في حلقة خاصة من برنامج "وسط البلد" ضمن سلسلة "سوريا تحكي" التي عُرضت عبر شاشة ومنصات تلفزيون سوريا، نُظمت جلسة نقاشية مفتوحة جمعت طيفاً واسعاً من السوريين، بينهم طلاب وإعلاميون وناشطون، إلى جانب عضو اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب والمتحدث الرسمي باسمها الدكتور نوار نجمة، لبحث ملف "التشميل السياسي خلال المرحلة الانتقالية".
ولم تكن الحلقة مناظرة تقليدية، بل مساحة تفاعلية تهدف لبناء جسور بين الناس والمؤسسات في لحظة سورية فارقة.
المشاركة السياسية.. بين "رؤية الدولة" و"واقع المجتمع"
افتتحت الحلقة بتعريف مفهوم "سوريا تحكي" كمنصة تتيح للمواطنين مساءلة المسؤولين. وطرح المقدم الدكتور زيدون الزعبي التساؤل الجوهري: هل تمتلك السلطة اليوم تعريفاً واضحاً للتشارك السياسي؟
أجاب الدكتور نوار نجمة موضحاً أن السوريين اليوم في طور "صناعة الرؤية السياسية" لسوريا الجديدة، معتبراً أن التشارك هو "قدر السوريين" بعد الثورة.
وأضاف أن الهدف من المرحلة الانتقالية هو بناء أسس الدولة (الدستور، مجلس الشعب، الإدارة المحلية)، وأن هذه الرؤية تُصنع حالياً لتنفيذها والوصول في نهاية المرحلة إلى نظام مستقر.
أصوات من الميدان: المشاركة ليست مجرد شعارات
فتح البرنامج السقف للحضور، فجاءت المداخلات نقدية وعملية:
- فادي يوسف (منسق شبابي): انتقد غياب استشارة الفئات المتأثرة بالقرار، وضرب مثالاً بعمله التنسيقي؛ حيث يرى أن الدولة إذا اتخذت قراراً من دون رأي الشعب، فسوف "يسحب الشعب يده" وتظل الدولة وحيدة.
- الزاهر السروجي (ناشط اجتماعي): أكد أن المجتمع المحلي في أحياء مثل "الشاغور" لم ينتظر الدولة، بل بادر بدعوة المسؤولين للحوار، معتبراً أن التشارك يبدأ بمبادرة من المواطن لفرض وجوده.
- محمد نعال (رئيس هيئة طلابية): وضع إصبعه على جرح "الثقة"، مشيراً إلى أن السوريين الخارجين من حقبة قمعية يعانون من خطاب الكراهية والتخوين، وتساءل: "كيف نثق بمن يمثلنا ونحن نعيش حالة استثنائية من عدم الثقة المتبادلة؟".
- مازن سمندر (إعلامي): طرح تساؤلاً حاداً حول "الأمان"، متسائلاً كيف يمكن الحديث عن تشميل سياسي للأقليات في ظل غياب الأمن؟
رد السلطة: المشاركة مبادرة وليست "عطاءً"
عقّب الدكتور نوار على المداخلات مؤكداً أن المشاركة السياسية ليست "منحة" تقدمها الدولة، بل هي مبادرة من المجتمع. وانتقد الموروث الذي تركه "النظام المخلوع" الذي ربط السياسة بالسلطة فقط.
وأوضح أن التمثيل يتم عبر صناديق الاقتراع، حتى وإن لم يرضَ الجميع عن النتائج، فالمؤسسات (مجلس الشعب، النقابات) هي الأدوات الشرعية للتشارك.
واتخذ الحوار منحى أكثر سخونة في القسم الثاني، حيث واجه الحضور الضيف باتهامات مباشرة:
- انتقاد الحوار الوطني: أحد المشاركين شبه "مؤتمر الحوار الوطني" بـ "منسف المليحي"، قائلاً إن إعداد المنسف يحتاج إلى جهد أكبر مما بذل في الحوار الذي تم "سلقه" في ساعات وبنتائج هزيلة، معتبراً ما يحدث "تنكيلاً سياسياً" وليس تشميلاً، خاصة مع هيمنة تيار واحد على اللجان.
- المرسوم 66 والاحتجاجات: المهندس نور عرعار هاجم صمت المؤسسات تجاه احتجاجات الناس على أسعار الكهرباء ومعاشات الأطباء و"المرسوم 66" الذي صادر حقوق الملاك، واصفاً السلطة بأنها "تعيش في جزيرة نائية في أوروبا" وتطبق قوانينها على شعب غلبان.
- تمثيل المرأة: طرحت طالبة الإعلام "لمى عوض" سؤالاً حول ما إذا كان التشميل السياسي "جراحة حقيقية" أم مجرد "إبرة مخدر" لتجميل الصورة، منتقدة ضعف تمثيل النساء والشباب.
أزمة الأرقام والكوتا
دافع الدكتور نوار عن العملية الانتخابية، معتبراً أن "مؤتمر الحوار الوطني" كان مجرد بداية. وفيما يخص تمثيل المرأة (الذي لم يتجاوز 5% في بعض الهيئات)، اعترف بوجود نقاط ضعف، لكنه برر ذلك بأن "صناديق الاقتراع" في دمشق مثلاً لم تفرز أي امرأة رغم وجود 150 امرأة في الهيئة الناخبة، مرجعاً السبب لضعف "التكتيكات الانتخابية" لدى النساء وليس لإقصاء متعمد من الدولة.
واختتمت الحلقة بحديث عن مفهوم المواطنة التي لا تنحصر في "جواز السفر"، بل في العيش المشترك وحق التجمع السلمي.
ورداً على سؤال حول إمكانية تأسيس أحزاب، أكد الدكتور نوار أن هناك أحزاباً واقعية تمارس نشاطها الآن على وسائل التواصل والواقع من دون مضايقات أمنية (بخلاف عهد النظام المخلوع)، بانتظار صدور قانون أحزاب رسمي ينظم عملها.
وشدد في الختام على ضرورة التحول من "التمثيل الطائفي" (مسيحي، مسلم، كردي) إلى "التمثيل الوطني السياسي" القائم على الأيديولوجيات والبرامج، مؤكداً أن المدارس والجامعات يجب أن تخرج "مواطنين" قبل أن تخرج مهندسين وأطباء.