سوريا تودع عاماً "قاسياً" من الهجمات الإسرائيلية

تاريخ النشر: 03.01.2021 | 00:03 دمشق

مع انقضاء العام المنصرم 2020، كشف الجيش الإسرائيلي أنه أغار خلاله على خمسين هدفا في سوريا، رغم ندرة إعلاناته عن مثل هذه الهجمات، حيث تركز هذه الهجمات بالعادة على العاصمة دمشق، ومواقع عدة للنظام وميليشيات إيرانية، تزامنا مع ما شهدته الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة مع سوريا ولبنان، عشر محاولات تسلل عبر السياج الأمني.

يتحدث الإسرائيليون أن حصيلة اثني عشر شهرا من الهجمات الجوية المكثفة على أهداف إيرانية داخل سوريا تسببت في أن التموضع العسكري الإيراني في سوريا يشهد تباطؤا واضحا نتيجة استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، بما في ذلك إخلاء قواعد ومعسكرات ومقار إيرانية من دمشق، كجزء من حملة لإبعادها إلى شمال شرق سوريا، كما أن نقل الأسلحة من إيران إلى سوريا شهد تضاؤلا بشكل كبير في الأشهر الأخيرة.

في الوقت ذاته، كشفت الأوساط العسكرية الإسرائيلية أن ضرباتها هذه خلال الشهور الماضية استهدفت مواقع وتمركزات لقوات حزب الله في منطقة النبي هابيل في ريف الزبداني، بجانب كتيبة دفاع جوي ومواقع عسكرية للحرس الثوري في ريف دمشق، تضم مخازن للوسائل القتالية، وبطاريات وصواريخ أرض-جو، وقيادة فيلق القدس الإيراني وقيادة الفرقة السابعة السورية.

اعتمد سلاح الجو الإسرائيلي خلال تنفيذ هجماته داخل سوريا على طائرات إف16 ومروحيات الأباتشي، والطائرات المسيرة، مركزا على استهداف المنشآت العسكرية مثل مطار التيفور، ومستودعات التسليح والتصنيع والتذخير، وعربات القتال، وبطاريات الدفاع الجوي، ومباني القيادة، والعربات التي تحتوي على قادة بارزين، وشملت الضربات مواقع في عدة محافظات سورية: القنيطرة ودرعا ودمشق وريف دمشق ودير الزور وحمص وحماة وحلب.

يظهر ما يمكن وصفه بـ"الحصاد" الإسرائيلي للعدوان المتكرر على سوريا خلال العام المنصرم، حجم الاستعدادات العسكرية والأمنية التي أخذ بها جيشها، استعدادا لحرب واسعة مقبلة، يمكن أن تندلع في جبهات متعددة، ومنها الساحة السورية، وقد تجرى على "نار هادئة"، مع أنه يصعب قراءة هذا التوتر الحاصل على الجبهة السورية، وتزايد الضربات الإسرائيلية فيها، دون ربطه بعملية الانتقال بين إدارة الرئيس الخاسر دونالد ترامب والفائز جو بايدن.

يُثير تركز الضربات الإسرائيلية على أهداف مختلفة داخل الأراضي السورية خلال هذا العام الطويل تساؤلات عدة، حول طبيعة الأهداف التي تستهدفها الطائرات الإسرائيلية بشكل متكرر، لأنه درجت العادة، مع كل غارة جديدة يشنها الاحتلال على أهداف عسكرية في سوريا، أن يتم العودة لقصف ذات الأهداف من جديد، لاسيما منطقة جبل المانع الذي يعد منطقة انتشار الرادارات السورية بسبب ارتفاعه.

مع العلم أن الحرس الثوري الإيراني يتخذ من هذه المنطقة التي تتعرض لقصف إسرائيلي متكرر مقرا عسكريا له شديد التحصين، وحفر الأنفاق داخله، وحوله إلى مستودعات للصواريخ الاستراتيجية، كما تضم منطقة الجبل قيادات عدد من الفيالق والفرق التابعة لقوات النظام، كالفيلق الأول والفرقة السابعة، وهذه القيادات حولها الحرس الثوري إلى مراكز قيادة لعمليات الميليشيات التابعة له.

