سوريا.. كيف تدمرت دولة ومجتمعا؟!

تاريخ النشر: 19.09.2019 | 00:09 دمشق

آخر تحديث: 28.01.2020 | 18:48 دمشق

في أعقاب الحرب العالمية الأولى التي أدت إلى تفكك الإمبراطورية العثمانية، وتشكل الكيانات العربية المستقلة، نشأ الكيان السوري تحت حكم الملك فيصل (1918-1920). وعلى الرغم من أنه لم يستمر طويلاً فإنه أقام حكومة سورية شبه مستقلة وكذلك أحزاباً سياسية محلية، اعتمدت دستوراً شبه ليبرالي يسمح بحياة ومشاركة سياسية في البلاد.

وضع الفرنسيون حداً لذلك الكيان مباشرة مع احتلالهم لسورية عام 1920، وسبّب ذلك نكسة حاسمة في عملية إنشاء مجتمع سياسي في سوريا. ومع ذلك، لم تتراجع مشاعر الهوية السورية بين أعضاء الحركة الوطنية السورية العربية، بل تعززت هذه المشاعر في الواقع، من خلال نضال الحركة الوطنية من أجل استقلال سوريا، وأيضاً من خلال المشاركة السياسية في البرلمان والانتخابات (اُنتخب أول رئيس للجمهورية السورية إبان الاحتلال الفرنسي، عام 1932 -1936، وكان محمد علي العابد).

جندت فرنسا عددًا كبيرًا نسبيًا من الجنود من الطوائف الأقلية، ووظفتهم بشكل أساسي لإخماد التظاهرات، كما عززوا النزعة الاستقلالية لدى مختلف الطوائف المسيحية، ومنحتهم مناصب تفضيلية في الإدارة الحكومية وكذلك في الاقتصاد. ساهمت هذه السياسات في اتساع الفجوة الطائفية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، بين الأغلبية السنية والأقليات المختلفة من الشعب السوري، فضلاً عن تعزيزها النزعة الانفصالية لدى تلك الأقليات.

جندت فرنسا عددًا كبيرًا نسبيًا من الجنود من الطوائف الأقلية، ووظفتهم بشكل أساسي لإخماد التظاهرات، كما عززوا النزعة الاستقلالية لدى مختلف الطوائف المسيحية

كل ذلك، لم يوقف الكفاح المشترك للجماعات السورية المختلفة ضد الاحتلال، مما ساهم في تعزيز الوعي القومي السوري والعربي بين أوساط كبيرة من السكان، وخاصة بين المثقفين الحضريين المسلمين والمسيحيين. ومع ذلك، لم يكن هذا الوعي متبلورًا وشاملًا بحيث يمكنه أن يشكل أساساً كافياً لمجتمع سياسي محلي في مواجهة الإجراءات والسياسات الفرنسية، من مثل تشكيل دويلات مناطقية وطائفية بهدف تعزير قوى النزعات الانفصالية، واستخدام القوات الأرمنية ضد المتمردين المسلمين، وتسليح السكان المسيحيين في دمشق خلال ثورة 1925، ناهيك عن تسليم لواء إسكندرون لتركيا عام 1939، التي تهدف بشكل أساسي إلى منع تشكيل كيان موحد مركزه دمشق.  

زُرعت بذور التغيير الاجتماعي السياسي في سوريا منذ الاستقلال إبان فترة الاحتلال، حيث تشكلت بدايات الطبقة البرجوازية الحضرية التي تتكون من محامين ومدرسين وطلاب وموظفين حكوميين، كما تم وضع الأساس لجيش مؤلف من الطبقات الدنيا والمتوسطة ومن نسبة كبيرة من مجتمعات الأقليات، وهما الفئتان الاجتماعيتان اللتان تمكنتا من النمو خارج سيطرة النخبة التقليدية، ونفذتا لاحقاً التغييرات الكبرى والخطيرة في سوريا بعد الاستقلال، من خلال الأحزاب السياسية "الحديثة" ومجموعات الضباط الشباب.

تأسست معظم الأحزاب "الحديثة" في عهد الاحتلال: الشيوعي والقومي السوري والإخوان المسلمون وحزب البعث، ولم يولِ أيّ منها مسألة الهوية القومية والدولة اهتماماً جدياً، لأسباب مختلفة وفقاً لعقيدة كل حزب، إضافة إلى الأحزاب التقليدية المتمثلة في الكتلة الوطنية وحزب الشعب الذي انشق عنها أواسط الثلاثينيات، لأسباب مناطقية تحولت إلى أسباب تتعلق بالعلاقة مع المحاور العربية.  

لم تدم فترة الحكم المدني طويلاً بعد الاستقلال، حيث بدأت فترة الانقلابات العسكرية مع الجنرال حسني الزعيم الذي أطاح الرئيس شكري القوتلي في 30 آذار 1949، ولم تتوقف حتى عام 1955، حيث أُعيد انتخاب شكري القوتلي عام 1955 وانتهت تلك الفترة، ومعها البوادر لتأسيس مجتمع سوري ودولة سورية، حيث الصحافة الحرة والقضاء وحرية التجمع والتظاهر والانتخابات البرلمانية التي شاركت فيها الأحزاب العقائدية واستفادت منها لتعلن انقلابها عليها فيما بعد، مع بداية الوحدة مع مصر والانقلابات العسكرية التي تلتها، والتي نعيش في آخر انقلاب منها، وهو أسوؤها على الإطلاق.

