن تفكيك بنية المجتمع والهيمنة عليه، أو عن طريق طرح مخططات تنظيم عمراني جديدة تهدف إلى طرد السكان الأصليين من مناطقهم ونقل ملكية هذه المناطق إلى مستوطنين متعددي الجنسية من الشيعة.

مسار أستانا مثالاً على الحوار الإيراني

 حدد ظريف التحديات الأساسية التي تواجه استتباب الأمن بثلاثة عناصر وهي: قراءة مشتركة للواقع وقناعة مشتركة للوضع المنشود للمنطقة وأدوات تحقيق ذلك الواقع.
 وبالنظر إلى سوريا، فالقناعة المشتركة لكل دول المنطقة ومعظم دول العالم أن ما يجري في سوريا هو ثورة شعبية ذات مطالب محقة وعادلة في وجه نظام استبدادي ديكتاتوري دموي، باستثناء الأنظمة الفاشية وفي مقدمتها روسيا وإيران التي كانت في مقدمة اللاعبين الدوليين الذين وضعوا كل ثقلهم لتفتيت تلك القناعة المشتركة لصالح ترويج رواية الحرب الأهلية والإرهاب والتطرف.

ولعل مسار أستانا يعد الدليل الأبرز على استحالة تكوين رؤى مشتركة حول ما يجب أن يكون الواقع عليه ووسائل الوصول إلى ذلك الواقع مع إيران حول سوريا و بالتالي المنطقة، باعتبار أن سوريا تعد أبرز قضايا وأزمات المنطقة الْيَوْمَ.

فبالرغم من علاقات اقتصادية متنامية بين تركيا وإيران وتفاهم الدولتين حول ملفات ساخنة كاستفتاء إقليم كردستان والموقف من القرار الأمريكي بنقل السفارة إلى القدس والشراكة في مسار الأستانا، إلا أن كل ذلك لم يساهم في تحويل مسار أستانا لمسار وقف إطلاق نار حقيقي، واستغلته إيران لتوسيع سيطرتها واستكمال مشروعها فقط.

فما حصل بعد إقرار اتفاق مناطق تخفيض التصعيد أن إيران استمرت بتغطية روسية كاملة بعمليات التغيير الديمغرافي في محيط دمشق كما حصل في القابون وبرزة، وعادت الميليشيات الإيرانية المتمركزة في منطقة الحاضر لتقصف رتل القوات التركية التي كانت متجهة لمنطقة العيس في ريف حلب الجنوبي لإقامة نقطة مراقبة وقف إطلاق النار ، كما انتقدت ايران عملية غصن الزيتون في عفرين وطالبت بوقفها، ودفعت بميليشيات تابعة لها في مناطق نبل والزهراء إلى عفرين وزودت وحدات حماية الشعب بالأسلحة،

يزداد العمى الاستراتيجي حين يتناقش الأصدقاء والأشقاء في إمكانية الفصل بين إيران و روسيا التي قدم سلاحها الجوي الغطاء لأقصى توسع للنفوذ الإيراني في سوريا منذ بداية الثورة

كما أشارت تقارير إعلامية إلى أن تقارير إستخباراتية لدى أنقرة تؤكد سعي إيران ومحاولاتها لإفشال غصن الزيتون، هذا مع الدولة الوحيدة في المنطقة التي حاولت أن تتحاور وتتعاون معها.

 

سوريا بين العرب وإيران

لم يكن ليجرؤ ظريف أن يكذب بهذه الثقة في مقاله إلا بعد ركون المجتمع الدولي للجرائم الإيرانية والروسية في الغوطة الشرقية وإدارتهم ظهورهم لأبطال الغوطة الشرقية الذين صمدوا سنوات في وجه اجتياح فارسي طائفي بربري لواحدة من أهم العواصم العربية التاريخية، متناسين أن هؤلاء القابضين على الجوع وزناد البندقية المرهقة يدافعون عما بقي من شرف أمة لم يبق لها من الكرامة في وجه أعدائها إلا تلك الفئة القليلة الصامدة على أرضها في سوريا.

هذا موجه خاصة إلى رافعي شعارات الحد من نفوذ إيران ونصرة الثورة السورية بينما تساهم سياساتهم وانقساماتهم وضياع المشروع الاستراتيجي والأولويات الحقيقية في توسع المشروع الإيراني باستمرار، ويزداد العمى الاستراتيجي حين يتناقش الأصدقاء والأشقاء في إمكانية الفصل بين إيران و روسيا التي قدم سلاحها الجوي الغطاء لأقصى توسع للنفوذ الإيراني في سوريا منذ بداية الثورة، بل إن بعضهم ذهب إلى إمكانية الفصل بين الأسد ونفسه وإيران، كل تلك الأوهام القاتلة كانت هرباً من الحل الوحيد المتمثل بالاصطفاف الحقيقي إلى جانب ثوار سوريا وشعبها الحرّ.

هكذا تتكلم إيران عن الحوار والأمن المشترك والربح للجميع بلغة هادئة وابتسامات ديبلوماسية، بينما تنشر ميليشياتها الإرهابية في ذبح الشعوب وتفكيك المجتمعات والاستيلاء على الدول وتعميم التوحش والطائفية والجريمة على الأرض، وبدلاً من دعم الثورة السورية التي كانت المشروع الوحيد الذي يواجه هذا الخطر الكبير على الشعوب العربية وعلى الإنسانية نفسها، انشغلت الدول العربية بصراعاتها وتقاسم النفوذ على الشعب الأبيّ المنكوب.

 

 

إلى أن يسقط الأسد ستبقى إيران عدونا الأول وأكبر عوامل الفوضى والتطرف والإرهاب، ولن تعرف المنطقة هدوءاً أو استقراراً إلا بعد أن تضرب إيران في عمقها ضربات تجبرها على سحب أذرعها المتمادية في جسد بلداننا العربية، ولن تدفعنا انقسامات الأصدقاء المؤلمة أو تماهي البعض مع إيران والتطبيع مع سياساتها إلى تقبل الكيان الإرهابي الذي يمثله نظام طهران أو التطبيع معه.

لن يدفعنا إلا لمزيد من الحقد على المحتل، ومزيد من الفخر بأن شعبنا وحده من حاول وقف اجتياح إيران على بلادنا والبلاد العربية في وقت كانت تلك البلاد بين متغافل أو شامت أو مساهمة بأخطائها وصراعاتها في تغوّل إيران على أجسادنا الممزقة على امتداد الأرض.