هذا يعني بالضرورة أنه لم يعد من السهولة فصل المواقع العسكرية الإيرانية عن مواقع قوات النظام، لأن قوات الحرس ترتدي زي جيش النظام أيضاً، مما يصعّب مهمة المراقبة على الاحتلال، وجعل قواته تركز الضربات على هذه المنطقة، استباقا لأي تحركات عسكرية إيرانية انطلاقا منها.

جاء لافتا زيادة الهجمات الجوية الإسرائيلية على سوريا بالتزامن مع توتر في علاقات إيران وروسيا في سوريا، مما يعني أن الغارات بعثت على راحة كبيرة لموسكو، وفق المزاعم الإسرائيلية، رغم أن موسكو تواصل إعفاء نفسها من القول الدائم؛ بأن هذه الغارات لا تساهم باستقرار أوضاع المنطقة، وجاء التزامن الأكثر في هذه الضربات أنها تكثفت بعد توقيع سوريا وإيران على اتفاق عسكري جديد يستهدف تعزيز الدفاعات الجوية للنظام السوري، ومنع غارات جوية جديدة على أهداف إيرانية وسورية، حينها هزت التفجيرات الإسرائيلية أجواء دمشق.

هذه الحرب غير المعلنة بين طهران وتل أبيب، التي تتواصل منذ بداية الحرب على أرض دمشق، أضافت إليها المنافسة بين روسيا وإيران على النفوذ، وتحديد مستقبل سوريا، لأن الاتفاق العسكري الأخير بين دمشق وطهران أثار أعصاب موسكو، كونه يدور عن تطور قابل للانفجار، ومن شأنه أن يزيد عدم الاستقرار في سوريا، في حال زودت إيران جيشها بمنظومات الدفاع الجوي، وحاولت مهاجمة أهداف معادية في سماء سوريا.

لقد زادت إسرائيل من ضرباتها الجوية باتجاه سوريا خلال الأشهر الأخيرة لجملة من الأسباب، بعضها سياسية وأخرى عملياتية

يمكن الحديث في إطار الهجمات الإسرائيلية على سوريا خلال العام الفائت عن عدة دوافع خلف تكثيفها بصورة لافتة أكثر من الأعوام السابقة، في وقت تستعد فيه الولايات المتحدة لاستقبال رئيس جديد يبشّر بالعودة لاتفاق النووي مع إيران.

لقد زادت إسرائيل من ضرباتها الجوية باتجاه سوريا خلال الأشهر الأخيرة لجملة من الأسباب، بعضها سياسية وأخرى عملياتية، أهمها العمل ضد مساعي التسلح والتموضع للإيرانيين وفروعهم في سوريا، ولهذا السبب نفذ سلاح الجو الإسرائيلي هجمات استثنائية في حجمها، في مسعى إسرائيلي واضح لإطلاق إشارة للإيرانيين بأن فترة الهدوء انتهت، والصبر عاد إلى مستواه السابق، وهو قريب من نقطة الصفر.

وقد دفع ذلك الجيش الإسرائيلي على غير العادة لأن يعلن مسؤوليته عن الهجمات على سوريا، على أمل أن تصدح هذه الرسالة من بيروت حتى طهران، فتردع محاولات عمليات أخرى، فضلا عن محاولات الرد على الرد، وهذا يعني أن القرار الإسرائيلي بالهجوم بكل هذه القوة على الإيرانيين في سوريا نبع من عدة دوافع.

يكمن الدافع الأول في مسؤولية الإيرانيين المباشرة والحصرية عن بعض العمليات المخطط لها على الحدود المشتركة، خاصة وضع عدد من العبوات الناسفة التي كشفها الجيش الإسرائيلي مؤخرا، صحيح أن من زرعها هم سوريون من الجولان المحتل، لكن التمويل والتدريب والتوجيه جاء من فيلق القدس التابع للحرس الثوري.