خلال تلك الفترة، أدركت الأحزاب السياسية السورية، أنه لا البرلمان ولا الناخبون هم المصدر الرئيس للسلطة السياسية، ولكن جوهر السلطة الجديد هو الجيش. وبالتالي، أصبح المشهد الرئيس للصراع على السلطة الذي تلا إزاحة الشيشكلي في عام 1954، والذي لعب اغتياله لسليمان المرشد (1949) وقمعه تمرد الدروز عام 1949 دوراً سلبياً عزز الانكفاء نحو البنى الطائفية أكثر، هو صفوف ضباط الجيش، مع الجماعات العسكرية المتنافسة المرتبطة بمختلف الأحزاب السياسية ذات الأصول الاجتماعية والطائفية المختلفة، لعدة سنوات، تمكن الضباط المؤيدون لحزب البعث من كسب السطوة في الجيش، مقابل المد الشيوعي ولمنعه.

حافظ السياسيون والضباط من الأقليات، وخاصة الدروز والعلويين، على علاقة قوية مع مجتمعاتهم، ودعموا ترشيح أفراد من طوائفهم كضباط تحت إشرافهم، وفضلوا المصالح الطائفية في حالة تعارضها مع مصالح الدولة. وساهم ذلك في جعلهم قوة جديدة ضمن المجتمع السياسي السوري الجديد، كما تمكنوا خلال جيل واحد من الصعود إلى مواقع النفوذ والسلطة في سوريا، من خلال حزب البعث والجيش السوري، حيث قاموا بانقلابهم الحزبي الأول في الثامن من آذار 1963، الذي أسس لبداية الفاجعة في سوريا.

قام أعضاء اللجنة العسكرية بالحزب بعملية ترييف ممنهجة وإعادة هندسة للجيش، بهدف خلق قواعد شعبية لهم خصوصاً، إلى أن امتلك الضباط العلويون، بقيادة صلاح جديد وحافظ الأسد -وهما أعضاء اللجنة العسكرية في الحزب- تفوقاً عددياً واضحاً في قيادة الجيش والحزب، فاستولوا على السلطة في شباط 1966، واستبعدوا بعدها قيادة البعث التقليدية المتمثلة بـ صلاح الدين البيطار وميشيل عفلق، وأنهوا التنسيق مع الضباط الدروز، الذي تُوج بإعدام سليم حاطوم عام 1967.

حافظ السياسيون والضباط من الأقليات، وخاصة الدروز والعلويين، على علاقة قوية مع مجتمعاتهم، ودعموا ترشيح أفراد من طوائفهم كضباط تحت إشرافهم

لعبت عوامل أخرى غير الانتماء الطائفي دوراً في الصراع على السلطة بين أعلى القيادات العسكرية والسياسية في عهد جديد، منها المصالح الشخصية والعائلية وشهوة السلطة، وتجلت أبرزها في الصراع على السلطة بين جديد والأسد، الذي بدأ وراء الكواليس عام 1966، واشتعل عام 1969، وانتهى بفوز الأسد في تشرين الثاني 1970. وبعد استيلاء الأسد على السلطة، حوّل غالبية العلويين من المدنيين والعسكريين دعمهم وولاءهم إليه، وأصبحوا يشكلون العمود الفقري لنظامه منذ ذلك الوقت.

أعاد الأسد ترتيب قيادة الجيش والمخابرات، وفق معيار وحيد: الولاء له، كما رسخ هيمنته على الجبهة الوطنية، واعتمد نظام الأسد إلى حد كبير على سلطته الشخصية وحكمه الديكتاتوري، وليس على الحياة السياسية التي زعم تشكيلها، مما شكل نكسة خطيرة في عملية بناء الدولة في سوريا، من خلال ربط مصيرها بمصيره.

في الثمانينيات، وفي مواجهة أول تمرد جدي ضده، من مختلف التيارات السياسية والنقابات والتجار، التي ما زالت تشكل بقايا هياكل لمجتمع سياسي ومدني، لجأ الأسد إلى سحقه بالكامل بالاعتقالات والرصاص، وقام بحل النقابات ومعاقبة التجار، ناهيك عن اعتقال العديد منهم، ومعاقبة تجار حلب، وشكّل نقابات على الطريقة الميليشياوية، تحت إشراف المخابرات مباشرة، وأدخل المظليين إلى الجامعات، وهم ميليشيا تتبع رفعت الأسد، ووجه ضربات موجعة بل قاضية لعدد من الأحزاب السياسية المعارضة.

تمكن نظام العائلة الأسدية من تفكيك النسيج الاجتماعي السوري، وإعادة تشكيله بما يخدم دوام واستمرارية حكمها، كما ألغى تماماً، ضمن عملية متكاملة، إمكانيات بناء دولة سورية، وجعلها عملية مكلفة جداً، من خلال ابتلاع سلطته القائمة على قوة الجيش والمخابرات نويات الدولة والمجتمع السياسي السوريين، ولم يترك أي مجال للنشاط السياسي حتى ضمن الجيش الذي حوله إلى قوة متجانسة وموالية، وهو الأمر الذي يكشف مدى التدمير الذي سببه للبلاد في مواجهة السوريين وثورتهم، كونه قوة منفصلة عن المجتمع، بل معادية له وإلى حد كبير.

 

كلمات مفتاحية
"دخل الجمهور والفرقة بقيت في الخارج".. فيديو من حفل فيروز بمهرجان بصرى في درعا
درعا.. إصابة طفلين بانفجار قذيفة من مخلفات النظام الحربية
النظام يستبدل عناصر حواجزه في غربي درعا ويرسلهم إلى تدمر
تسجيل 18 إصابة بفيروس كورونا في مدارس حماة
مسؤول طبي سوري: الوضع الاقتصادي لا يسمح بإغلاق جزئي لمنع انتشار كورونا
كورونا.. 10 وفيات و468 إصابة جديدة شمال غربي سوريا