يتمثل الدافع الثاني للهجمات الإسرائيلية على سوريا في الرغبة بدفعها إلى أن تأخذ المسؤولية الكاملة عما يجري في الجولان، وفي حال تتوقع إسرائيل أن نظام الأسد غير معني بالوصول إلى الحرب مع إسرائيل، فإنها تريد منه أن يجعل مجال الحدود السورية الإسرائيلية هادئا ونقيا، لكن من المشكوك فيه أن يكون هذا التوقع واقعيا، إذا أخذنا بالحسبان قدرات الجيش السوري، وقيوده تجاه إيران وحزب الله، حيث ما تزال هذه مشكلة الأسد، وبهذه الصفة فإنه من يدفع ثمن موجة الهجمات الأخيرة.

الدافع الثالث يتركز في حزب الله، الذي لا يزال يحتفظ بملف مفتوح مع إسرائيل، فقد حاول مرتين، وفشل في الثأر لمقتل أحد عناصره في هجوم لسلاح الجو الإسرائيلي على مطار دمشق، لكنه أوضح بأنه سيحاول مجددا.

الدافع الرابع يتعلق بدوائر صنع القرار في طهران، وكذا للقوى العظمى، ممن يقدرون خطأ بأن انتهاء ولاية دونالد ترامب ودخول جو بايدن المرتقب للبيت الأبيض، سيؤدي إلى سياسة إسرائيلية أقل عدوانية تجاه إيران، بزعم أن هذه الهجمات الإسرائيلية على سوريا تعني ضمنياً أن تل أبيب ليست جزءاً من هذه القصة، بقدر ما يتعلق الأمر بمصالحها الأمنية في الساحة الشمالية.

إيران حصلت على موطئ قدم على الحدود الإسرائيلية، بالتزامن مع استمرار نشاطات "المعركة بين الحروب"

التقديرات العسكرية الإسرائيلية تتحدث أنه رغم الضربات الجوية المكثفة ضد إيران خلال عام كامل في سوريا، في محاولة لتقويض الوجود الإيراني قرب حدودها، لكن معلوماتها الاستخبارية تفيد بأنه رغم هذه الهجمات الجوية الدقيقة، لكن النتيجة السياسية لا تتغير؛ وهي أن إيران حصلت على موطئ قدم على الحدود الإسرائيلية، بالتزامن مع استمرار نشاطات "المعركة بين الحروب".

التخوف الإسرائيلي أنه إذا استمرت الوتيرة الحالية من النفوذ الإيراني والرد الإسرائيلي على الأراضي السورية، فسوف يصل الإيرانيون خلال عامين أو ثلاثة أعوام لموقع قوة في المحافظات الجنوبية لسوريا، خاصة القنيطرة ودرعا والجبل الدرزي.

هذه المعطيات تؤكد أن الهجمات الإسرائيلية على سوريا طوال عام 2020، من المتوقع لها أن تستمر في العام الجديد 2021، بزعم أن إسرائيل صبرها قصير، وهجماتها كفيلة بأن تكون غير متوازنة مع الفعل نفسه، وتجربة الماضي تفيد بأن إيران لا تسارع في الرد على المس بها، وقد تحاول البحث عن فرصة مناسبة بعد اغتيال عالمها النووي فخري زاده، مما يؤكد أن الوضع الأمني في الجبهة الشمالية، خاصة سوريا، سيبقى في دائرة التوتر الذي ميز هذه الجبهة في الأشهر الأخيرة، دون توقع أن يصل إلى نهايته خلال العام الجديد.

بموجب الاتفاق.. قوات النظام تدخل مدينة داعل وتُخلي حاجزاً في درعا البلد
درعا.. ملازم في جيش النظام يهين لؤي العلي رئيس "الأمن العسكري"
تنفيذاً للاتفاق.. النظام يدخل تل شهاب غربي درعا ويفتتح مركزاً "للتسويات"
"الصحة العالمية" توصي بأول علاج وقائي للمرضى المعرضين للخطر من كورونا
منظمة الصحة العالمية: الإصابات والوفيات بكورونا تنخفض عالمياً
10 وفيات و170 إصابة جديدة بفيروس كورونا شمال شرقي سوريا